شريط الأخبار

الفشل ابن الثلاثين -هآرتس

02:41 - 01 حزيران / يونيو 2012

ترجمة خاصة - فلسطين اليوم

الفشل ابن الثلاثين -هآرتس

بقلم: ناحوم برنياع

(المضمون: تُعد حرب لبنان في 1982 حربا فاشلة برغم انها كانت ترى في ذلك الوقت ذات أثر قوي في رسم مستقبل اسرائيل – المصدر).

تختلف ايام ميلاد الحروب عن ايام ميلاد البشر، فالبشر يكبرون على مر السنين والحروب تصغر. فالذي كان يرى قبل ثلاثين سنة حادثة ستغير بمرة واحدة والى الأبد تاريخ دولة اسرائيل، صار يبدو على بعد الزمن حلقة في سلسلة حروب طويلة يصعب على طلاب المدارس الثانوية التفريق بينها. وللتخفيف عنهم نشبت حرب لبنان الثانية في 2006 وقد حررت الحرب الثانية الحرب الاولى من الاسم الكاذب الذي منح لها وهو حرب سلامة الجليل ومنحتها رقما متسلسلا وحق أسبقية.

يسأل الناس: ما هو الدرس لأنه لا يوجد يوم ميلاد بلا درس.

تولى كولين باول رئاسة اركان جيش الولايات المتحدة في حرب الخليج وتحدث منذ زمن غير بعيد عن انه حذر الرئيس بوش عشية غزو العراق من تدخل زائد في تقرير مصير دولة اجنبية. وحذر بقوله: "اذا كسرت فستدفع لأن الشيء يصبح لك ومن مسؤوليتك وعلى حسابك". ويبدو ان هذا التحذير يصح ايضا على المغامرة اللبنانية لمناحيم بيغن واريئيل شارون.

عملت اسرائيل طوال سنيها سرا في الدول الجارة في حلقة الدول الاولى وفي الحلقة الثانية. وطور عملاؤها علاقات شخصية وامنية واقتصادية بحكام من الحسن الثاني ملك المغرب الى جعفر النميري رئيس السودان، ومن عبد الكريم قاسم العراقي الى عيدي امين في اوغندة ودانيال ايرف موي في كينيا، ومن الشاه الايراني الى الحسين ملك الاردن. وأرشد العملاء الاسرائيليون وسلحوا منظمات سرية من أكراد بارزاني في العراق الى منظمات سرية في افريقيا. واعتمدت العلاقة على مصلحة متبادلة ومصلحة وجودية احيانا. وكان سر النجاح كامنا في معرفة الطرفين لحدود العلاقة، وكان يجب ان تكون سرية؛ وان يكون الجيش الاسرائيلي قوة مقاتلة لا تتدخل؛ فأنتم لا تُقتلون من اجلنا؛ ونحن لا نُقتل من اجلكم؛ ويظل التعاون موجودا ما بقيت المصالح التي ولدته موجودة؛ ولا يوجد التزام شعوري ولا رواسب رومانسية.

سألت مرة دييف كمحي، نائب رئيس الموساد ومن آباء العلاقة اللبنانية، كيف واجه حقيقة ان السلاح الذي منحته اسرائيل للكتائب وجد طريقه الى مخزون سلاح منظمة فتح، عدونا في تلك الفترة، واستعمل على جنود الجيش الاسرائيلي. ونظر كمحي إلي في اشفاق.

"لو ان ناس فتح لم يشتروا السلاح من الكتائب لاشتروه من جهة اخرى"، قال. "في الاثناء حصلنا على معلومات استخبارية".

بيد ان العلاقة اللبنانية تعدت كثيرا صفقات سلاح دورية، فقد أصبحت سكر قوة وادمان، وأوهم شارون والناس حوله في الملابس العسكرية وفي غير الملابس العسكرية، أوهموا انفسهم انهم يديرون دولة كاملة على اصابعهم أو دولتين في الحقيقة وأن ما لم يستطيعوا فعله في اسرائيل سيفعلونه في لبنان، فيقررون من يكون الحاكم.

من المريح ان نصف المسيحيين في لبنان بأنهم خانوا الوعود التي وعدوا بها اسرائيل. صحيح انهم لم يفوا بوعودهم لكنهم كانوا متسقين بذلك، فهكذا عاملوا الفرنسيين والسوريين ايضا. وقد اعتمد وجودهم كله باعتبارهم أقلية حاكمة على قدرتهم على عقد أحلاف عابرة مع قوى اجنبية. فهم يقدسون المصلحة ويبدلون الحلفاء. ولم يكن المسيحيون هم الذين انحرفوا عن نهجهم في لبنان بل اليهود ذوو الخبرة الكبيرة وذوو الحنكة العظيمة، اليهود في حكومة اسرائيل.

قُتل 1216 جنديا في لبنان حتى الانسحاب في 2000 وكان ذلك آلم ثمن لكن لم يكن الثمن الوحيد فنحن كسرنا ونحن دفعنا.

طفولتي الثانية

كانت حرب لبنان هي الاخيرة التي شاركت فيها بصفة محارب. ففي 1982 ضُم لوائي الاحتياطي، لواء المظليين 55 الى طابور يانوش بن غال الذي عمل في المنطقة الشرقية في مواجهة السوريين. وبدأ الجدل حينما وقعنا على تسلم المعدات على المسار في المطار في كفار سركين. تسربت انباء عن خطة حرب تحاك سرا في وزارة الدفاع الى وسائل الاعلام قبل ذلك ببضعة اشهر. وكانت في البلاد آنذاك معارضة فعالة تمتعت بمصادر جيدة في قيادة الجيش الاسرائيلي، وكان هناك مراسلون لم يخشوا مناكفة شارون. وجاء كثيرون من الجنود في اللواء من كيبوتسات اليسار. وجاء آخرون من بلدات رفح التي وافق بيغن على اخلائها وأخلاها شارون بالفعل، فلم يصدقوا كلمة واحدة منهما.

واستمر الجدل خلال الحرب. تحركنا شمالا على شارع شرقي بحيرة القرعون في طريق مرج عيون. وكانت الحركة سهلة كأننا في نزهة تقريبا وقد نثروا علينا الأرز في بعض القرى. ووجدنا في قرى اخرى مواقع لمنظمات فلسطينية هربت في ذعر. ونشأ فورا جدل في الغنيمة فماذا يجوز ان نأخذ وماذا يكون من اجل السرية ومن اجل الرفاق وماذا لا يجوز. واستعددنا في الليل للنوم وكان الانطباع أننا لا نسارع الى أي مكان في هذه الحرب. وشاهدنا طائرتي فانتوم تهاجمان قوة سورية بلا رحمة. وكان المنظر مبهجا الى ان عرفنا انهما هاجمتا قوة للجيش الاسرائيلي خطأ.

سيطرت الكتيبة بلا مقاومة على جب – جنين وهي بلدة كبيرة في الطريق الى شارع بيروت دمشق. وانتشرنا في منطقة مفتوحة فوق قرية قريبة هي كامد اللوز. وكان الجو رائعا ولم يضايقنا العدو السوري أو الفلسطيني في الحقيقة، ولما كنا وحدة منقولة فيها سيارات كثيرة بعضها للوحدة وأكثرها غنيمة فقد أكثرنا التنزه. وغلبت لذة المغامرة المخاطرة وغلب الفضول على الخراب. ولم يوجد مكان من بيروت الى شرقيها لم نجس فيه، ولم يوجد ميدان قتال لم نزره. فرأينا كل شيء ورأينا اشياء شديدة التأثير ايضا. وذقنا كل شيء وجربنا الطفولة الثانية.

بعد ذلك في الحرب مكثنا في قرية سيل فوق مطار بيروت وتدربنا على احتلال الرملة البيضاء وهي حي مبان متعددة الطبقات يمتد على طول الساحل. وحصل شخص ما على  مذياع وبثوا في صوت اسرائيل اعلان متحدث الجيش الاسرائيلي دخول الهدنة حيز التنفيذ. وفي ذلك الوقت قصفت المدافع بيروت الغربية. وقد طارت القذائف من فوق رؤوسنا وسخرنا من متحدث الجيش الاسرائيلي واحتقرنا الحكومة، لكن لا أحد رفض أمرا عسكريا. فلم يكن الرفض كما يبدو في خلايانا. وذات يوم جاءت سيارة هواتف وكانت حادثة غير معتادة، وكان الاولاد اول من تحدثنا اليهم وكان الامر الثاني هو البورصة. فقد كانت البورصة آنذاك في ذروة ازدهارها.

كانت تلك حربا غريبة، حامضة حلوة ونقطة لقاء بين جنة عدن وجحيم. وحينما ذهبت لأقضي العطلة الاولى مزودا بألعاب للاولاد وبغصن كرز من لبنان، نظم الاصدقاء الذين التقيت بهم في البيت أنفسهم في اول مظاهرة أمام بيت رئيس الوزراء، وتحدثت عن تجارب شعورية وخرجوا عن أطوارهم لشدة الغضب وكانوا على حق بالطبع.

تحير محبو بيغن في سؤال كيف يصفون مشاركته في الحرب، فهل يوصف بأنه كان مخدوعا أسير حلم غامض أم كان وغدا ضلل حكومته وشعبه. واختاروا امكانا ثالثا وهو ان يصفوه بأنه ضحية ساذج لمؤامرات شارون وأكاذيبه، وقد زعموا ان بيغن وافق على حرب محدودة الى 40 كم بغير مهاجمة للسوريين. وخدعه شارون وخدع الحكومة وعمل من وراء ظهره.

يمكن ان نُجل رغبتهم في تبرئة بيغن، الزعيم والاب من كل عيب أخلاقي، لكن يصعب ان نقبل روايتهم. فهم بارادتهم تبرئة بيغن يجعلون زعامته وحكمته وتأثيره قزما، فهو لم يكن ولدا، وحينما استقر رأيه على الخروج للحرب عرف الى أين يتجه ومع من ولو لم يعرف لما كان أهلا لولاية رئاسة الوزراء، وبعد ذلك وبدل ان يتحمل المسؤولية ويبين الحقائق ويصلح الضرر هرب الى الكآبة ولم يزده الهرب كرامة.

وفيما يتعلق بنا نحن جنود الكتيبة قضينا شهرا كل سنة في لبنان في السنين العشر التالية. وكان الامر أقل ابهاجا، ورمانا المحليون باشياء كثيرة مختلفة طوال السنين لكنهم لم ينثروا الأرز علينا.

كالبيانو

في تشرين الثاني 1983، دعا بيير يزبك، السفير الاول والاخير للكتائب في اسرائيل، قليلا من الصحفيين الى زيارة لبنان. وأنزلتنا مروحية للجيش الاسرائيلي في مهبط أُعد على ساحل البحر شمالي بيروت بازاء جونية. وكان الامر الساخن هو السيطرة على جبال الشوف. فبعد الانسحاب الاسرائيلي من هناك فورا حاصر دروز عائلة جنبلاط النصارى من عائلة شمعون بمساعدة السوريين. وكان هؤلاء واولئك من رعايا اسرائيل. قال اوري لوبراني، وهو من آباء التدخل الاسرائيلي في لبنان مرة ان لبنان يشبه بيانو كل طائفة فيه مضرب؛ ومهمة الاسرائيليين ان يعرفوا كيف يوقعون على جميع المضارب. وشعر المسيحيون بالاهانة لأنهم ظنوا أنهم الابناء الوحيدون. ومنذ ذلك الحين ألصقوا بلوبراني لقب عازف البيانو.

دُعي الصحفيون بأمل ان يجندوا الرأي العام في اسرائيل لانقاذ المسيحيين. وأنزلونا في فندق اسكندر في بيروت الشرقية، وكانت الضيافة مدهشة. وقد كتبت في تلك الفترة انه من اجل ان ترشو جنرالا تايلانديا يجب ان تدفع مليون دولار نقدا؛ ولترشو جنرالا اسرائيليا يكفي الحمص في واحد من مطاعم جونية.

كانت الليالي ريا من الجعة. وقصف الدروز النصارى من جهة عاليه. واطلق جيش لبنان النار على الشيعة في الضاحية. وانتقلت قافلتنا داخل بيروت مثل حاشية بارون مخدرات مكسيكي، فالسيارة الاولى نحّت السيارات الاخرى عن الطريق والثانية صفرت بلا توقف ولم نقف في المفترقات. والتففنا على الحواجز التي أقامها جيش لبنان. وعرض السائقون وهم شباب بلا ملابس عسكرية، عرضوا قوتهم بقيادة لصوص. وكنا غارقين في الادرينالين.

التقى معنا بيير الجميل والد بشير، الرئيس الذي قتل، وامين الرئيس الذي انتخب بدلا منه على حراب الجيش الاسرائيلي في مكتبه المحصن على خط التماس بين بيروت الشرقية والغربية، وكان في الثالثة والثمانين متين الجسم وسيما حسن الشيخوخة. وقال: "يحكم 25 مليون يهودي العالم. وهم يتحكمون بالاموال والتلفاز والثقافة والجامعات ولهذا لا أفهم كيف قام اليهود بهذه الحماقة. لماذا خرجتم من جبال الشوف؟".

والتقانا سمير جعجع في قيادة الكتائب في الاشرفية. وأصبح في حياته اسطورة. قالوا عنه انه شخصيا قتل ابن الرئيس السابق سليمان فرنجية في احدى الحروب الداخلية في الطائفة المسيحية. وقد جاء الى اللقاء مباشرة من ميدان القتال، لكن القتال لم يلاحظ عليه، فقد كانت ملابسه مكوية حتى آخر ثنية وكان شاربه واظافره منمقة. وقال "أخرجت اسرائيل نفسها من المعركة على لبنان وتتابعها سوريا وأنا اسأل متى ستبدأ اسرائيل تتولى مكانها من جديد في المعركة على لبنان؟".

بعد ذلك أُدين جعجع في محكمة لبنانية بجرائم حرب وحكم عليه بسلسلة مؤبدات. وكان اللبناني الوحيد الذي أُدين بسبب جرائم تمت اثناء الحروب الاهلية، لكن مجلس النواب عفا عنه. وانتقل بيير يزبك للسكن في باريس وأصبح سفيرا غير رسمي لسوريا. والتقى مع اسرائيليين بين الفينة والاخرى معتمدا على الايام التي قضاها في القدس، واستعان وليد جنبلاط بالسوريين وثار عليهم وجند نفسه لخدمتهم، سأشتاق دائما الى سيارة الجيب الجديدة من انتاج نيسان التي ضممناها لأنفسنا من موقف منزله في قرية المختارة في جبال الشوف.

لا يريدون سلاما

في كانون الثاني 2000، عشية خروج اسرائيل من لبنان، قتل عاقل هاشم، قائد اللواء المسيحي في جيش لبنان الجنوبي في ساحة بيته في دبل. واستقر رأي نائب وزير الدفاع افرايم سنيه على المشاركة في الجنازة. وبرغم البرد عرق طيار المروحية الذي أنزله في بنت جبيل وكذلك ايضا القوة التي أرسلت لاعادتنا في قافلة سيارات مرسيدس مستعملة ثقيلة الهوائيات.

جاء قائد منطقة الشمال غابي اشكنازي وحده ودخلنا بيت العائلة معا، مجموعة صغيرة من الاسرائيليين أمام العائلة الحزينة التي تريد انتقاما، وأمام عشرات ضباط جيش لبنان الجنوبي من المسيحيين والدروز والمسلمين. وتقدم سنيه الى الضباط الدروز الذين وقفوا على حدة فاحتضنهم واحدا واحدا واحتضنوه. وكان الاحتضان بالايدي أما العيون فلم تلتقِ.

في تلك الايام عمل جنبلاط من اجلهم في بيروت ودمشق بحيث لا يعاقَبون اذا نُقض جيش لبنان الجنوبي وان يجندوا للجيش من جديد أو يجلسوا آمنين في بيوتهم. "لا نريد سلاما"، قال بالعبرية واحد من اخوة القتيل الخمسة. "يجب قبل ذلك ان تأتي حرب ثم سلام بعد ذلك. أما السلام بلا حرب فليس على ما يرام".

لكن كانت في الجو رائحة اليوم التالي، رائحة الفراق ورائحة الخيانة.

أبناؤنا جميعا

"الارقام هي التي تقرر في نهاية الامر"، قال لي واحد من رؤساء هيئة الاركان. "ما لم يزد عدد الجنود الذين يقتلون كل سنة على عشرين الى ثلاثين سيبقى الجيش الاسرائيلي في لبنان الى الأبد".

وحدث التحول في ليل 4 شباط 1997 لا في لبنان بل في سماء اصبع الجليل فوق شآر – يشوف، في حادثة جوية لا بقتال. فقد كان الجنود الـ 73 الذين قتلوا في كارثة المروحيات ضربة حطمت التعادل.

تظاهرت حركة "الامهات الاربع" (ومتحدثتها شيلي يحيموفيتش التي كانت آنذاك ما تزال في اليسار المتطرف) طالبة اخلاء لبنان حتى آخر متر. وزاد التأييد العام للاخلاء كلما خمدت شعبية رئيس الوزراء في ذلك الوقت بنيامين نتنياهو. والتزم مرشح حزب العمل لرئاسة الوزراء اهود باراك بالخروج من لبنان اذا تم انتخابه. وسار نتنياهو على أثره بل انضم اريئيل شارون الى الحملة الاعلامية. فالرجل الذي أدخلنا أراد ان يكون الرجل الذي يخرجنا: ولم يحدث ذلك لشارون اول مرة ولا آخر مرة.

وعد باراك ووفى، ولم يكن ذلك امرا يستهان به في السياسة الاسرائيلية.

تعدى تأثير الامهات الاربع قضية لبنان، فقد حثت مسارات غيرت النظرة الى الحرب والنظرة الى الجيش في المجتمع الاسرائيلي، فلم يعرض الجنود على أنهم محاربون بل على أنهم اولاد، أولادنا جميعا. وفقد القتل في المعارك شرعيته. وأصبح عدد القتلى الامتحان الاعلى لنجاح العملية العسكرية. ودُعي المواطنون الى حماية الجنود لا العكس. فالمواطن الذي قتل بقذيفة صاروخية عُرض على انه مأساة شخصية، أما الجندي الذي قتل فعُرض على أنه مأساة وطنية.

تركت المعايير الجديدة أثرها على العمليات العسكرية الثلاث المخطط لها التي حدثت بعد الانسحاب من لبنان وهي السور الواقي وحرب لبنان الثانية والرصاص المصبوب. وبلغت ذروة تأثيرها في النضال الذي هو حق في ذاته، من اجل صفقة شليط.

ما تزال اسرائيل مغناطيسا لحركات عصيان خارج حدودها. فكثيرون يحتاجون الى العلاقة كالمعارضة السورية والايرانية، والاكراد في العراق. ويجب ألا يمنع الفشل اللبناني اسرائيل من ان تشجع سرا حركات سرية اذا كان ذلك نافعا لمصالحها، لكن لبنان علمنا حدود القوة، فاسرائيل لا تستطيع احتلال عواصم العدو والمكوث فيها. وهي لا تستطيع ان تفرض من الذي يحكم لا في القاهرة ولا في دمشق ولا في رام الله ولا في غزة، وهي تستطيع ان تستعمل عملاء بنجاح لكنها تفشل حينما تحاول ان تستأجر خدمات عصابات مسلحة كاملة.

يُذكر شيء ما في معضلات اسرائيل اليوم بالجدل في 1982. فعندنا رئيس وزراء ذو شعبية من اليمين يميل الى الانجرار وراء خطابته. وعندنا وزير دفاع محنك يعرف كيف يجر رئيس الوزراء وراءه. في 1982 كانت هناك مبادرة سبقت عملية عسكرية صُدت. وكانت في القضية الايرانية ايضا مبادرة صُدت بسبب معارضة رؤساء الاجهزة ومعارضة اعضاء الثُمانية وانتقاد في وسائل الاعلام وربما بسبب شعور رئيس الوزراء الغريزي.

استنتج شارون من فشله في لبنان ان العملية العسكرية يجب ان تعتمد على اجماع. لا اجماع بل تفهم. يجب ان نبين للجمهور لماذا نحارب وما هو الهدف وما هو الثمن، وهذا ما لم يُفعل في حرب لبنان الثانية.

معلقون على الشجرة

في يوم السبت الاخير أخذني يوسي لفيت، وهو مزارع من المطلة في جولة على طول السور الجديد الذي يبنيه الجيش الاسرائيلي على الحدود تحت بيوت قرية كيلا. والغاية من السور منع اطلاق حزب الله النار مباشرة على المطلة. وهو في هذه المرحلة يضر بالأساس بتجار المخدرات، فهو يجعل رمي الحقائب وراء الجدار صعبا.

أصر مزارعو المطلة على غرس اشجار التفاح حتى السور الحدودي تماما. ولا يوجد تجريف لا في الجانب الاسرائيلي ولا في الجانب اللبناني، كل شيء قريب اذا مددت يدك لمست لبنانيا وراء الجدار. يقول يوسي لفيت ان الجيران اللبنانيين يرفعون أيديهم بالتحية بين الفينة والاخرى، لكنهم لا يتجرأون على فعل أكثر من ذلك خشية حزب الله.

يعمل التايلانديون بدل اللبنانيين في المزارع وباب فاطمة مهدوم. ومنشآت الجدار الجيدة مهدومة، فهي شاهد حزين على الفترة التي كانت موجودة ولم تعد موجودة. وبقيت اشجار الكرز وحدها.

انشر عبر