شريط الأخبار

الجامعات وأم الحريات: جامعة الأزهر نموذجاً .. بقلم أيوب عثمان

08:16 - 13 تشرين أول / يونيو 2012

الجامعات وأم الحريات: جامعة الأزهر نموذجاً

الدكتور/ أيوب عثمان

كاتب وأكاديمي فلسطيني

جامعة الأزهر - غزة

 

 

  • ·        "ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين" (سورة البلد 8)
  • ·        "الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان" (سورة الرحمن 1- 4)
  • ·        " ... الحـرفَ قبلَ الموتِ ينتَصِـرُ

وعِنـدَ الموتِ ينتَصِـرُ

وبعـدَ الموتِ ينتَصِـرُ

--- السّيفَ مهمـا طالَ ينكَسِـرُ

وَيصْـدأُ .. ثمّ يندَثِـرُ

ولولا الحرفُ لا يبقى لهُ ذِكْـرٌ

لـدى الدُّنيـا ولا خَـبَرُ ! "            (أحمد مطر)

                                                    

ليس جديداً هذا الذي يغنيه أحمد مطر، مدافعاً عنه وداعياً إليه. إنه الحرف! إنه الكلمة! إنه الحق في القول... الحق في الكلام. فهذا الذي يقوله أحمد مطر اليوم قاله من صاغ هذه الدنيا وخلائقها وكل مكوناتها... رب العالمين: " ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين "(سورة البلد 8)، "الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان" (سورة الرحمن 1 – 4). وهذا الذي يقوله أحمد  مطر، اليوم، قاله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، أي منذ 64 عاماً، فجاء في المادة (19) منه: " لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود"، وقاله العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966، أي منذ 46 عاماً، فجاء في المادة (19) منه: "لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة، ولكل إنسان الحق في التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دون اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها"، وقاله، بل  حماه وكفل صيانته والدفاع عنه القانون الأساسي الفلسطيني الذي فصل القول في نصوص مواده فجاء في المادة (19) منه: "لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون"، وقاله قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني  في المادة (2) منه: "الصحافة والطباعة حرتان وحرية الرأي مكفولة لكل فلسطيني، وله أن يعرب عن رأيه بحرية قولاً، كتابةً،  وتصويراً ورسماً في وسائل التعبير والإعلام"، كما قالته وثيقة إعلان الاستقلال الوطني الفلسطيني لعام 1988  التي جاء فيها أن  " دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي... في ظل دستور يؤمن بسيادة القانون والقضاء المستقل ".

فإذا كانت القوانين الإلهية النازلة إلينا من رب العالمين، والقوانين الدنيوية – الدولية منها والمحلية – قد أجمعت كلها على تمكين المرء من التعبير عما يريد باعتبار حق الرأي وحق التعبير عنه من الحقوق الأساسية التي لا يجوز  التنازل عنها أو المساومة عليها، فبأي حق، إذََنْ، يصدر رئيس جامعة الأزهر تعميماً يقضي بتحريم وتجريم ما أحل الله، ومنع ما كفلته كل القوانين المحلية والدولية؟! سؤال سيظل قائماً إلى أن يجاب عنه! وكي يجاب عن هذا السؤال الذي سيبقى منتصباً في وجه أعداء أم الحريات، فإنني أقترح على  رئيس الجامعة أحد سبل ثلاثة:

  1.  أما أحدها، فهو أن يطلع- ولو اطلاعاً خاطفاً – على:
  • سورة البلد وسورة الرحمن  من كتاب رب العالمين.
  • المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
  • المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
  • المادة (19) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل.
  • المواد 2+4+ 7+25+26+ 66 من قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني.
  • وثيقة إعلان الاستقلال الوطني الفلسطيني.
  1. وأما ثانيها، فهو أن يشارك - إما بالحضورللاستماع أو للحوار - في ورشة عمل يَشْرُفُ هو بالدعوة إليها وتَشْرُفُ جامعة الأزهر باحتضانها حول "حرية الكلمة".
  2. وأما ثالثها، فهو أن يكون هو أو من ينيبه عنه - ولكن بحضوره - في مناظره أجدني مضطراً  أن أكون الطرف الخجول  فيها!

وبعد: فكان رئيس الجامعة قد أصدر قبل أكثر من خمسة أشهر، وتحديداً في 2/1/2012 تعميماً جاء فيه نصاً أنه "يمنع منعاً باتاً على أي موظف بالجامعة تناول أي موضوع خاص أو عام يخص جامعة الأزهر – غزة عبر وسائل الإعلام الخارجية المختلفة"، ولكنه أضاف أمراً يبدوأنه لم يكن يتوقع الاستجابة إليه فقال " وستتاح الفرصة لجميع العاملين استخدام الموقع الإلكتروني للجامعة لنشر الآراء والمقالات التي تخص الجامعة أو تناول موضوعاتها، وذلك عبر القنوات الرسمية للجامعة، علماً بأنه ستتخذ الإجراءات القانونية بحق من يخالف التعليمات الصادرة بالخصوص".

كنت أنا من استجاب إلى هذا التعميم  الذي جاء فيه " وستتاح الفرصة لجميع العاملين استخدام الموقع الإلكتروني للجامعة لنشر الآراء والمقالات التي تخص الجامعة ---- "، فأرسلت في 5/2/2012 إلى رئيس الجامعة عبر دائرة العلاقات العامة التابعة له، مادة حول هذا التعميم عنوانها " ما هكذا يا رئيس الجامعة!"، طالباً منه التكرم بنشرها، بناء على الفرصة التي أتاحها. ولما لم ينشر رئيس الجامعة تلك المادة طيلة أسبوعين أبقاها حبيسة أدراجه، قمت بنشرها كعادتي! غاب رئيس الجامعة غيبته الطويلة منذ ذلك التاريخ (أي منذ أكثر من خمسة أشهر) إلى أن نشرت قبل نحو أسبوعين  مقالاً عن الحريات الأكاديمية في الجامعات الفلسطينية وكانت جامعة الأزهر في المقال نموذجاً، فقام  -  بالإضافة إلى توجيه عقوبة التنبيه لي خلافاً للقانون في 30/5/2012 - بإصدار تعميم آخر في 3/6/2012   يقول فيه هذه المرة قولاً لفّه العجب. يقول: " في الوقت الذي نؤكد فيه على حرية الكلمة، فإننا نذكر بأن حرية الكتابة والتعبير عن الرأي إذا ما ارتكزت على الإساءة للجامعة والتشهير بمؤسساتها، فإنها تعتبر تطاولاً غير مبرر وقذفاً لا تجيزه الأنظمة والقوانين"، ثم يضيف : " ---- وتأكيداً على التعميمات السابقة يمنع منعاً باتاً قيام أي موظف  بالجامعة بتناول موضوعات تسيء للجامعة ومؤسساتها عبر وسائل الإعلام المختلفة. هذا وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق من يخالف ذلك ". وهنا نتساءل: هل اكتشف رئيس الجامعة أن تلك العبارة الجميلة التي تضمنها التعميم السابق الصادر في 2/1/2012 " وستتاح الفرصة لجميع العاملين -----" قد أدخلته في ورطة جديدة شعر أنه لا قبل له بها؟! وهل وضع رئيس الجامعة هذه العبارة الجميلة هكذا من قبيل الزخرف اللفظي، بعيداً عن المضمون ؟! وألم يخطر ببال رئيس الجامعة – ولو للحظة – أن أحداً من العاملين سوف يأخذ  جمال هذه العبارة في مبناها متكأ للولوج  إلى قبح مقاصدها في مضمونها ومعناها؟! وما هو السر، يا ترى، وراء إصدار رئيس الجامعة لمثل هذه التعميمات التي تقمع أم الحريات والتي بقمعها يدرك رئيس الجامعة ما لديه من حتمية علمية- لا سيما وإنه الحائز على رتبة الأستاذية في الفيزياء النووية - أنه لا حرية، البتة، تمنح في الوقت الذي فيه "أم الحريات" تقمع؟! وهل فكر رئيس الجامعة أنه هناك بوناً شاسعاً بين القذف والتشهير والحق في التعبير، دون أن ينسى أو يتناسى أن القذف والتشهير جرمته قوانين الأرض وحرمته شرائع السماء، أما الحق في التعبير فرخصته شرائع السماء وكفلته قوانين الأرض؟!

ولأن الأصل أن تهتدي الحكومات بالجامعات، لا أن تكون الجامعات ذيلاً للأحزاب وبوقاً للحكومات، فإنني أجزم أن رئيس الجامعة – والذي  يروق لي أن أكرر أنه صاحب مرتبة الأستاذية في الفيزياء النووية – يقف ضد منع السلطة في الضفة الغريبة منع طباعة وتوزيع صحف "الرسالة" و"فلسطين" و"منبر الإصلاح" منذ تاريخ 14/6/2001، ومنع السلطة في غزة صحف "القدس" و"الحياة الجديدة" و"الأيام" التي تصدر في الضفة الغربية من الدخول إلى قطاع غزة. وعليه، فإن كان رئيس الجامعة حقاً ضد المنع الذي يمارس في الضفة وضد المنع الذي يمارس في غزة – وأحسبه يقيناً كذلك – فإن صفته تحتم عليه أن يكون مختلفاً عن هذه السلطة وعن تلك، في مجال حرية الرأي والفكر وحرية التعبير عنه، وليعلم أن السلطة - بمعنى الحكم – إن كانت مفسدة، فإن فساد السلطة في الجامعة تكون هي أم المفاسد، ذلك أن فساد الأفضل والأعدل إنما هو أعظم الفساد. فإذا كانت الجامعة هي من ينبغي لها أن تلاحق الفساد لمعاقبته أملاً في اجتثاثه، فإن الجامعة يحرم عليها أن ترعى ولو مفسدة واحدة، ذلك أن ذلك لو كان، لكان ذلك هو أكبر الفساد الذي يشبه فساد الملح الذي يعد فساداً لا علاج له. فإذا كنا بالملح نحفظ الطعام، فكيف إذا كان الملح نفسه فاسداً؟!

بالملح يحفظ ما يخشى تغيره                              فكيف بالملح إن حلت به الغير

أما آخر الكلام، فإن كان رئيس الجامعة – أو من علاه في المرتبة الإدارية  أو تلاه – مصراً على تحريم وتجريم ما هو مرخص لي – بصفتي واحداً من بني البشر، وبصفتي مثقفاً، و بصفتي أستاذاً جامعياً، وبصفتي كاتباً وطنياً – متحدياً ما جاء في الكتب الربانية والقوانين العالمية والمحلية، وإن كان مصراً في الوقت ذاته على إغلاق سمعه وبصره وبصيرته عن السبل الثلاثة التي أوردتها آنفاً  لنحط معاً على درب سالك وسليم، فإنني أؤكد أنني سأبقى – في السياق الذي أنا فيه – تحت حماية التوجيه الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما سأبقى محمياً بالقوانين الدولية، والمحلية. وللتأكيد على ما أكدت، ورغبة مني في أن يفيد كل من يحب أن يفيد، فإنني أذكر بحوار أجراه شاعرنا العربي العراقي أحمد مطر على باب المنفى مع الحاكم  الذي حكم عليه بالنفي، متهماً إياه بأنه تجاوز حد القول المسموح به، قائلاً له:

 

لقد جاوزتَ حَدَّ القولِ يا مَطَرُ

 ألا تدري بأنّكَ شاعِرٌ بَطِرُ

 تصوغُ الحرفَ سكّيناً

 وبالسّكينِ تنتَحِرُ؟!

فرد عليه قائلاً:

 أجَلْ أدري

 بأنّي في حِسابِ الخانعينَ، اليومَ،

مُنتَحِرُ

ولكِنْ .. أيُّهُم حيٌّ

وهُمْ في دوُرِهِمْ قُبِروا ؟

فلا كفُّ لهم تبدو

ولا قَدَمٌ لهمْ تعدو

ولا صَوتٌ، ولا سَمعٌ، ولا بَصَرُ

 خِرافٌ ربّهمْ عَلَفٌ

يُقالُ بأنّهمْ بَشَرُ

شبابُكَ ضائعٌ هَدَراً

وجُهدُكَ كُلّهُ هَدَرُ

بِرملِ الشّعْرِ تبني قلْعَةً

والمدُّ مُنحسِرُ

فإنْ وافَتْ خيولُ الموجِ

لا تُبقي ولا تَذَرُ!

هُراءٌ ..

ذاكَ أنَّ الحرفَ قبلَ الموتِ ينتَصِرُ

وعِندَ الموتِ ينتَصِرُ

وبعدَ الموتِ ينتَصِرُ

وأنَّ السّيفَ مهما طالَ ينكَسِرُ

وَيصْدأُ .. ثمّ يندَثِرُ

ولولا الحرفُ لا يبقى لهُ ذِكْر

ٌ لدى الدُّنيا ولا خَبَرُ!

وماذا مِن وراءِ الصّدقِ تنتَظِرُ ؟

سيأكُلُ عُمْرَكَ المنفى

وتَلقى القَهْرَ والعَسْفا

وترقُبُ ساعةَ الميلادِ يوميّاً

وفي الميلادِ تُحتضَرُ!

وما الضّرَرُ ؟

فكُلُّ النّاسِ محكومونَ بالإعدامِ

إنْ سكَتوا، وإنْ جَهَروا

وإنْ صَبَروا، وإن ثأَروا

وإن شَكروا، وإن كَفَروا

ولكنّي بِصدْقي

أنتقي موتاً نقيّاً

والذي بالكِذْبِ يحيا

ميّتٌ أيضَاً

ولكِنْ موتُهُ قَذِرُ !

انشر عبر