شريط الأخبار

تسميم عرفات.. أم إفلاس سلطة؟ ..عبد الباري عطوان

02:16 - 12 كانون أول / يوليو 2012


من المؤلم، بل ما يثير الحنق، ان القضية الفلسطينية العادلة التي كانت تهزّ العالم بأسره، تراجعت الى مستويات متدنية ومخجلة في الوقت نفسه، واحتلت ذيل اهتمام العرب قبل العالم، والسبب في ذلك يعود بالدرجة الاولى الى انعدام الحراك الفلسطيني على الصعيدين القيادي والشعبي معا.

نذهب الى ابعد من ذلك ونقول ان قضية فلسطين باتت تنحصر الآن في أمرين اثنين:

* الاول: شريط وثائقي بثته فضائية 'الجزيرة' يفسر الماء بالماء، ويكشف عن سرّ خطير، وهو ان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات اغتيل بالسم من قبل احدى الأدوات الفلسطينية، وبمادة البولونيوم الذرية التي لا تملكها الا ثلاث دول هي امريكا وروسيا واسرائيل، اي اننا لم نعد نجرؤ كعرب على اتهام اسرائيل علنا.

* الثاني افلاس السلطة في رام الله ماليا، وعجزها عن دفع رواتب رهط من الموظفين يزيد تعداده عن 160 الفا، وعجز السلطة الموازية في قطاع غزة عن توفير الكهرباء لمليوني انسان في صيف قائظ ترتفع فيه الحرارة الى ما يقرب الخمسين درجة مئوية، والسبب عدم وجود الوقود لتشغيل المحطة اليتيمة لتوليد الكهرباء في القطاع المحاصر والمنسي عربيا وفلسطينيا.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيتوجه غدا الجمعة الى الرياض لمقابلة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، ليس من اجل تذكيره بمبادرة السلام العربية التي ماتت وشبعت موتا، ولا لشرح موجة الاستيطان التي خنقت وتخنق القدس المحتلة، ولا حتى مأساة الأسرى، سيلتقيه من اجل تسوّل ما تجود به شهامة العاهل السعودي من ملايين، لانقاذ السلطة من الإفلاس وفقد آخر ما في جعبتها من اسلحة لإبقاء بعض التأييد لها في الاراضي المحتلة، وهو 'سلاح الرواتب' بعد ان تنازلت عن جميع الاسلحة الاخرى مثل العصيان المدني، والانتفاضة الشعبية، والمقاومة المسلحة.

من المفارقة ان السلطة الفلسطينية ممثلة برئيس وزرائها الدكتور سلام فياض طلبت من اسرائيل ان تتوسط الى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بمئة مليون دولار، يخرجها من ازمتها المالية الحالية. هل هذا معقول، وفي اي زمن نحن، الفلسطينيون يوسّطون اعداءهم لتسوّل قروض باسمهم من المؤسسات المالية الدولية، ووضعها على كاهل الشعب الفلسطيني وتكبيله واجياله المقبلة؟ ثم من اين سيسدد هذا الشعـــب هذه القروض في المستقبل، من نفطه، ام من ارضه ومقدساته والتنازل عن ثوابته، وعلى رأسها حق العودة؟

مسؤولية انقاذ السلطة الفلسطينية من افلاسها المالي، بعد افلاسها السياسي، ليست مسؤولية عربية، بقدر ما هي مسؤولية امريكية واسرائيلية، فالسلطة لم تستشر العرب عندما وقعت اتفاقات اوسلو، كما ان بقاء السلطة واستمرارها وتنسيقها الامني هي مصلحة امريكية واسرائيلية ايضا، لأن هذا البقاء يعفي الدولتين من تبعات الاحتلال.

لو كانت اتفاقات اوسلو ادت الى الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، والخالية من المستوطنات، كخطوة اولى لتحقيق الثوابت الفلسطينية، نفهم ان تقدم هذه الدولة على خطوة الاستدانة من صندوق النقد الدولي، أسوة بالدول الاخرى، ولكنها لم تعد سلطة، ولا حتى حكما ذاتيا ،مكبرا او مصغرا، والرئيس عباس نفسه اشتكى مرّ الشكوى من هذا الوضع المزري، وهدّد اكثر من مرة بحلّها، وقلب الطاولة على الجميع، ولكنه لم يفعل، ويبدو انه لن يفعل، والأكثر من ذلك يبعث ببرقية تهنئة لإيهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق بمناسبة تبرئته من تهم الفساد، ونسي الرئيس عباس ان اولمرت هذا شن حربين مدمرتين، الاولى على جنوب لبنان في مثل هذا الوقت، اي تموز (يوليو) عام 2006، والثانية عندما ارسل دباباته وطائراته لقصف قطاع غزة بالفوسفور الابيض وذبح اكثر من 1400 انسان، وتدمير المدينة الصامدة المحاصرة بالكامل تقريبا (60 الف منزل تضررت).

السلطة الفلسطينية قالت انها ستحقق في استشهاد الرئيس عرفات بالسّم، وستطالب بتشكيل لجنة دولية لهذا الغرض، على غرار ما حدث بعد جريمة اغتيال الراحل رفيق الحريري. كلام جميل، ولكن لماذا لم نسمع بهذا الطلب الا بعد فيلم الجزيرة الوثائقي؟ ولماذا صمتت السلطة ثماني سنوات كاملة؟

هناك من يقول ان السلطة لا تملك المال للتحقيق في هذه الجريمة واللجوء الى مختبرات دولية، وهذا تبرير يدين السلطة اكثر من ان يبرئها، فمن غير المنطقي ان تملك محطة فضائية كالجزيرة الإرادة والقدرة في التحدي والمخاطرة، وكذلك الامكانيات المادية، ما لا تملكه سلطة تملك اكثر من ثمانين سفارة في العالم، تزدحم بالموظفين، علاوة على دفع رواتب 160 الف موظف مع مطلع كل شهر، ويعتبر الشهيد عرفات مؤسسها ورمزها!

ثم ماذا يكلف تحليل ملابس الرئيس الفلسطيني وفرشاة اسنانه في معمل سويسري طبي: مليونا مليونين، ثلاثة، وهل يعقل ان السلطة لا تملك هذا المبلغ، وان كنا نعتقد ان تكاليف عملية التحليل هذه لن تتعد بضع مئات الآلاف من الدولارات؟

نكاد نجزم بأن هذه الضجة الصاخبة حول اغتيال الرئيس الفلسطيني الرمز ستتبخر في غضون ايام معدودة، ولجان التحقيق هذه ستعود الى سباتها السابق، لأن الإرادة غائبة، والخوف من امريكا واسرائيل ضارب اطنابه في السلطة، بل ومعظم العرب الآخرين.

كانت هوجة اعلامية مثل كل الهوجات السابقة، فماذا حدث لتقرير غولدستون، ماذا حدث لهوجة الطلب الفلسطيني للحصول على العضوية في الامم المتحدة؟ الاجابة صفر مكعب.

اعتصام واحد، ومن قبل عشرات الشبان منع رئيس السلطة من لقاء شاؤول موفاز نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي وقاتل الفلسطينيين في غزة والضفة، عندما كان رئيسا لهيئة الاركان، ولماذا لا تتوسع دائرة الاعتصامات هذه ضد السلطة والاحتلال معا؟

الحلّ هو في حلّ هذه السلطة التي اصبحت عبئا على اصحابها، قبل ان تكون عبئا على الشعب الفلسطيني.. نعم قلناها في السابق ونجد لزاما علينا تكرارها كل يوم.

انشر عبر