شريط الأخبار

"اسرائيل" وسؤال اللحظة .. علي بدوان

11:09 - 21 حزيران / يونيو 2012

تعيش الساحة السياسية «الإسرائيلية» حالات من الحيرة المتبوعة بالتمعن جراء مايجري في المحيط القريب للدولة العبرية من تحولات بدأت مع ولادة ظاهرة ما بات يسمى بالربيع العربي، ومارافقه من خضات وهزات كبيرة كادت تنسف الكثير من العناوين والركائز التي اعتقدت فيها «إسرائيل» بأن الحالة العربية الداخلية ستبقى في وضع استاتيكي جامد لأزمان طويلة طويلة.

حيرة وتمعن

وفي معمعان تلك الحيرة، تتضارب تقديرات الموقف كل يوم في «إسرائيل» حيال الأحداث الجارية في المنطقة، لنجدها تنتقل بين مختلف الأطراف السياسية «الإسرائيلية» وعند عموم المفكرين من رجالات السياسة والعسكر من النقيض الى النقيض، وحتى داخل الحزب الواحد كما هو الحال في حزب الليكود الذي يقود الائتلاف الحاكم في «إسرائيل». فرئيس الحزب ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو يرى الأمور بمنظار القلق عند الحديث عما يجري في كل من مصر وسوريا، بينما يرى اخرون من حزب الليكود بأن المصلحة «الإسرائيلية» تكمن في ادامة حالة الفوضى والاحتراب والانقسام في العالم العربي.

ان الحيرة والتمعن داخل «إسرائيل» ونخبها السياسية والعسكرية والأمنية وعموم الانتلجنسيا، دفعت في جانب منها لحدوث تطاير وانقداح أفكار مختلفة من هنا وهناك في تقييم الأحداث الجارية في العالم العربي، وتحديداً في بعض بلدانه كمصر وسوريا على وجه الخصوص. وقد بدت العديد من تلك التقديرات والأفكار متناقضة فيما بينها نظراً لضبابة المشهد من جانب، ودخول العوامل الاقليمية والدولية على خط الأزمات العربية، اضافة لاحتمال وقوع مفاجأت غير محسوبة وهو أمر وارد جداً على ضوء تعدد الأطراف الداخلة والمؤثرة على مسار تلك الأحداث.

ان حديثنا عن تباين الرؤية بين قادة الفكر والسياسة والعسكر والأمن في «إسرائيل» في تقييم وقراءة ما يجري في منطقتنا وبعض بلداننا العربية، يزكي الرأي القائل بأن بارومتر الحدث العربي بات يقلق ويقض مضاجع أصحاب القرار في «إسرائيل» ويضعهم امام تساؤلات عالية المسؤولية نظراً للانعكاسات المتوقعة لأحداث المنطقة على «إسرائيل» على المدى المفتوح ولو بعد حين، خصوصاً على الجبهة المصرية، التي كانت جبهة مستقرة ومريحة للدولة العبرية الصهيونية طوال أكثر من ثلاثة عقود ونيف، وقد باتت الآن على مهب الروح مع صعود الإسلاميين في مصر وحزبهم الأول حزب العدالة والحرية، أو بالأوضح حزب حركة الاخوان المسلمين.

مفارقات الداخل «الإسرائيلي»

وعلى الضفة الثانية والمتعلقة بالداخل «الإسرائيلي» فإن المجتمع هناكيعيش مفارقة اجتماعية سياسية غريبة، فبينما تؤكِّد استطلاعات الرأي المتتالية من حين لأخر والمنشورة نتائجها على صفحات الصحف العبرية اليومية، عدم رضا معظم «الإسرائيليين» عن أداء حكومة نتانياهو الحالية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية، وأنّ أضرارها أكثر من فوائدها، وفي المقابل فإن نتائج الاستطلاعات اياها تشير في الوقت نفسه الى حظوظ متقدمة لحزب الليكود فيما لوجرت انتخابات برلمانية مبكرة أو حتى غير مبكرة. انها مفارقات تتجلّى في الفجوة الكبيرة بين موقف معظم «الإسرائيليين» من أداء الحكومة الحالية في مختلف المجالات، ومواقفهم التصويتية في الانتخابات البرلمانية اذا أجريت الآن.

ان تلك الوقائع والتناقضات الواضحة في تقدير الموقف، تشير لوجود أسئلة قلقة ومحيرة داخل المجتمع الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية، تجعل من الصعب على احد اعطاء الاجابة الشافية والكافية لكل سؤال يتعلق بما يجري من تفاعلات في البيئة الاقليمية المحيطة بـ «إسرائيل» وداخل «إسرائيل» ذاتها. وفي سياق تلك الحيرة فإن الملف النووي الايراني بات يشكل ملجأً سهلاً وهروباً للأمام من أسئلة القلق التي تخيم على «إسرائيل»، ففي ظل تلك الحيرة تُكثر حكومة نتانياهو من الحديث عن التهديد الايراني لوجود «إسرائيل»، وتلوِّح بضرب منشآتها النووية الايرانية، وتعمل على رفع ميزانية التسليح والدفاع على حساب ميزانيات المجالات الأخرى التي من شأنها المساعدة في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وكأنها تريد استحضار (بعبع) خارجي لاسكات اصوات الاحتجاج الاجتماعي الداخلي من جهة وللتغطية على «عجز الاجابة» عن أسئلة مايجري في المنطقة ووجود حالات التضارب في تقدير الموقف.

ان تلك الحالة من الاضطراب في الرؤية بشكل عام داخل «إسرائيل» في تقييم مايجري في عموم المنطقة، ألقت بظلالها على الائتلاف الحاكم بقيادة حزب الليكود، وعلى بعض الأحزاب ومنها حزب المعارضة الأكبر، حزب كاديما (الى الأمام) الذي انتقل من صف المعارضة الى صف الائتلاف الحاكم، في خطوة لها علاقة بكل ماذكرناه أعلاه، كما لها علاقة بالحسابات الحزبية الداخلية بين مختلف الأحزاب «الإسرائيلية»، حيث تتربع الحسابات الحزبية على رأس أولويات الكتل والأحزاب من المعارضة أو من الائتلاف الحاكم.

الى ذلك، نستطيع أن نضع عدة تصورات في تبيان أسباب كل تلك المفارقات العجيبة في تقدير المواقف «الإسرائيلية»، على المستوى العام المتعلق بما يجري في المنطقة. أولها أن مايجري في المنطقة ليس وليدة لحظته بل وليد تراكمات هائلة، ويعبر في واحد من تجلياته عن انفجارات اجتماعية وسياسية، وأن كل الأمور متوقعة ولهذا يصعب التحديد الدقيق لمآلات الأحداث، فالمفاجأت متوقعة جداً. وثانيها أن العوامل المؤثرة الداخلية والخارجية على خط الأحداث متداخلة ومتشابكة، وأن الأمور تزداداً تعقيداً يوماً بعد يوم. وثالثها أن القوى الكبرى تخوض من خلال مايجري في المنطقة صراعات كبرى فيما بينها، صراعات على المصالح ومناطق النفوذ، كما هي صراعات ذات بعد جيوستراتيجي.

تمايل وتأرجح

أما على المستوى الداخلي في «إسرائيل» فإن مرد المفارقات الواردة أعلاه في تمايل وتأرجح مواقف عموم الناس والمجتمع والأحزاب وتراقصها كالبندول، فيعود لانتشار وازدياد منطق القبلية السياسية خاصة بين الدوائر الدينية المعتدلة والمتشدِّدة في المجتمع «الإسرائيلي»، وهرولة تلك الأحزاب نحو المكاسب الخاصة على حساب المواقف العامة. وثانيها الوضع المتردِّي لأحزاب اليسار والوسط، فهي لم تعد تقدِّم رؤى وبرامج تمثِّل تغييراً حقيقياً عن أحزاب اليمين ويمين الوسط حتى تنجح في جذب الناس، فقد تماهت ووصلت الى حدود عالية من التطابق مع سياسات اليمين العقائدي واليمين التوراتي في الدولة العبرية، وقد فقدت هويتها السياسية. وثالثها فيتمثّل في الاعتقاد عند قطاعات واسعة من الناس في المجتمع «الإسرائيلي» بأنّ حكومة جديدة برئاسة نتانياهو تستطيع العمل بشكل أفضل في المجال الأمني، خصوصاً مع استخدام نتانياهو منطق التشدد السياسي مع الفلسطينيين واستمراره في حمل لواء الاستيطان والتهويد والدفاع عنه، فالجمهور اليهودي يؤيد سياسات نتانياهو ويساندها ويريد انتخابه في الانتخابات التشريعية القادمة لكنه يتصادم معه بشأن القضايا الداخلية ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي بالرغم من سلة الاغراءات التي يلجأ نتانياهو لتقديمها للجمهور من فترة لفترة.

وبالطبع، فإن انضمام حزب المعارضة الرئيسي (حزب كاديما) الى الحكومة الائتلافية التي يقودها بنيامين نتانياهو، شكّل اسهاماً جيداً في استقرار الحكومة «الإسرائيلية» التي كانت قد تعرضت لأزمات معينة خلال السنوات الثقلاثة الماضية. كما شكّل خطوة هامة في تأجيل أو الغاء تقديم موعد الانتخابات التشريعية للكنيست التاسعة عشرة، والتي كان مقرراً لها وفق التقديرات أن تجري في وقت مبكر وقبل عام من موعدها. فقد أطال الجنرال موفاز بعمر نتانياهو في رئاسته للوزارة «الإسرائيلية» ومنحه قدرة جيدة للاستمرار لعام أخر. فضلاً عن توفيره الغطاء السياسي له لمواصلة خطه وطريقه المعلن بالنسبة للتسوية مع الفلسطينيين، وللقضايا التي باتت تشكّل استعصاءاً كبيراً أمام اعادة اقلاع قاطرة العملية التفاوضية بين الجانبين «الإسرائيلي» والفلسطيني الرسمي والمتوقفة منذ زمن بعيد. وبذا فإن دخول الجنرال شاؤول موفاز وحزبه للائتلاف الحكومي بقيادة نتانياهو لا ليكون «آصاً» للزهور في الحكومة بل من أجل دفع السياسة «الإسرائيلية» نحو مزيد من التحول باتجاهات بعيدة عن سلام الشرعية الدولية. فالجنرال شاؤول موفاز صاحب تاريخ عسكري دموي، وقد جرت باوامر مباشرة وباشراف منه عمليات الاغتيال الواسعة التي جرت في فلسطين، ومنها اغتيال العديد من القيادات السياسية الفلسطينية كاغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين، والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيد أبو علي مصطفى وغيرهم. عدا أن الطاقم المحيط بالجنرال موفاز يضم في صفوه زبدة المتطرفين من المؤسسة العسكرية كرئيس الشاباك السابق الجنرال آفي ديختر، ورئيس أركان الجيش السابق الجنرال دان حلوتس.

وفي الاسخلاصات الأخيرة، نستيطع القول بأن المجتمع اليهودي على أرض فلسطين ليس كتلة جامدة هامدة ساكنة لاحراك بها، بل هو مجتمع أو (تجمع) بشري يعيش تناقضاته الداخلية، كما يعيش اضطراباته التي نبتت بفعل النشأة الطافرة للدولة العبرية الصهيونية، فـ «إسرائيل» دولة طافرة قامت بقرار أممي ولم تنشأ نشأة طبيعية كحال دول العام والكيانات السياسية على امتداد المعمورة. ومن هنا فهي أكثر تأثراً بما يجري في المنطقة العربية وفي البيئة السياسية الشرق أوسطية، حتى وان كانت تلك التحولات لاتزعجها مباشرة الا أنها تحمل في طياتها تحولات مستقبلية يراها الكثيرون من مفكري «إسرائيل» باعتبارها خطراً داهماً على كيان الدولة العبرية طال الزمن أم قصر.



انشر عبر