شريط الأخبار

اتركوه يرقد بسلام....! ..أكرم عطا الله

10:30 - 08 تموز / يوليو 2012

من السذاجة الاعتقاد بأن دولة كبيرة مثل فرنسا لم تعرف السبب الدقيق لموت الراحل ياسر عرفات منذ ثماني سنوات، وهل كان طبيعياً أن تقدم فرنسا على إعدام عينات الدم للرئيس الراحل دون أن تتوصل للحقيقة التي ظلت غائبة عن عموم الشعب الفلسطيني لكنها معروفة جيدا لفرنسا وللقيادة الفلسطينية التي بلغت بها منذ ثماني سنوات، فلم تكن الحقيقة بانتظار تقرير "الجزيرة" والذي بكل الأحوال يعكس مهنية نادرة وتستحق الاحترام لكنها كانت تعيد اكتشاف ما عرفه الفرنسيون قبل أن يغادر جثمان الزعيم مستشفى بيرسي العسكري.

فدولة كبرى لديها مفاعل نووي قادر على إنتاج البولونيوم ربما منذ خمسينات القرن الماضي لا تترك حدثاً بهذه الضخامة دون أن تعرف بدقة ما الذي حصل ولسببين، أولهما العلاقة الوطيدة بين الرئيسين شيراك وعرفات، وثانياً لأن المسألة لها علاقة بالأمن القومي الفرنسي والذي كان يجب أن يعرف إذا كانت هناك أنواع من الإشعاعات والسموم لم تكتشفها فرنسا بعد أو حتى الأمراض الطبية ...!

الحقيقة وقعت بين يدي منذ أربع سنوات من مصادرها الفرنسية والتي حرصت على التأكيد على عدم نشر ذلك، وستأخذ المسألة زمناً طويلاً حسب القوانين حتى يسمح بالإفراج عن وثائقها الغنية بأحداث مثيرة وحزينة وتشكل إدانة كبيرة لدولة مثل إسرائيل أصبحت الجريمة والإرهاب والمحرمات الدولية والسموم جزءاً من تاريخها.

وبعيداً عن التفاصيل، فإن هناك حقائق عامة سيتم نشر تفاصيلها يوما ما رافقت وفاة الزعيم الكبير وعرفت منذ نوفمبر2004 للكثير من قادة دول العالم وأولها أن الرئيس عرفات قتل عن طريق الأشعة من خلال تعرضه لإشعاع سام وليس عن طريق شيء آخر، وقد أكد ذلك الطبيب السويسري ديفيد باركلي من معهد الطب الشرعي والذي قال في تقرير الجزيرة أنه كان هناك تخثر داخل الأوعية الدموية وتظهر أعراض التخثر في ثلاث حالات فقط، إما لدى من يصابون بالحروق الشديدة أو لدغ الثعابين أو التعرض للأشعة، ولأن الرئيس لم يصب بحرق ولم يتعرض للدغة أفعى في المقاطعة فقد قال الطبيب السويسري ما أكده المستشفى الفرنسي العسكري، وقد وضعت حينها احتماليتين، الأولى من خلال كاميرا لصحافي قد يكون عميلا لإسرائيل وقف أمام الزعيم وصوب كاميرته التي بثت الإشعاع، أو الاحتمال الثاني الأكثر ترجيحاً وهو أن إسرائيل سلطت الإشعاع على رأس الرئيس الراحل من نافذة مكتبه حين اعتلت عمارات عالية مقابلة له وهذا تم الحديث فيه فلسطينيا لعدة أيام أثناء حصار المقاطعة، ولكن توقف الفلسطينيون عن الحديث عنه بلامبالاة واخطؤوا حين لم يغيروا مكتب الزعيم إلى غرفة أخرى أو يضعوا مجسماً على كرسيه، وهو الأكثر حذراً كيف لم ينتبه لذلك هو أو مسؤولو حرسه؟ وهذا ينفي بالقطع ما حاول تقرير "الجزيرة" الإيحاء به من خلال المقارنة مع عميل روسي تعرض لنفس الحالة لتقول أن التسمم وضع بالأكل وكأنها كانت تريد اتهام أطراف فلسطينية بالمشاركة في اغتيال رمز الشعب الفلسطيني، وهذا يطرح أسئلة كبيرة لها علاقة بالهدف من وراء ذلك، رغم تأكيد الطبيب السويسري في التقرير أن هذه الحالة هي نتاج التعرض للإشعاع.

الحقيقة الثانية، أن فرنسا أبلغت القيادة الفلسطينية بذلك شفهيا ولم تكتب ذلك في تقرير الوفاة لأن حراجة الوضع جعلت فرنسا تعتقد أنها حين تكتب أن الرئيس عرفات توفي متعرضاً لشعاع البولونيوم وهذا لا يمكن أن ينتج إلا في مفاعلات نووية، هذا معناه أنها تتهم إسرائيل مباشرة وهي في تلك اللحظة ليست مستعدة لتحمل تبعيات ذلك من إشعال حريق كبير في المنطقة، فهذا هو الأب الروحي للشعب الفلسطيني ورمزه الأول وكانت اللحظة العاطفية حينها تندلق مستعدة لحرق الأخضر واليابس، فتصورت فرنسا أن الحريق سيشتعل وليست مستعدة لرمي عود الثقاب، ففضلت أن تكتب أن "هذا النوع من الأمراض ليس معروفاً لديها" وكان من البراءة تصديق ذلك عن دولة بهذا الحجم والمعروفة مستشفياتها العسكرية بكفاءتها، وهي من اللحظة التي اختارت مستشفى عسكريا وليس مدنياً كان لديها شكوك كبيرة بان الأمر ليس مرضاً عادياً يستدعي مستشفى مدنياً، والأهم أن المفاعل النووي الإسرائيلي هو ابن مصغر للمفاعل النووي الفرنسي.

وكان هذا مريحاً لقيادة السلطة التي تشعر بوطأة اللحظة وثقل المسؤولية، التي خلفها الراحل الكبير وتشعر أن إدانة إسرائيل تتطلب منها انتقاماً لمقتله وعملاً هي أعجز منه بكثير، فاللحظة العاطفية آنذاك لم تكن تحتمل وراثة الزعيم دون أن يدفع الجاني الثمن، وبدا فيها أن الثمن اكبر من طاقة الورثة بكثير.

وكان هذا أيضاً مريحاً لإسرائيل التي شعرت أن فرنسا ستكتشف الجريمة لحظة اختيارها للمستشفى العسكري الأهم فيها، فاستنفرت أجهزتها الاستخبارية والدبلوماسية لتوسيط ربما الولايات المتحدة حتى لا تنكشف الفضيحة الجريمة، والغريب أنها تتصرف بوقاحة انعكست في البيان الرسمي الذي رد على "الجزيرة" وتتهم الرئيس الفلسطيني باتهامات مخجلة بعد أن تأكدت أن إخفاء الجريمة تم بتوافق دولي أو بالأصح بتواطؤ دولي.

هذا معناه أن الأمر لا يحتاج إلى نبش قبر الزعيم التاريخي من جديد والتنكيل بعظامه في مشهد لا اعتقد أن الذاكرة الفلسطينية التي أغلقت عينها على الصورة الأخيرة لبطلها رافعاً شارة النصر وهو يتلو آيات الصمود والتحدي تريد أن تغير هذه الصورة واستبدالها بصورة أخيرة للرفاة، فالأمر معروف سلفاً وتخطئ زوجة الشهيد عرفات التي استدرجتها اللحظة لتطالب بإخراج الجثة من جديد، ولكن الرواية المعروفة كلها قد تترك أسئلة كثيرة على عدم سرعة القيادة الفلسطينية الوريثة بمتابعة الأمر في المحاكم الدولية وإدانة إسرائيل، فخلف الجريمة يكمن مفاعل نووي، فلم تكمل لجان التحقيق الفلسطينية عملها ولا اعرف لماذا تشكلت أصلا وأنا الصحافي اعرف الحقيقة واعرف أن السلطة عرفتها منذ ثماني سنوات.

كان يجب تشكيل لجنة فلسطينية عربية ودولية لإلقاء القبض على إسرائيل، فالمسألة هنا على درجة من الأهمية حين يعرف العالم أن هذه الدولة قتلت شريكها في السلام والحائز على جائزة نوبل، والى حين متابعة القضية لدى المحاكم الدولية اتركوا ذلك الرفاة الطاهر ينام بسكينة قابضاً على حفنة تراب من القدس، وحين توثق القضية لدى المحاكم ويحتاج الأمر لمحققين دوليين لإدانة إسرائيل حينها فقط يقبل الفلسطينيون أن يتم إخراج رفاة قائدهم، وهذه مهمة السلطة التي تأخرت كثيراً ولن يقبل الفلسطينيون أن تتأخر أكثر.

ملاحظة: أنصح "حماس" بعدم المبالغة بالحديث حول موضوع عرفات، فما زال الناس يتذكرون ماذا حصل يوم أن أرادوا الاحتفال بذكراه الثالثة، ومن يومها توقفت غزة عن التفكير في إعادة إحياء الذكرى، ولجنة التحقيق بالقتل في ذلك المهرجان لم تنشر نتائجها بعد خمس سنوات، تماماً مثل لجنة السلطة بالتحقيق بمقتل الزعيم.

انشر عبر