شريط الأخبار

كما ظهر في حياتها فجأة.. اختفى فجأة

حكاية نور وزوجها ضرار أبو سيسي.. من «الجامعة » إلى «المعتقل»

10:48 - 06 تشرين أول / يوليو 2012

غزة - فلسطين اليوم

لم تلحظ أنه كثيرًا ما تأمل طريقة تصرفها وملابسها المحتشمة، بعكس جل نظيراتها بالجامعة. كانت صموتة معظم الوقت، مهذبة، نظراتها خجولة، لا تختلط بالشبان. هذا ما جذب إليها ذلك الشاب الفلسطيني الذي جاء للدراسة في جامعة خاركوف الأوكرانية. رغم مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على هذا الموقف، إلا أنها لم تنسه.

وتذكرت كيف وجدته يقترب منها في السيارة التي كانت تقودها إلى محل سكنها، ويسألها عن اسمها بلا مقدمات. هربت منه. لكنها لم تتوقع أنها ستصبح مستقبلا أمًّا لأولاده الستة، وأنها ستنشئ «مدوَّنة » للمطالبة بإطلاق سراحه!

الحكاية من البداية كانت تلك اللحظات بداية قصة جمعت بين اثنين لا تجمعهما أية روابط ثقافية أو عرقية من أي نوع كان. هي أوكرانية من مدينة لوجدانسك، جاءت لتدرس الموسيقى بخاركوف. أما هو، فقدم من الأردن لإكمال دراساته العليا في مجال الهندسة الكهربائية.

«عندما كنت طالبة في الثانوية، درست في مادة الفلسفة مواد عن الأديان السماوية، بما فيها الإسلام.

شيء ما استيقظ في داخلي، أنا الفتاة التي تنتمي إلى نظام شيوعي وقناعات لا تؤمن بالأديان، ورحت أبحث طيلة سنوات عن أية معلومات عن الإسلام ،» قالت هذه العبارات وهي تتحدث بعربية ركيكة، لكن نبراتها الصادقة تغلبت على «حاجز اللغة » إلى حد ما.

أكملت قصتها: «اقتنعت بالإسلام دينًا قبل زواجي بسنوات، وإن لم يتغير شيء من مظهري الخارجي، فقد حافظت على ارتداء ملابس محتشمة، إلا أنني لم ا من المجتمع؟ ربما.

أرتدِ الحجاب. هل كان ذلك خوف أو لعله خوف من ردة فعل أسرتي .»

أول لقاء

استمرت حياتها بنفس الرتابة؛ دروس كلية الموسيقى، تأدية طقوس «دينها الجديد » سرًّا، التدرب بجد على آلة الكمان التي تحبها، التنزه أحيانًا في شوارع خاركوف. لا شيء آخر. إلى أن حل ذلك اليوم الذي قلب حياتها إلى الأبد: «أذكر هذا اليوم كأن أحداثه جرت أمس، رغم أنه مضت عليه أربعة عشر عاما: فوجئت به يقترب مني ليسألني عن اسمي ». ابتسمت فجأة، وقد لمعت الدموع في عينيها: «تجاهلته تمامًا. هل تعلم؟! لقد كنت في البداية أنوي أن أهوي على رأسه بصندوق الكمان الذي كنت أحمله! لكنني شعرت من خلال حديثه المباشر أنه شاب مستقيم ولا يريد مني إلا الخير.. وقد صدق إحساسي تمامًا! .»

ما جذب ضرار إلى هذه الفتاة هو استقامتها. فقد أخبرها لاحقًا أنه رآها قدرًا في كليتها، وأعجب بما عرفه عنها من أخلاقها العالية، وجِدِّها في الدراسة، وجاءت اللحظة التي وجدت «فيرونيكا » -نور قبل إسلامها- وقد أعجبت هي الأخرى ببسمة الشاب المهذب والهادئ الذي يفيض حيوية وذكاء، وعرفت عنه أنه من الأوائل المجتهدين على دفعته بكلية الهندسة.

تتابع زوجته: «لم تطل الحكاية. عرفته بأسرتي التي تخوفت منه في البداية وخاصة أمي التي لم تقابل أي عربي أو مسلم من قبل على الإطلاق، فما بالك بشخص يريد الزواج من ابنتها؟! لكن ضرار لم يكسب محبة أسرتي بذكائه وحيويته فحسب، بل إن أمي اعتبرته واحدًا من الأسرة، لدرجة أنها كادت تجن عندما علمت بخبر اعتقاله!.»

تزوجت نور من ضرار عام 1998 ، وبعدها بعام سافرت معه إلى الأردن بعد انتهاء دراسته بأوكرانيا، وسكنت هناك في بيت الأسرة حيث تعلمت العربية إلى حد ما، قبل أن تنتقل معه لاحقًا إلى فلسطين المحتلة، وتحديدًا إلى قطاع غزة، إذ عمل زوجها هناك في محطة توليد الكهرباء في منطقة النصيرات، حتى تبوأ منصب مدير المحطة.

اختفاء مفاجئ

بعد هذه السنوات، رزقت منه بستة أطفال، أكبرهم مصعب ) 12 عامًا(، لكن الغريب أن جميعهم يمتلكون ملامح أبيهم السمراء، ولا يشبه أي منهم والدتهم بملامحها السلافية!

ابتسمت زوجة ضرار وهي تقول: «قد يفاجئك أنني وأولادي نحمل جميعًا بطاقات هوية فلسطينية، أما زوجي فلا! وسفره إلى بلادي أوكرانيا كان للحصول على جواز سفر له! .»

حمل لها السادس عشر من يناير 2012 مفاجأة مزعجة، فقد اختفى زوجها فجأة من أوكرانيا!

تقول نور أبو سيسي: «تحدثت معه عند الساعة العاشرة في اليوم السابق لاختفائه، وكانت أموره تسير بشكل جيد. حاولت الاتصال به مرارًا دون جدوى. اتصلت على شقيقه من هناك ليخبرني ونبراته تفوح بالقلق الذي أسره بأن الاتصال بينه وبين ضرار قطع ولا يدري أين هو! ». لاحقًا، تلقت نور رسالة مختصرة من هاتف زوجها ضرار، كانت بالروسية التي اعتاد أن يخاطبها ويراسلها بها، نصها: «زوجتي العزيزة، أنا في رحلة مع أصدقائي إلى العمرة، وسأتصل بك في أقرب فرصة ممكنة .»

لم تطمئنها هذه الرسالة على الإطلاق، بل زادت قلقها إلى حد بعيد. تقول: «لم يعتد زوجي أبدًا أن يخاطبني بهذا الأسلوب «الرسمي جدًّا » في رسائله، كما أن اللغة الروسية التي كتبت بها الرسالة كانت «سليمة تمامًا » ولم يكن بها أي خطأ، وهي «هفوة » من «مختطفي زوجي » الذين لم يكونوا يعرفون أنه لم يكن يجيد الكتابة بالروسية تمامًا، ولم تخل رسالة له من أخطاء في الكتابة بهذه اللغة! وساعتها تأكدت أنه اختطف! .»

اختطاف على طريقة المافيات لم تتردد نور لحظة واحدة، وقررت السفر إلى بلادها لتتبع قضية اختفاء زوجها هناك مباشرة.

وهناك تقدمت ببلاغ رسمي طالبت به حكومة بلادها بإطلاق سراح زوجها من سجون سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي تبين أنها اختطفته خلال ركوبه للقطار، على طريقة عصابات المافيا ليحمل بطريقة غامضة إلى إسرائيل في «تابوت »، بدعوى تطويره لصواريخ المقاومة في غزة، دون أن تحترم سيادة أوكرانيا، والحكومة الأوكرانية لم تقم بما عليها من واجبات لإعادة زوج مواطنة أوكرانية وأب لستة مواطنين أوكرانيين هم أبناؤه.

عادت نور بعدها إلى قطاع غزة، بين الرجاء والأمل، تحاول بشتى السبل مواصلة مشوارها الصعب لنيل حرية شريك حياتها؛ فوكلت محامين أوكرانيين وإسرائيليين للمطالبة بإطلاق سلاحه في كل من أوكرانيا وإسرائيل، متحملة المشاق في سبيل ذلك، قبل أن تجد وسيلة جديدة، وهي إنشاء مدونة باللغة الروسية لإطلاق سراحه. تقول:

«خطر هذا الحل ببالي وأنا أتابع الحملات الجارية عبر الإنترنت لإطلاق سراح الأسرى. وبمساعدة بعض الأصدقاء، تمكنت من إنشاء هذه المدونة التي رحت أطالب من خلالها بإطلاق سراحه. إنه الآن يعاني بشكل فظيع، ففي آخر مرة تحدثت مع المحامين الإسرائيليين، أخبروني أنه لا يزال محتجزًا في زنزانة للعزل الانفرادي منذ شهور، ويعاني من مشاكل في القلب والكلى والمرارة وشبكية العين، كما أنني رأيت صورته بعد الاعتقال.. دعني أريك إياها .»

ووضعت أمامي صورتين: صورة لضرار قبل الاعتقال وهو يتفجر حيوية وشبابًا، وأخرى له وهو في سجون الاحتلال وقد ظهر وكأن الشهور الماضية مرت عليه كأنها عشرات الأعوام! فقد خسر الكثير من وزنه وأصابه الهزال، فضلاً عن أن علامات المرض الشديد بدت واضحة على ملامحه.

أكملت وهي تشير إلى الصورة، فيما كانت تحاول التماسك، إلا أن نبرات صوتها المتهدج واحمرار عينيها المنذر بالبكاء كشفتها: «يقولون إن سبب نزول وزنه غير معروف حتى الآن، كما أخبروني أيضًا أن لديه «فقر دم »، وأن الإسرائيليين لم يرحموه على الإطلاق رغم هذا كله. هل تصدقني لو قلت لك إنني أفضل أن أموت مثل مئات المدنيين الفلسطينيين بغزة خلال العدوان الإسرائيلي عام 2009 ، فهذا أفضل عندي ألف مرة من الموت كل يوم مائة مرة!

إنني وزوجي نموت معًا مئات المرات في اليوم! .» ثم واصلت وهي تحاول السيطرة على دموعها قدر الإمكان: «كل يوم يسألني أطفالي الصغار: «وين بابا؟ ». ولا أجد ما أجيبهم به سوى الدموع! إنني وحدي تمامًا هنا أواجه الإسرائيليين دون أن أستسلم. ولن أستسلم. أنا أعلم تمامًا أنني امرأة ضعيفة، لكنني سأستمر في «معركتي » كي أفضح ما فعله الاحتلال بزوجي، وأظهر للعالم كيف دمر حياتي وحياة أسرتي. لن أيأس. سأظل أكافح حتى

آخر يوم من عمري كي يخرج ضرار من سجنه ويعود إلينا من جديد، حتى لو استمر ذلك لثلاثين عامًا قادمة. إن معركتي ما زالت مستمرة، وسأبذل كل جهدي كي أستعيد زوجي مهما كان الثمن! .

 

المصدر: صحيفة "الحال"

انشر عبر