شريط الأخبار

بين النقد والمطاردة -هآرتس

11:07 - 21 حزيران / يونيو 2012

بين النقد والمطاردة -هآرتس

بقلم: أري شبيط

(المضمون: جعل مراقب الدولة تقريره عن كارثة حريق الكرمل لائحة اتهام لوزير المالية شتاينيتس وهذا افراط وخطأ منه برغم أهمية التقرير - المصدر).

        مؤسف، مؤسف حقا. ان التقرير المميز لمراقب الدولة الذي نشر أمس هو وثيقة مهمة ومؤثرة ومزعزعة بمعانٍ كثيرة. فالتقرير يصف بالتفصيل صورة حدوث كارثة وطنية مخيفة هي الحريق في الكرمل. ويُشخص التقرير بدقة اخفاقا وطنيا امتد سنين طويلة هو التخلي عن جهاز الاطفاء. ويشير التقرير بفضل علاجه العميق للكارثة والاخفاق في الحقيقة الى أخطر مشكلة وطنية لاسرائيل وهي تعفن الادارة وضعف القطاع العام.

        قام مراقب الدولة ومكتب مراقب الدولة في الـ 18 شهرا الاخيرة بعمل مخلص وعرضا أمس على الجمهور وثيقة نقد تُحتذى. ولو ان المراقب ضبط غريزته لاستطاع ان يفخر بأنه أبلغ ولايته ذروتها عشية انهائه ولايته.

        لكن ميخا لندنشتراوس لم يضبط غريزته، فقد أصر على ان يجعل التقرير المؤثر عن كارثة الكرمل لائحة اتهام لوزير المالية يوفال شتاينيتس، ولائحة الاتهام هذه بائسة لأنها لا تصمد لأي امتحان معقولية، فقد ظلم لندنشتراوس شتاينيتس وظلم نفسه وجعل وثيقة متخصصة مدهشة ورقة عمل غوغائية لا أساس لها.

        اليكم كشفا حسنا: قبل سنين كثيرة درست أنا وشتاينيتس الفلسفة معا. وليس هو صديقا لي ولا من زواري وتصوره العام بعيد عن تصوري العام. وكذلك لا أشارك الفيلسوف السياسي تأثره الدائم بنفسه ومواهبه. لكن من الواضح لي انه ينبغي الحكم على وزير المالية كما يُحكم على كل وزير آخر، أي بحسب نجاحه أو فشله في تأدية عمله. فهل انهار الاقتصاد في خلال ولايته أو نما؟ وهل طغت البطالة أو تضاءلت؟ وهل أدى الاقتصاد الاسرائيلي عمله في اثناء ازمة اقتصادية عالمية بصورة أفضل أو أقل من اقتصادات متقدمة اخرى؟.

        على حسب كل هذه المعايير يعتبر شتاينيتس وزير مالية غير سيء، فقد قاد مع ستانلي فيشر اقتصاد اسرائيل في مياه هائجة بصورة معقولة جدا.

        يزعم لندنشتراوس ان وزير المالية يتحمل مسؤولية خاصة عن ان اجهزة تنقذ الحياة لم تُدعم ماليا بالصورة المطلوبة. ولم يزعم أي مراقب دولة في العالم زعما من هذا النوع على أي وزير مالية في العالم في شأن ما. فالمسؤولية عما يجري في الوزارات المختلفة منذ زمن بعيد – في العالم كله – تُلقى على رؤسائها لا على المحاسب الوطني. ويزعم لندنشتراوس انه كان يجب على وزير المالية ان يحول مالا الى جهاز الاطفاء من غير ان تتم فيه ايضا اصلاحات ضرورية. واذا قُبل هذا الزعم فانه يوجب تحويلا كثيفا لاموال عامة الى اجهزة عامة عفنة.  ويسبب اغراق القطاع العام المريض بمال كثير يُدفن بدل ان يشفى.

        لكن اذا تجاوزنا مزاعم المراقب المحددة على الوزير فان الشيء الخطير بصورة خاصة هو المنطق الذي لا منطق فيه في توجهه الى ما يتعلق بمنصب وزير المالية. فعلى حسب تصور مراقب الدولة لن يستطيع أي وزير مالية في المستقبل ان يرفض أي طلب ميزاني في المستقبل من جهاز الامن مثلا، لأنه لما كانت كل بطارية للقبة الحديدية تنقذ الحياة فانه سيُطلب دائما نفقة اخرى على بطارية اخرى. ولما كان كل ملجأ ينقذ الحياة فستُطلب دائما ميزانية اخرى لملجأ آخر، وستكون النتيجة زيادة واضحة لميزانية الامن. وستُصرف عشرات المليارات التي سيُحتاج اليها لتلبية مطلب المراقب عن الرفاه وعن المجتمع وتُفسد الاقتصاد. ان وزير المالية الذي يستدخل توجه لندنشتراوس سيخون عمله ويجلب على اسرائيل كارثة اقتصادية اجتماعية.

        لا نعلم ما الذي جعل لندنشتراوس يجعل تقرير رقابة مهنيا لائحة اتهام داحضة. لكنه من الواضح ان المراقب قد أفرط جدا هذه المرة وبدل ان يثير نقاشا عميقا في اخفاق جهاز الاطفاء والمشكلات العميقة للقطاع العام أحدث عاصفة غريزة اخرى لا حاجة اليها. لكن الجمهور ليس غبيا، فبعد ان ينقشع الغبار سيعرف الجمهور كيف يُفرق بين النقد الموضوعي والحيوي الذي يشتمل عليه تقرير الكرمل وبين المطاردة الشخصية التي زل بها.

انشر عبر