شريط الأخبار

"هيرالد تربيون":انتفاضة فلسطينية ثالثة اتية لا محالة

07:14 - 23 حزيران / يونيو 2012

غزة - فلسطين اليوم

نشرت صحيفة "انترناشونال هيرالد تربيون" اليوم السبت مقالاً في صفحة الرأي لمحلل لشؤون الشرق الاوسط في مجموعة الازمات الدولية هو نيثان ثرول يقول فيه ان تعاون السلطة الفلسطينية امنياً مع اسرائيل فشل في اعطاء الفلسطينيين دولة، وهو ما يدفع الفلسطينيين الآن في اتجاه العنف. ويقول ثرول ايضاً انه بسبب السلام الذي تموله الولايات المتحدة واوروبا صار الاسرائيليون يعتقدون ان بوسعهم ان "يأكلوا الكعكة ويحتفظوا بها في آن معاً

"في وقت سابق من الشهر الجاري، في اجتماع خاص مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومستشاريه الامنيين، حذرت مجموعة من خبراء شؤون الشرق الاوسط وضباط استخبارات سابقون من ان انتفاضة فلسطينية ثالثة باتت وشيكة. وقالوا ان الحفاز الفوري سيكون اعتداء من المستوطنين على مسجد آخر، مثل المسجد الذي احرق يوم الثلاثاء، او بناء مساكن استيطانية جديدة. ومهما يكن فتيل الاشعال، فان مصدر التفاعل الكامن في الضفة الغربية هو شبه اجماع في الضفة الغربية على ان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد وصل الى طريق مسدود.

قامت استراتيجية الرئيس عباس السياسية على فكرة ان التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية سيجعل اسرائيل تشعر بانها اكثر امناً وسيزيل تبريرها الاساسي لاحتلال الضفة الغربية، ما يمهد السبيل الى دولة فلسطينية. ومن المفارقات ان اسرائيليين كثيرين صاروا، بسبب نجاح هذه الجهود، مرتاحين بنسيانهم ان هناك احتلالاً بالمرة.

وبفضل السلام الممول اميركيا واوروبيا الذي تحافظ عليه حكومة الرئيس عباس في الضفة الغربية، صار الاسرائيليون يعتقدون ان بوسعهم ان يأكلوا كعكتهم ويحتفظوا بها ايضاً. وقالت غالبية من المواطنين (الاسرائيليين) استطلعت آراؤهم في وقت سابق من هذه السنة ان دولتهم يمكنها ان تبقى يهودية وديموقراطية من دون ان تتخلى عن اي جزء من الضفة الغربية. وسمحت سنوات من السلام والهدوء في تل ابيب لمئات آلاف الاسرائيليين بالخروج الى الشوارع في الصيف الماضي ليحتجوا على غلاء اسعار الجبن، والايجارات ورعاية المرضى من دون ان ينطقوا بكلمة عن الفلسطينيين في الضفة الغربية. ولم تعد القضية مصدراً من المصادر الاساسية لقلق اسرائيل الامني. ولا بد ان يكون نتنياهو إما انتحارياً من الناحية السياسية او متطلعاً الى الامام بصورة فائقة للعادة ليتخلى عن الوضع الحالي الذي تبدو غالبية كبيرة راضية عنه.

وعلى تباين من ذلك، يرى الفلسطينيون اليوم ان قيادتهم تضرب رأسها بحائط، آملة ضد ما يعقل بأن مزيداً من السلوك الحسن سيجلب دولةً مستقلة. ونتيجةً لذلك، فان مناقشات مستمرة منذ مدة طويلة بشأن كيفية تحقيق التحرر الوطني – بطمأنة اسرائيل او مجابهتها – حسمت الآن. اذ لم يعد الفلسطينيون من كل الاتجاهات السياسية يتجادلون بشأن جعل الاحتلال اكثر كلفة لاسرائيل، وانما بشأن كيف (يتحقق ذلك).

خلال تسعينات القرن الماضي كان الرئيس عباس احد المهندسين الاساسيين لعملية اوسلو التي تصورت انسحاباً اسرائيلياً على مراحل من الضفة الغربية يفضي الى اتفاق سلام دائم (وليس بالضرورة الى دولة فلسطينية). وربما كان اليوم آخر المؤمنين الباقين بها. وقد ارغم على ان يؤيد لفظياً مطالب اولئك الداعين الى المجابهة باصداره وعوداً متكررة بمجابهة اسرائيل – بتفكيك السلطة الفلسطينية او رفض التفاوض ما لم تجمد اسرائيل انشاء المستوطنات – ليعود بعدئذ ويتراجع عن كل واحد منها.

وقد اتسعت الفجوة بين كلمات الرئيس الفلسطيني وافعاله، مثلما اتسعت المسافة بين سياساته والمشاعر العامة، ما ادى الى اتجاه حكومته الى مزيد من القمع: تعذيب المعارضين السياسيين، وتعطيل المواقع الاخبارية، واعتقال صحافيين ومدونين ينتقدون الرئيس عباس. ويقول حتى اوثق مستشاري الرئيس عباس انه يجازف بان يصبح انطوان لحد آخر، مثل قائد القوة الوكيلة لاسرائيل خلال احتلالها لجنوب لبنان. والمشرف الرئيسي على (تنفيذ) سياسات الرئيس عباس، رئيس الوزراء غير المنتخب سلام فياض اقر "انني اعتقد باننا نخسر الحجة، إن لم نكن قد خسرناها". واقر الرئيس عباس نفسه بان عملية السلام "مجمدة" وان حكومته لم تفعل سوى خلق "وضع جيد" لاسرائيل التي ليس لديها، بسبب تمتعها لسنوات بتعاون غير مسبوق مع القوات الفلسطينية في الضفة الغربية، حوافز للموافقة على اي تغيير.

ولكن هذه الايام ليس لدى قوات الامن الفلسطينية اسباب تستحق الذكر للاعتقاد بان جهودهم تقرب اجل تحقيق الاهداف الوطنية، وليس بوسع اسرائيل ان تفترض ان السلطة الفلسطينية ستوفر الامن الى اجل غير مسمى. وفي الشهر الماضي، مع عودة اطلاق النار الى شوارع جنين، ودخول 1600 اسير فلسطيني الاسبوع الرابع من اضرابهم عن الطعام، قال الرئيس عباس: "ليس بامكاني ان اسيطر على الموقف. انني اخشى، لا سمح الله، ان ينهار النظام الامني".

واثارت تلك المشاعر تعليقات من يوفال ديسكين، الذي تقاعد اخيراً من رئاسة جهاز الاستخبارات الداخلي الاسرائيلي، اذ قال :"عندما تتجمع أبخرة الغاز عاليا في الهواء، فان السؤال يقتصر على موعد وصول شرارة لاشعالها".

والسبب الرئيسي لهذا التذبذب هو ان الفلسطينيين فقدوا كل أمل بان تمنحهم اسرائيل حق اقامة دولتهم. وقد احبطت كل محاولة بذلها الفلسطينيون بما يملكونه من قوة ضغط قليلة او تبين انها غير فعالة. اذ لم تكتسب مقاطعة العمل في المستوطنات ومنتجاتها دعما واسعا، ولن توقف نمو الاستيطان حتى وان حققت اي نجاح. وكان بامكان الفلسطينيين السير قدما خلال عملية التصويت في أيلول (سبتمبر) الماضي في الجمعية العمومية للامم المتحدة – وهي خطوة اثارت الذعر في اسرائيل واميركا لان مضاعفاتها تعني عضوية الفلسطينيين في محكمة الجنايات الدولية. وقد تخلى عباس عن تلك المحاولة مقابل طلب الى مجلس الامن للحصول على صفة دولة ، وهو طلب كان فشله مؤكداً دوماً، ولم يلبث ان علل استسلامه بالتحدي الذي ووجه به هذا الطلب.

وتركت خيبة الامل لدى الفلسطينيين الذين كانوا يأملون في جعل الاوضاع القائمة غير محتملة بالنسبة لاسرائيل امام خيارين اثنين: الاحتجاج الشعبي والمقاومة المسلحة. اما الخيار الاول فانه يواجه عقبات لا حصر لها بسبب الانقسامات السياسية بين "حماس" في غزة و"فتح" التي يرأسها عباس في الضفة الغربية. ويرى كل فصيل ان التعبئة الجماعية هي خطوة اولى محتملة للاطاحة به، ووسيلة لدعم جيل جديد من القادة على حساب الحاليين.

واذا انطلقت مظاهرت جماعية في الضفة الغربية، فان بامكان اسرائيل ان تطلب من قوات الامن الفلسطينية ان توقف اي مظاهرة تجرى قرب الجنود او المستوطنين، ما يدفعهم الى الخيار بين احتمال اطلاق النار على المتظاهرين الفلسطينيين، او انهاء التعاون الامني مع اسرائيل، وهو ما يرفض عباس القيام به. فهو يدرك ويخشى من امكان ان تتحول المظاهرات الجماعية بسرعة الى احتجاجات مسلحة من جانب اي من الطرفين. ومن اجل ذلك، فان حكومته لم تفصح عن دعم يذكر للاحتجاجات الصغيرة الاسبوعية التي يؤيدها النشطاء الاجانب والصحافة الغربية، ومنعت المظاهرات بالفعل من الاقتراب من اي مستوطنة اسرائيلية.

اما الخيار الثاني فهو المواجهة المسلحة. ورغم ان هناك دافعا قويا بين الفلسطينيين، وان مئات الالاف يعتمدون ماديا على استمرار بقاء السلطة الفلسطينية، فان هناك اعدادا كبيرة تدعم امكانية التصعيد، خاصة من كثير من انصار "حماس" الذين يقولون ان العنف كان التكتيك الاكثر فاعلية في اجبار اسرائيل والمجتمع الدولي على التحرك.

كما انهم يعتقدون ان الحجارة وقنابل مولوتوف والاحتجاجات الجماهيرية دفعت اسرائيل الى توقيع اتفاقات اوسلو في العام 1991، وان الضربات القاتلة ضد القوات الاسرائيلية في لبنان دفعت اسرائيل الى الانسحاب في العام 2000، وان الدماء المسفوكة في الانتفاضة الثانية اجبرت جورج بوش الى اعلان دعمه لقيام دولة فلسطينية، ودفعت المجتمع الدولي الى اعلان مبادرة السلام العربية ومبادرة جنيف وخريطة الطريق لسلام الشرق الاوسط. ولديهم ايضا قناعة بان السلاح كان وراء قيام رئيس وزراء اسرائيل انذاك أرييل شارون باخلاء المستوطنين والقوات من غزة في العام 2005. وكان تأثير ذلك الانسحاب هو تجميد مسيرة السلام، وتوفير "الكمية الضرورية لما يسد الرمق"، حسب قول احد مستشاري شارون "بحيث تتوقف الممارسة السياسية مع الفلسطينيين".

اما بالنسبة الى الزعماء الفلسطينيين الاكثر تشددا، الذين لم تكن لديهم اي قناعة بجدوى مسيرة السلام، فان الدرس كان واضحا. فقد صرح موسى ابو مرزوق، نائب رئيس الدائرة السياسية في حركة "حماس"، بانه "لن يتم تحرير اي شبر من اراضي فلسطين طالما ظلت اسرائيل تشعر انها بسيطرتها عليها لا تتحمل اي كلفة تستحق الذكر". من ناحية اخرى فان ماتي شتاينبرغ، احد كبار مستشاري رؤساء الامن الاسرائيليين سابقا، وصف عباس بانه اكثر من عرفتهم اسرائيل من الزعماء الفلسطينيين خضوعا واستسلاما، وحذر من اعتبار ذلك امرا مفروغا منه. وقال ان "مركز اسرائيل يدور ضمن دائرة مفرغة. فهي تقول انها لا تستطيع ان تبرم سلاما طالما كانت هناك اعمال عنف، وعندما لا تكون هناك اعمال عنف فانها لا ترى سببا يستحق الذكر لابرام السلام".

وقد يسجل التاريخ لصالح عباس حكمه طوال اكثر مراحل هذه الدورة نشاطا، الا ان من المحتمل ان يكون قد وضع اسس مرحلة اكثر تقلبا. من ناحية اخرى فان "حماس" بدأت في التحرك فعلا. فقد صرح وزير الصحة في تلك الحركة باسم نعيم في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في غزة، كانت "امام اسرائيل فرصة ذهبية لتوقيع اتفاق مع عباس. لكن الفرصة في الواقع ضاعت. ولن تحصل عليها مرة اخرى".

انشر عبر