شريط الأخبار

فهل أُغلق باب المصالحة الفلسطينية؟!.. رشاد أبو شاور

12:42 - 27 تشرين أول / يونيو 2012

بولادة عسيرة فاز الدكتور محمد مرسي برئاسة مصر، بعد أيام صعبة من انتظاره هو وجماعة الأخوان المسلمين، وحزبهم (الحرية والعدالة).

كان لا بدّ أن يفوز أحد المرشحين، في انتخابات الإعادة، إذ من المستحيل أن يسقط الاثنان معا ليرتاح ملايين المصريين الذين صدمهم بروز شفيق في الدورة الأولى التي توقع كثيرون أن يكون التنافس فيها بين الدكتور مرسي والمرشح حامدين صباحي، أو رغبوا أن يكون الأمر كذلك.

مصري خفيف دم، ونادرا ما تلتقي بمصري ثقيل ظل، رفع شعارا في ميدان التحرير هو: يسقط الرئيس القادم.. ولعل هذا الشعار النبوءة هو ما ينتظر الدكتور مرسي مباشرة بعد إعلان لجنة الانتخابات للنتيجة، وهو ما كان ، أيضا، ينتظر الجنرال شفيق، والمرشحان يتشابهان في أنهما لا يحظيان بشعبية تكفل لهما رئاسة( هانئة)، فالمشاكل العويصة، والفخاخ المنصوبة ـ هذه للدكتور مرسي من المجلس العسكري ـ وما تقدمه عقلية الانغلاق الإخوانية من مبررات للمعارضة لتأجيج رفضها، ومواجهتها، وهو ما أسفرت عنه حقبة ما بعد المجلس التشريعي وبسرعة عجيبة، بحيث بدأ النفور العاجل من الممارسات، والاستعلاء، وازدراء كل الدعوات للتواضع، وإدارة الظهر للحوار من أجل صيانة الثورة، وأهدافها، ومستقبل مصر.

ما يحدث في مصر ينعكس، وانعكس دائما علينا نحن الفلسطينيين بخاصة ـ وعلى العرب بعامة ـ وعلى القضية الفلسطينية، ولذا كان الفلسطينيون يراقبون بلهفة ثورة شعب مصر، والمتغيرات السريعة، والصراعات المعلنة والمضمرة، وإن كان لكل فلسطيني نظرته، وأمنياته، وحساباته.

الفلسطينيون في الداخل والخارج نفضوا أيديهم من الأمل بتحقيق المصالحة بين الطرفين السلطويين في رام الله وغزة.

ومع تلاحق جولات اللقاءات والمفاوضات المملة، ومشاهد البؤس والعناقات الحميمة أمام عدسات الكاميرات، في صنعاء، ومكة، والقاهرة، والدوحة.. فإن كثرة هذه اللقاءات كانت هي البرهان على عدم الجدية في إنجاز المصالحة لدى الطرفين المتربصين ببعضهما، والمراهنين على العوامل الخارجية، العربية والدولية، التي ترجح كفة هذا الطرف على ذاك، ولا سيما العامل المصري في مرحلة ثورة 25 يناير وما بعدها.

بعد بروز رغبة الأخوان بمنصب الرئاسة، وقد انفتحت شهيتهم إثر فوزهم الكاسح مع حلفائهم السلفيين على مجلسي الشعب والشورى، لم يعد أي متابع للشأن الفلسطيني يقتنع بتصريحات أي من الطرفين الفلسطينيين المبشرة بقرب تحقق المصالحة، حتى لو كانت على لسان الرئيس أبي مازن، ورئيس حماس خالد مشعل، التي ينقضها فورا الدكتور الزهار، وهو ما يلتقطه إعلام سلطة رام الله مدينا، ومحملاً المسؤولية (للطرف الآخر)!

الطرفان الفلسطينيان راهنا على نتيجة انتخابات الرئاسة بين مرسي وشفيق، فأهل رام الله تمنوا لو يفوز شفيق الجنرال المباركي الذي شنّ في حملته الرئاسية حملات هجومية ضارية على الإخوان المسلمين، وعبأ ضدهم (الوطنية) المصرية بإشاراته المتكررة إلى أن عاصمة مصر هي القاهرة وليست القدس، موحيا بأن الإخوان يريدونها عاصمة للخلافة!.

الجماعة في غزة، وهم فرع من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ومثلهم يصدعون لتوجيهات القيادة العالمية للإخوان (الكومنتيرن الإخواني).. وهو يتشابه مع الكومنتيرن الذي كان يوجه الأحزاب الشيوعية في العالم، من موسكو أيّام مجدها البلشفي.

يراهن الجماعة في غزة على أن (الرئيس) مرسي سينحاز لغزّة، بفتح بوابة رفح لتسهيل تنقل الغزيين، وبدعم سياسي، وإفراج اقتصادي، وهو ما يعني كسر الحصار الذي يخنق القطاع، وهو ما سيرجح كفة سلطة غزة على سلطة رام الله، ويضعها في موضع التفاوض من موقع القوة لا الضعف الذي يتسبب به الحصار، والعزلة التي عانت منها سلطة غزة بعد انقلابها على السلطة الأم التي انحسر حضورها وتأثيرها، وهو ما استغلته سلطة الاحتلال في المفاوضات معها، و..في العدوانات المتكررة على القطاع، قبل وبعد حرب الفسفور، وهو ما نراه يحدث حاليا من عدوان يومي يودي بحياة عشرات الفلسطينيين.

ما ينتظر الرئيس الدكتور محمد مرسي ثقيل جدا، فهو بلا ظهر بعد حل المجلس التشريعي، وهو يحتاج إلى وقت وجهد وبراعة وانفتاح عقلي لدى الأخوان الذين بعد فوزهم في المجلسين حلقوا عاليا، ولم يعودوا يرون أحدا أمامهم، أو حولهم، فهم فوق الجميع، وهو ما خسرهم شعبيا!

قيادتا السلطتين في رام الله وغزة، ومنذ سنوات تعيشان على الانتظار، انتظار ما تجود به الظروف، والأحداث، وما يمكن أن تمنحه القوى المحيطة القادرة، فهما غير فاعلتين إلاّ في الواقع الفلسطيني..سلبا بإعاقة أي فعل، وخنق أي مبادرة، وضرب أي جهد، وفي هذا تتشابهان، وتتقاطعان، وتتشاركان في الضعف والعجز عن الفعل في مواجهة كل ما يفعله الاحتلال من تدمير لحياة شعبنا تحت الاحتلال، وإضاعة الأرض التي يلتهمها الاستيطان الاحتلال، و..فقط تكتفيان بإصدار بيانات الإدانة، والتحذير من ما تجره سياسة الاحتلال (المتطرفة) على مستقبل العملية السلمية!

يمكن لأي فلسطيني أن يذكّر القيادتين العاجزتين، ليس ردا على ما قاله الجنرال شفيق، وإنما كشفا وإدانة للتفكير العاجز: القدس عاصمة فلسطين، وليست القاهرة.

القاهرة سند، وظهر، وأخ كبير، والقدس هم جامع لنا ولمصر، ولملايين العرب، ولكن القرار يبدأ من القدس، يبدأ ذاتيا، و ليس تلطيا واستجداء لقوة موهومة، وإدارة ظهر للشعب الفلسطيني، والتماس أسباب البقاء من الخارج، سواء أكان هذا الخارج عربيا، أو إسلاميا، أو دوليا.

رهانات الطرفين الفلسطينيين تدل على قصر نظر، وعلى أنهما يشتغلان بالقطعة، ويفتقدان للرؤية الإستراتيجية للقضية الفلسطينية، فهما ينطلقان من المؤقت، وليس من (المتحرك) و(المتغيّر)، وما يجري في مصر متغيّر، وانتخاب مرسي، أو ..شفيق لو حدث، غير ثابت، لأن ثورة الشعب المصري لم تنجز مهامها بعد، وما هو راهن غير مكتوب له الدوام والثبات، ونتائج الانتخابات تقول لكل ذي عقل: مرسي فاز بأقل من ربع أصوات من يحق لهم التصويت، وهو ماكان سينطبق على شفيق لو فاز، فالفرق بينهما في عدد الأصوات ليس كبيرا.

المشاكل، والصعوبات، والتعقيدات، والتحديات..التي تنتظر الرئيس مرسي كبيرة وثقيلة، ولسنا في وارد أن نعددها لأن الكثير سيفوتنا، ولأن أهل مصر أدرى بما يريدون تحقيقه بعد ثورتهم التي لم تكتمل، وبعد كل تضحياتهم، ومعاناتهم تحت حكم مبارك الفاسد على مدى ثلاثين عاما.

المصالحة متعثرة جدا، والسبب نوايا الطرفين الفلسطينيين، والدكتور مرسي لن يعيق تحققها لو صدقت النوايا، وشفيق لم يكن ليفرض استمرارها لو صدقت نوايا الطرفين، وانطلقا من مصلحة الشعب الفلسطيني، والقضية الفلسطينية، ولكنا عونا لشعب مصر، بدلاً من أن نكون عبئا عليه.

إذا كانت قيادتا السلطتين تقضيان الوقت في الرهانات على الخارج، وهما ستبقيان هكذا، فإن ما هو آت لا يبشر سوى بالمزيد من الخصومة والصراع، وتبادل الاتهامات، وهو ما يعني أن غزة ينتظرها مزيد من العدوان اليومي لاختبار رد الفعل المصري في زمن الرئيس مرسي، وبهدف إضعافه وهز صورته، كونه عاجز عن تقديم العون الجدي لرد العدوان عن أخوة الإسلام!.

سيتواصل التهام المزيد من أرضنا في الضفة، والإمعان في (تهويد) القدس، وسيشتد العدوان على غزة، والرئيس مرسي لن يقود جيوش الفتح لتحرير بيت المقدس، فهو بالكاد سيفتح بوابة رفح ..إن أذن له المجلس العسكري بهذه المأثرة!

انشر عبر