شريط الأخبار

عندما تصبح "إسرائيل" مفتاحاً لروسيا.. محمد السعيد ادريس

11:39 - 06 حزيران / يوليو 2012

الخليج الاماراتية - محمد السعيد ادريس

 

جاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المنطقة وغادر سريعاً، وهي الزيارة الأولى منذ عودته إلى الكرملين للمرة الثانية رئيساً لروسيا الاتحادية من دون أن تحظى هذه الزيارة بمتابعة عربية واجبة، ليس لأن كل دولة عربية باتت غارقة في همومها الخاصة والمباشرة فقط، ولكن، وهذا هو الأهم، لأن القواسم السياسية المشتركة بين الدول العربية أضحت محدودة . بوتين زار الكيان الصهيوني ومن بعده زار السلطة الفلسطينية في بيت لحم، ومن ثمّ ذهب إلى العاصمة الأردنية عمان، وغادر إلى موسكو من دون متابعة، باستثناء الصحافة “الإسرائيلية” التي كشفت عن مدى أهمية هذه الزيارة في هذا الوقت بالذات بالنسبة إلى الكيان الصهيوني .

 

اللافت في محصلة هذه الزيارة ثلاثة أمور، أولها أنها ركزت على قضيتين ساخنتين هما القضية السورية وقضية البرنامج النووي الإيراني، وثانيها أن القضية الفلسطينية تراجعت إلى الحد الأدنى من الاهتمام وتحولت إلى مجرد مجاملة باهتة من بوتين عند زيارته إلى بيت لحم، أما الأمر الثالث والمثير فهو أن “إسرائيل” كانت محط اهتمام روسيا ببحث القضيتين السورية والإيرانية من دون غيرها من الدول العربية، ما قد يعني هامشية الدور العربي في هاتين القضيتين في إدراك صانع القرار الروسي، فضلاً عن تداعي مكانة القضية الفلسطينية .

 

فقد نجح “الإسرائيليون” في تهميش أولوية القضية الفلسطينية، وبدلاً من ذلك حظيت “إسرائيل” وما يسمى ب”الشعب الإسرائيلي”، بكل الأولوية للدرجة التي دفعت بوتين إلى التصريح بأنه لن يسمح بأي تهديد لدولة “إسرائيل” التي يعيش فيها أكثر من مليون ونصف المليون من المواطنين الروس، وهنا التقط بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان الخيط، فأخذ يسهب في الحديث عن الدور الكبير الذي أسهمت فيه الهجرة الروسية إلى “إسرائيل”، مؤكداً أن المهاجرين الروس أصبحوا خلال سنوات معدودة “جزءاً لا يتجزأ من الدولة، في الجيش والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا المتقدمة (الهاي تيك) وحتى في الحكومة”، وبقدر ما جامل “الإسرائيليون” بوتين وشعبه كان بوتين مجاملاً ل”الإسرائيليين” . فقد أقام “الإسرائيليون” نصباً تذكارياً في مستعمرة ناتانيا الساحلية لتخليد ما أسموه “تخليد انتصار الجيش الأحمر الروسي على ألمانيا النازية” في الحرب العالمية الثانية، واصطحب الرئيس “الإسرائيلي” شمعون بيريز الرئيس بوتين لتدشين هذا النصب التذكاري، وهناك، وبرفقة بوتين، تعمّد بيريز أن يقول إنه “على يقين بأن روسيا التي ضربت الفاشية لن تسمح اليوم بتهديدات مشابهة، فلن تسمح بالتهديد الإيراني ولا بإراقة الدماء في سوريا” . ولم ينس بيريز أن يتقدم بالثناء على الدور السوفييتي في تحرير نزلاء معتقلات التعذيب النازية قائلاً: “إن الشعب اليهودي مدين للشعب الروسي بشكر تاريخي”، وجاء رد بوتين في المكان الذي يريده “الإسرائيليون” في القدس وبجوار الحفائر “الإسرائيلية” تحت المسجد الأقصى وأمام حائط البراق . ذهب بوتين إلى هناك وغرق في بحور من المجاملات المسيئة للعرب وللمسلمين جميعاً، فبدلاً من أن يدين جرائم الحفر تحت الأقصى والتهويد المتسارع والمتسع في القدس والضفة الغربية، ارتدى القلنسوة اليهودية وأخذ يتفقد مع مرافقيه مزاعم ما يدعونه الآثار اليهودية على أحجار الأقصى في تلك الحفائر المدمّرة للمسجد . انشغل بوتين ب”يهودية أحجار القدس، واعتماره القلنسوة وجولته بين الحفائر وتأديته بعض الشعائر على مقربة من حائط البراق الذي يصفونه ب”حائط المبكى”، عن القضية الجوهرية والأولى بالاهتمام، وهي جريمة انتزاع شعب من أرضه وطرده وتشريده من دون وازع من قانون أو ضمير إنساني تحت وهم أساطير كاذبة شغل نفسه بأن يكون أحد عازفيها في المكان الذي أراده “الإسرائيليون”، وعندما ذهب إلى رام الله لم يجد ما يقوله للرئيس أبو مازن غير تكرار ما سمعه من قادة الكيان، وهو التحذير من “الإجراءات الأحادية الجانب التي تضر بعملية السلام في الشرق الأوسط”، ويقصد المسعى الفلسطيني لإعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد “فلسطين” .

 

وبعيداً من هذه المجاملات كان التركيز الرئيس لهذه الجولة التي قام بها بوتين في فلسطين المحتلة والسلطة الفلسطينية والأردن هو ما أراده “الإسرائيليون”: سوريا وإيران، فبحسب مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية “الإسرائيلية”، فإن “للروس موقعاً “مفتاحياً” في ما يتعلق بالموضوعين الحاسمين” . ووضع بنيامين نتنياهو القاعدة الأساسية للبحث في هذين الموضوعين مع الضيف الروسي من منظور المصلحة “الإسرائيلية” .

 

فقد اعتبر نتنياهو أن “من الضروري إيجاد وسيلة لوقف أعمال القتل والمعاناة الكبيرة للشعب السوري، وتشجيع الأمن والسلام في المنطقة قدر الإمكان” . ما أراده نتنياهو من بوتين هو دور روسي مختلف يحول دون تمكين النظام السوري من البقاء، وهنا تبدو “إسرائيل” وكأنها تقود دوراً موازياً للدبلوماسية الغربية التي عجزت عن تغيير موقف روسيا من نظام الأسد، رغم الضغوط والإغراءات الغربية، أي أن “إسرائيل”: تطرح نفسها طريقاً آخر موازياً لما حدث في مؤتمر جنيف ومؤتمرات “أصدقاء سوريا” التي لم تستطع تحقيق الإنجاز المطلوب من روسيا .

 

أما بالنسبة إلى إيران فقد حرص نتنياهو على أن يجعل بوتين متحمساً لمطالب “الإسرائيليين” الثلاثة الرئيسة وهي: وقف كل أعمال التخصيب لليورانيوم داخل إيران، ونقل كل ما جرى إنجازه من اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، وتفكيك المنشآت النووية الإيرانية التي تقع تحت الأرض قرب مدينة قم “منشأة فودرو”، إضافة إلى تعزيز العقوبات على إيران .

 

إلى أي مدى نجح “الإسرائيليون” في مسعاهم؟

 

أياً كانت الإجابة، فإن اهتمام الرئيس الروسي بأن تكون أول زيارة له إلى الشرق الأوسط، إلى الكيان الصهيوني، وأن يخص الكيان ببحث أهم قضيتين: سوريا وإيران، وأن يتجاهل القضية المركزية للعرب بحمل رسالة مهمة يدركها “الإسرائيليون” من دون العرب، وهي أن حال العرب الآن لا يجعل منهم حليفاً إقليمياً يمكن المراهنة عليه باستثناء النظام السوري، وأن “إسرائيل” هي الطرف الأهم الذي يمكن التعويل عليه سواء على مستوى بحث مصالح روسيا في الشرق الأوسط “إيران وسوريا”، أو على مستوى تحسين علاقات روسيا بالغرب .

 

قد لا تكون “إسرائيل” قد نجحت تماماً في تغيير قناعات الرئيس الروسي بالنسبة إلى الأزمة السورية، لكنها حتماً نجحت في هز هذه القناعات، وعلاوة على ذلك استطاعت أن تحصل على مكاسب مهمة بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، فضلاً عن النجاح في تهميش أولوية ومكانة القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الدبلوماسية الروسية في الشرق الأوسط، مقارنة بقضايا أخرى باتت أكثر أهمية من منظور المصلحة والأمن القومي الروسي خاصة سوريا وإيران . الأمر نفسه جرى إدراكه “إسرائيلياً” على هذا النحو، حسب قول صحيفة “هآرتس” الصهيونية، بأن “الأداء الروسي في الشرق الأوسط يمس أكثر من أي وقت مضى، المصالح الأمنية والسياسية “الإسرائيلية”، ويكفي أن نتأمل التقييم النهائي لهذه الزيارة من منظور هذا الإدراك “الإسرائيلي” .

 

فقد نشر المعلق السياسي لصحيفة “معاريف” الصهيونية بن كسبيت أن بوتين أوضح للقيادة “الإسرائيلية”، أنه بالرغم من معارضته أي هجوم عسكري على إيران، فإن روسيا لن تذرف الدموع إذا ماهوجمت إيران: كما نشر المراسل السياسي لصحيفة “إسرائيل اليوم”، شلومو تسزنا، أن أهم كلمة قالها بوتين هي: “في “إسرائيل” يعيش أكثر من مليون مواطن روسي، ولن أسمح بأن يكونوا في خطر” .

 

إدراك شديد الأهمية بالنسبة إلى الكيان الصهيوني يمكن البناء عليه لتصبح “إسرائيل” مفتاحاً لروسيا في الشرق الأوسط، وعندها يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة من اختلاط خرائط التحالفات والصراعات السياسية في المنطقة .

انشر عبر