شريط الأخبار

تأكيد قتل .. يديعوت

12:14 - 13 آب / يوليو 2012

ناحوم برنياع - بقلم

(المضمون: فكر متولو شؤون العرب في سني دولة اسرائيل الاولى بتجنيدهم الالزامي جميعا لأنهم اعتقدوا ان ذلك أفضل طريق لاندماجهم في المجتمع الاسرائيلي ونيل حقوقهم كاملة. وأصبح أقطاب المجتمع العربي الآن يرفضون التجنيد للجيش الاسرائيلي بل للخدمة المدنية رفضا باتا - المصدر).

يقول واحد من أنصار كديما ان نتنياهو مثل طيار يضغط جميع الأزرار غير الصحيحة فتهوي الطائرة فتُماس قمم الاشجار. وآنئذ وفي آخر ثانية يضغط زرا فترتفع الطائرة الى أعلى وينشد الركاب نشيد شكر يقولون ان طيارنا هو الأعظم.

في ظهر أمس جلس عضو الكنيست يوحنان بلاسنر من كديما وفريق مساعديه الى بوغي يعلون وفريق مساعديه، وقد دُعي الى اللقاء لاظهار جهد لا لحل اختلافات في الرأي. وقد أُهدر معظم الوقت على محاولات الهرب من تقرير بلاسنر الذي تبناه نتنياهو قبل بضعة ايام. وفي النهاية عرض فريق نتنياهو فرض التجنيد الالزامي للخدمة المدنية على العرب، فاذا تهربوا فستُغرم المجالس المحلية العربية، وتعجب المشاركون من ذلك.

وآنئذ اختفى إلكن واختفى دافيد شومرون محامي نتنياهو واختفى يعلون وأُعلن تفجير. وينبغي ألا نُخرج من نطاق الاحتمال ان هذا التفجير سيُخرج موفاز من الحكومة.

لم يختر نتنياهو يعلون كي يفاوضه بل كي يعطي مشهدا جليلا لنهاية أقل احتراما. ومع كل الاحترام لمنزلة يعلون فان المفاوضة الوحيدة التي أدارها في حياته كانت مع أبو جهاد وانتهت هي ايضا بتأكيد القتل.

الحديث عن ترويج، فسمعة رئيس الاركان السابق ستساعد الناخبين على هضم النتائج. وأصلح ما أقول واحد من المشاركين في المحادثات بقوله: ليس هذا دقيقا. فقد اختاروا بوغي بسبب ماضيه إذ كان عاملا في الاسطبل في الكيبوتس، فقد تعود على الرائحة.

ان المحامي شومرون هو حاضنة رئيس الوزراء والمعتنية به والراعية. فهو نتان ايشل الاغنياء. وأنا اسأل منذ اليوم الاول لهذه المحادثة الغريبة، اسأل المشاركين أين هو والى أين ذهب ومتى سيأتي. فقد أصبح الآن هنا بكل جلاله.

حينما يعلن عمال نزاع عمل تكون قواعد اللعب واضحة، فالعمال يطلبون أكبر قدر ممكن. ويسعى أرباب العمل الى أقل قدر ممكن. ويلتقون في الطريق ويعلن كل طرف أنه انتصر، وهكذا تكون الحال ايضا في المفاوضات السياسية، فحدود المنطقة واضحة. ومن الواضح منذ أول لحظة ماذا يريد كل طرف ان يأخذ وماذا يستطيع ان يعطي، والباقي متروك لموهبة مديري التفاوض.

أما أمر التجنيد فمختلف، فقد دخله كديما حزبا جريحا منتقضا وفيه كتلتان فقدتا الاهتمام بالنتائج. وقد عزمت كتلة منهما على البقاء مع نتنياهو سواء أكان اتفاق أم لا. وعزمت الكتلة الثانية على الانفصال سواء أكان اتفاق أم لا. ويتطوع للوساطة أكثر اعضاء الكتلة البرلمانية وفي مقدمتهم موفاز. وليس السؤال الذي يقلق أكثرهم ماذا سيفعل القانون الجديد بالحريديين بل ماذا سيفعل القانون الجديد بهم، وهم بقايا فلول كديما. وهم كالمسافرين في قطار أشباح لا يرون سوى الهاوية الفاغرة فاها أمامهم.

يفهم نتنياهو ضعفهم. وليس التجنيد هو الذي يقلقه بل حفظ قوته. وهو يبحث من اول يوم عن صيغة عجيبة يستطيع ناخبوه التسليم لها وتُجيزها المحكمة العليا ولا تضر بالائتلاف. واذا لم يكن مناص من الاعتزال فيحسن ان يعتزل جزء من كديما. وسيُثني الآخرون على القانون الجديد وتُدمن وسائل الاعلام على الفضيحة التالية.

والامكان الذي هو أقل حُسنا هو ان تعتزل يهدوت هتوراة، لكن يمكن العيش مع هذا ايضا، فسيبقى غافني رئيس اللجنة المالية ويهتم باراك بألا توجد مواجهات عنيفة في مراكز التجنيد وكذلك وسائل الاعلام التي ستُدمن على الفضيحة التالية.

ان ما لا يجوز أن يقع هو ان تعتزل شاس، فاعتزال شاس سيُعرض نتنياهو لاملاءات ليبرمان والتمرد الداخلي في كديما واليمين الاستيطاني في الليكود.

في منتصف الليل في يوم الثلاثاء، كما يزعم موفاز، اتصل نتنياهو به فظن انه وقعت حادثة أمنية تقتضي قرارا فوريا، فهو يعرف هذه المكالمات الهاتفية جيدا منذ كان رئيس هيئة الاركان ووزير الدفاع.

وكان مخطئا، فقد تلا عليه نتنياهو خطبة عن أهمية دراسة التوراة للشعب اليهودي، فخلص موفاز الى استنتاج ان رئيس الوزراء لا يتحدث اليه وان هناك آخرين موجودين في الغرفة ويصغون الى الحديث. وخلص الى استنتاج ان ايلي يشاي واريئيل اتياس هما الشاهدان الصامتان على الحديث بينهما. وأن الحديث هو الهدية التي يرسلها الى الحاخام عوفاديا. اذا كانت قد وجدت هنا دراما حقيقية فهذه ذروتها. لكن يوجد دائما امكان ان يكون كل شيء عرضا مسرحيا: الازمات والتعوجات والصراخ في وسائل الاعلام، فكل ذلك لا يرمي إلا الى الطمس على التسوية التي كان يمكن التنبؤ بماهيتها سلفا. فالمصالحة هي خبز والازمة ماء ويصعب بغير ماء ابتلاع الخبز.

ذئب، ذئب

كان يبدو حتى عرض نتنياهو وموفاز في منتصف الليل ان الاتصالات تفضي الى اقتراح قانون متفق عليه. وقد جلس فريق بلاسنر الى موظفين من ديوان رئيس الوزراء ووزارة المالية وصاغ المواد. وتسمى هذه المرحلة على ألسن موظفي الحكومة "اقتراح ذوي قرار" – وهو اقتراح قرار يؤتى به الى طاولة الحكومة. وكان المشتركون على يقين من ان الاقتراع قد تم باستثناء بعض التفصيلات. وحينما استرقوا في الواحدة بعد منتصف الليل سموا لقاءا من الغد في يوم الاربعاء في الثامنة صباحا.

لكن حينما حضر أمين سر لجنة بلاسنر، افيعاد فريدمان، الى الدارة عند مدخل ديوان رئيس الوزراء قالوا له ان اللقاء أُلغي ومُنع موظفو ديوان رئيس الوزراء من الحديث معه. وكان يوم الاربعاء يوم قطيعة.

قال موفاز انه لم تقع قطيعة كهذه منذ دخل الحكومة، فجمع كتلة كديما البرلمانية. وطلب بوعز نول، وهو من أقطاب خيمة المغفلين الى موفاز ان يدخل الكتلة البرلمانية. وقال لاعضاء كديما انهم يحتالون عليكم ويخدعونكم ووبخته داليا ايتسيك بقولها لا يهم ان يحتالوا علينا شيئا ما فالشيء الأساسي ان يوجد اتفاق. وبعد ذلك أخرجوا نول من الجلسة.

طلب موفاز الى رفاقه ان يمنحوه تفويضا لترك الائتلاف. وهو لا يحتاج الى تفويض لأن دستور كديما يُمكّنه من الاعتزال من غيره، لكنه يحتاج الى دراما.

أعلموا فريق بلاسنر في الليل أنهم يجددون المحادثات. وتمت في مقابل ذلك محادثات في حلقتين أخريين واحدة في وزارة الدفاع برئاسة اللواء (المتقاعد) يودكا سيغف الذي كان عضو لجنة بلاسنر. ويحاول جهاز الامن ان يصوغ اقتراحا خاصا به يتوسط بين مطالب الجيش الاسرائيلي ومطالب وزير الدفاع. وأوجد رئيس الائتلاف زئيف إلكن حلقة خاصة به بمشاركة المحامي شومرون ووزراء شاس.

لم يتخلَ إلكن لحظة واحدة عن نقطة انطلاقه وهي ان نتنياهو لا يريد ان يتخلى عن حلفه للحريديين مهما حدث، وهذا جيد لنتنياهو وجيد لإلكن. ولهذا يجب رفع السن قدر المستطاع التي يستطيع الأب الصغير ان يُعفى فيها من الخدمة، ولا يجوز تحديد نصيب اعفاءات وعقوبات حقيقية على المتهربين من الخدمة العسكرية. فـ "الغايات" تجوز، أما "النصيب" فيحرُم.

ان الفرق بين الطريقتين واسع جدا بحسب تقدير اللجنة لأنهم اذا حددوا نصيبا فسيبلغون في غضون اربع سنين الى نسبة تجنيد تبلغ 75 في المائة، واذا اكتفوا بالغايات فسيبلغون الى نسبة 25 في المائة.

وماذا عن السن: تتحدث شاس عن الثامنة والعشرين، وهي مستعدة للمصالحة على 26. ويتحدث بلاسنر عن الثانية والعشرين وهو مستعد للمصالحة على الثالثة والعشرين، ويتحدث ليبرمان عن الثامنة عشرة.

من طوبي الى طيبي

ان التجنيد موضوع حساس، وتجنيد العرب موضوع حساس بصورة مميزة. ويجند اعضاء الكنيست العرب جميع قدرات خطابتهم لمحاربة حكم التجنيد. وهم يرفضون حتى الخدمة المدنية.

سيُفاجأ بعض القراء حينما يتبين لهم ان الامر لم يكن هكذا دائما. كان الحزب الشيوعي هو الممثل الأصيل الوحيد لعرب اسرائيل في الكنيست في سني الدولة الاولى، وهو الحزب الأم لراكح التي ولدت من رحمها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. وقد حارب الحزب الشيوعي بلا كلل من اجل حقوق عرب اسرائيل.

في كانون الثاني 1950 تم في الكنيست تباحث في قانون جهاز الامن. وخطب توفيق طوبي، وهو من أقطاب الحزب الشيوعي، خطبة متأثرة وسأل: "لماذا تُخرج الحكومة المواطنين العرب في سن التجنيد من نطاق الخدمة العسكرية برغم ان كثيرين منهم أبدوا استعدادا للوفاء بواجباتهم باعتبارهم مواطنين يطلبون التمتع بجميع الحقوق؟ لا شك في ان هذه من الظواهر البارزة للتمييز العنصري في سياسة الحكومة تناقض كل جهد لكسب صداقة الجماهير العرب".

وتوجه زميله في الحزب، مئير فلنر، من فوق المنبر الى بن غوريون قائلا: "أريد ان اسأل وزير الدفاع عن سبب انه لم يتم تجنيد الى الآن بحسب قانون الأعمار، الملائمون من السكان العرب؟".

وفي تباحث سابق في ايلول 1949 خطب زعيم ماكي (الحزب الشيوعي) شموئيل ميكونيس واقترح تجنيد النساء العربيات وقال: "كلي أمل ان يكون تجنيد النساء اليهوديات والعربيات للجيش من عوامل تقديم المرأة العربية الى الأمام نحو تحررها من قيود عبوديتها في العائلة والشعب ورفع مستواها الاجتماعي والثقافي".

ليس العرب فقط هم الذين فكروا في التجنيد العام للشباب العرب. ففي يوميات موشيه شريت، رئيس وزرائنا الثاني، وجدت ذكرا لهذه الفكرة في مطلع شباط 1954. "(وزير الدفاع بنحاس) لافون دخل بعد الجلسة للمشاورة في تجنيد الدروز للجيش"، كتب شريت. "أسعدني ان أسمع أنه يوجب في الحقيقة تجنيد (كل) العرب ويرى امكانية تجنيدهم في وحدات عربية مدمجة في وحدات يهودية أكبر.

"اقترحت عرض الاقتراح على الحكومة حينما نتوصل الى اتفاق على أسس سياستنا نحو الأقلية العربية. وحينما تُستعمل هذه الطريقة، وهي التجنيد النظامي لأبناء الأقليات للجيش، سيكون من الممكن استعمال المرونة والتفريق بين الدروز والعرب وتفضيل الأولين تفضيلا نسبيا".

بحسب قصة لم أنجح في التحقق منها، استقر رأي لافون على اصدار أوامر استدعاء لجميع الشباب في الوسط العربي، وكان افتراضه ان يحضر قليلون. وكان من المفاجيء جدا ان الحضور كان عاما، فدهش لافون وأعاد الأوامر.

حتى لو لم تكن هذه القصة ولم تقع، فان المقتبسات من تلك السنين تدل على أننا مضينا بعيدا وسرنا الى الخلف في كل ما يتعلق بعرب اسرائيل. فقد أصبح التجنيد الذي كان يُرى بحق جسرا الى الاندماج في المجتمع في نظر الساسة العرب أمرا محظورا. فقد زعموا آنذاك ان عدم التجنيد عنصري ويزعمون اليوم ان التجنيد عنصري.

وحدث عند اليهود مسار معاكس، فقد فكر المعتدلون ذات مرة بالتجنيد، واليوم لا يتحدث سوى العنصريين عن التجنيد بالغمز: فليبرمان ورفاقه لا يريدون تجنيد العرب في الحقيقة لا للجيش ولا للخدمة المدنية، بل كل ما يريدونه ان يُعمقوا القطيعة بين اليهود والعرب وان يحصدوا الغلة في صناديق الاقتراع.

حينما يُسأل احمد الطيبي، ممثل الوسط العربي الفصيح في الكنيست، لماذا يعارض التجنيد بشدة يلوح بعلم الاحتلال. اذا وجد احتلال فلا تجنيد، حتى لعلاج المرضى في الوسط العربي. وقد دعا توفيق طوبي الذي لا يستطيع أحد ان يشك في اخلاصه لقضايا عرب اسرائيل الى تجنيد العرب للجيش الاسرائيلي في الفترة التي كان فيها عرب اسرائيل يخضعون لسلطة الحكم العسكري. فأين طوبي وأين طيبي.

شرارة واهمال

أصبحت وزارة العدل من غد بت الحكم في محاكمة اولمرت مصابة بالكآبة. وقد تحصن أنصار المدعي العام للدولة موشيه لادور في حصن عدالتهم ومر الآخرون كظل في الأروقة. وكان من ثاروا بأثر رجعي على طريقة لادور واجراءاته في التحقيق والمحاكمة، وكان هناك من شمتوا.

قال لادور انه لا يجوز ان يُمتحن المدعون العامون في امتحان النتيجة، وأيده على ذلك القائد العام للشرطة يوحنان دنينو وكانا على حق بالطبع. فالذي يمتحن المدعي العام هذا الامتحان يشوش على المحاكمة: فاما ان يتخلى المدعي العام عن تقديم لائحة اتهام حينما لا يكون التأثيم مؤكدا وإما ان يفعل كل شيء حتى لو كان ثمن ذلك سجن انسان بريء كي يحرز تأثيما بمقتضى القانون.

لم يفشل لادور في امتحان النتيجة بل فشل في امتحان الاجراء، فقد كانت حماسته الزائدة في غير مصلحته، وكذلك اهمال العاملين معه. ونجمت هذه الأخطاء طوال المحاكمة ولم يكشف عنها الحكم النهائي بل أضاءها باضاءة تغشي البصر بحيث لا يمكن اخفاؤها.

الحديث عن حالة كلاسيكية لاستعمال زائد للقوة. وفي هذه القضية لا فرق بين رئيس وزراء أو مدعي عام أو شرطي أو جندي أو معلم في مدرسة. ان الدولة تولي هؤلاء الناس قوة عظيمة، وحينما يتبين انهم يستعملونها استعمالا سيئا توجب المصلحة العامة ان يُقال لهم: حسبُنا.

ان تميس إلهة العدل في الاساطير اليونانية تغطي عينيها. وهذه العادة تحسن ايضا بأقطاب العدل في النيابة العامة، ومع كل ذلك لن يضر بهم ان ينزعوا الغطاء بين الفينة والاخرى كي يروا الى أين يتجهون. حينما أقنع لادور جهازي قضاء بتمكينه من الاتيان بموشيه تالنسكي للادلاء بشهادة مبكرة كان تالنسكي لم يُنه بعد التحقيق معه في الشرطة. وكان للمحققين بحسب شهادتهم اضبارتان ونصف اضبارة، لا أكثر من المواد في القضية. ومرت سنتان أخريان الى ان قدمت النيابة العامة لوائح الاتهام. ومرت سنة اخرى حتى أدركت ان تالنسكي مهرج.

لا يُعزل رئيس وزراء على أساس ضيق كهذا وضعيف كهذا. وكان لادور يستطيع ان يعلم ان هذه ستكون نتيجة الاجراء الذي قام به، وأنا على يقين من انه فعله ببراءة، فلم تكن له حسابات سياسية مع اولمرت ولا مؤامرة مشتركة مع خصومه. لكن لادور كان يستطيع ان يعلم ان هذا ما سيحدث، فهذا ما قاله لي بصدق في حديث كان بيننا هذا الاسبوع بعد بت الحكم.

أقنع بحماسته ستة قضاة، ثلاثة في اللوائية وثلاثة في العليا. وقد جاء ندمهم لا ندمه بعد ذلك.

أراد ان يلقي على المدعي العام اللوائي، ايلي ابربنال، مهمة ادارة المحاكمة، فتهرب ابربنال وأوكلت المهمة الى اوري كوريف وكان ذلك اختيارا مخطئا. واعتقد ضباط الشرطة الذين شاركوا في التحقيق ان كوريف شديد الصلف وواثق جدا من نجاحه ودخل مجالات لا يفترض ان يدخلها مدعي عام. وحذر أحدهم لادور لكنه رفض التحذير بيديه الاثنتين.

حينما اجتاز المدعون العامون شارع صلاح الدين من المداولات في المحكمة اللوائية الى مكاتب الادعاء العام، تحدثوا الى المسؤولين عنهم عن ان الفوز مضمون، وكان ذلك نوعا من العمى ايضا، فالشعور بالفوز جعلهم يفشلون مرتين: وكان أساس أحد الفشلين الاهمال بسبب ثقافة الاتكال الاسرائيلية. وترك التحقيق ثقوبا كثيرة لم يجهد المدعون العامون أنفسهم بملئها. وأساس الفشل الثاني الصلف والشرارة.

تنقلوا من البدء في النيابة العامة بين تصورين متناقضين يقول الاول ان الجميع متساوون أمام القانون وان رئيس الحكومة كواحد من المواطنين. ويقول الثاني ان الحديث عن رئيس وزراء وعن سمكة سمينة، وانه يجب زج هذا المجرم الكبير وراء باب السجن.

وعاملوه بحسب ذلك. ان اولمرت مثل كل رئيس وزراء سابق يملك جوازا دبلوماسيا. وفي واحدة من لحظات حضيض المحاكمة حينما طلب السفر الى الولايات المتحدة لاستيضاح أمر من شاهدة، منعوه من استعمال جوازه الدبلوماسي فاضطر الى استصدار جواز جديد وتأشيرة دخول جديدة. واحتاروا في السفارة الامريكية أيعطونه تأشيرة دخول لأنه يوجد عندهم معايير كثيرة شتى حينما يكون الحديث عن متهمين، وكانت الشاهدة هاذية ولم تكن حاجة الى الاذلال.

لا أعتقد ان اولمرت كان سيبقى في رئاسة الوزراء على كل حال، فقد أضرت حرب لبنان الثانية بحياته المهنية ضررا شديدا. وكانت شهادة تالنسكي المبكرة القشة التي كسرت ظهره فقط. أية قشة وأي ظهر.

حظي اولمرت في أعقاب بت الحكم بتبرئة عامة، ومع ذلك لم تنته ازماته القضائية. فهو في قضية هولي لاند التي هي قضية فساد حقيقي بخلاف تالنسكي وريشون تورز، هو لاعب مقعد في الأكثر، ومع كل ذلك فهو في مركز الهدف. فهو سمكة سمينة حتى حينما يكون سمكة هزيلة.

ان اولمرت غارق الآن في المكالمات الهاتفية وبعضها تهنئات وبعضها تحسس سياسي. ويهاتفه موفاز بين الفينة والاخرى ويشاوره بلاسنر. فلو أنه أراد ان يعود الى كديما لاستطاع كما يبدو ان يتبوأ سريعا جدا مقعد الرئيس.

لكن الطريق الى هناك طويلة مليئة بالحواجز. فيجب على اولمرت قبل ذلك ان ينهي قضاياه القضائية بلا وصم وبلا عار. فكل عنوان صحفي يبشر بعودته يُبعده عن ذلك فقط.

انشر عبر