شريط الأخبار

كيف نستطيع أن نتغلب عليها.. النكبة وتوابعها ؟.. إسرائيل اليوم

12:13 - 18 تشرين أول / مايو 2012

بقلم: درور إيدار

 (المضمون: ان إدخال خطاب النكبة الفلسطينية في الخطاب الاسرائيلي بواسطة عملاء في وسائل الإعلام وفي الأكاديميا هو خطر يؤيد الإعلان الفلسطيني بإبادة اليهود منذ 1948 فيجب تغيير هذا الوضع - المصدر).

 

إن إسرائيل معجزة تاريخية، وقد تكون أكبر معجزة تاريخية في القرن العشرين. وهذه المعجزة تتضاعف أضعافا في بحر الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية الطاغية في المنطقة القريبة وفي العالم. ولذلك فان كثيرين يطمعون فيها ويريدون ان يرثوها. وطائفة التهديدات الامنية معروفة نسبيا. لكن التهديد الجذري هو الضعف المستمر في شعورنا بالعدل. وقد كان هذا هو التحذير الأخير من نتان ألترمان الذي كُشف عنه بعد موته: "ما الذي قاله الشيطان: كيف أقدر على هذا المخلوق؟ سأُبلد ذهنه لينسى ان العدل معه".

 

ان إدخال خطاب النكبة في الخطاب الاسرائيلي بواسطة عملاء ذوي خبرة في الاعلام الاسرائيلي وفي الاكاديميا هو واحد من الأخطار. والمتحدثون اليهود عن النكبة يقولون في ادعاء للسذاجة ان الحديث عن تذكر معاناة اللاجئين الذين انتشروا في كل مكان على أثر حرب التحرير. وهم يعدون بأن الاعتراف بهذه المعاناة أساس لكل نقاش سياسي. لكن احمد الطيبي يظهر فورا ويتحدث عن "تطهير عرقي" أجرته اسرائيل على الفلسطينيين. ويعلن أحد الدعائيين من قيادة عرب اسرائيل ان الحديث عندهم عن شيء يعادل خراب الهيكل الاول.

 

وهم بهذا يكشفون عن أوراق لعبهم لأنه ليست المعاناة الشخصية هي التي يُتباحث فيها بل هزيمة اولئك الذين أرادوا القضاء علينا. وليس هذا كليشيها – بازاء موافقة الاستيطان اليهودي على اقتراح التقسيم رد العرب باعلان حرب عرّفها الامين العام للجامعة العربية آنذاك عبد الرحمن عزام بأنها: "هذه الحرب ستكون حرب إبادة، وسيتحدثون عن المذبحة التي ستتم كالحديث عن حملات المغول والصليبيين".

 

وأعلن قطب آخر هو المفتي الحاج أمين الحسيني الذي تعاون مع هتلر بقوله: "أنا أعلن الجهاد، يا إخوتي المسلمين! إذبحوا اليهود واقتلوهم جميعا!".

 

حينما ننظر اليوم الى سوريا مثلا، أو الى لبنان، ونرى كيف يذبحون ويغتصون ويدمرون ويُجلون ويُفنون أبناء شعبهم – يصبح سهلا ان نفهم ماذا كان يحدث في 1948 لو ان الصورة انعكست والعياذ بالله. كان احمد الطيبي سيكون موجودا اليوم في دولة عربية تضاف الى عشرات الدول الموجودة في المنطقة، خالية من اليهود بعد ان يكون آباؤه قد ذبحوهم وطردوهم جميعا وورثوا مدنهم وبلداتهم.

 

جلا عشرات الملايين من اللاجئين عن اماكنهم في الحرب العالمية، واستقروا جميعا واندمجوا في الحياة المدنية في اماكنهم الجديدة، كلهم ما عدا الفلسطينيين. الذين جعلتهم الدول العربية لاجئين الى الأبد لاستعمالهم للتشهير باسرائيل.

 

في عشرينيات القرن الماضي عمل في اوروبا دعائي شيوعي اسمه ويلي مندسنبرغ، وقد عمل على تجنيد الرأي العام الليبرالي ولا سيما المفكرون في الغرب من اجل الاتحاد السوفييتي. وكان ذلك جزءا من آلة الحرب الشيوعية للغرب الديمقراطي. وكتب ستيفن كوتش في كتابه ان هدف مندسنبرغ كان "ان يُحدث الرأي المسبق السياسي المسيطر في ذلك الوقت على الانسان الذي يفكر تفكيرا صحيحا في الغرب غير الشيوعي: وكان الحديث عن اعتقاد ان كل رأي يخدم سياسة الاتحاد السوفييتي الخارجية مصدره الينبوع المقدس لكل شيء انساني نزيه في المجتمع وفي طبيعة الانسان". هل يُذكركم هذا بشيء ما؟.

 

تُظهر المقابلة الصحفية التي أجراها رازي بركاي مع الطيبي عن النكبة الاعتقاد الساذج، وهناك من يقولون الخطير، عند اليسار الاسرائيلي وفحواه انه اذا نشأت فقط دولة فلسطينية فسيهدأ الصراع. لكن الطيبي جعله يقف على خطئه، فهو يريد دولة فلسطينية خالية من اليهود ("لا من اليهود بل من المستوطنين"، صحح قوله. آه)، و"دولة جميع شعوبها" داخل اسرائيل. وبالمناسبة نقول انه توجد في غزة دولة مستنيرة

 

اخرى وتوجد في الاردن دولة فلسطينية اخرى، وهذا باختصار استمرار على اعلان القضاء على اليهود منذ 1948 بطرق اخرى.

 

السيطرة على الوعي

 

ذكرت هذا الاسبوع يوجين مثوين الذي تحدث في كتابه "مُحدثو الاضطرابات" عن تقنيات الهدم الاجتماعي. وقد كتب عن ذلك في السبعينيات من القرن الماضي. يسبب الهدم الاجتماعي من جملة ما يسببه سيطرة على الوعي في المجتمع الديمقراطي. وان انفتاحه خاصة يعرضه لهجوم من قبل حركات شمولية.

 

يتم تغيير الوعي العام بواسطة الاكاديميا ووسائل الاتصال ومنظمات خارج المجالس النيابية تتمتع بمال اجنبي. وليس صدفة ان تذكروا النكبة في جامعة تل ابيب. وقد ذكر يعقوب احيمئير هذا الاسبوع مقالة البروفيسورة زيفا شمير، وهي من أهم الباحثين في الأدب العبري، عما يحدث في أقسام الآداب هناك في جامعات اخرى. فقد أُقصيت الصهيونية وتوابعها منذ زمن وسيطرت بدلا منها لغة ووعي معاديان لاسرائيل ومعاديان للصهيونية. وبرعاية الاكاديميا يشتغل باحثون اسرائيليون بضعضعة أسس اسرائيل اليهودية والصهيونية، واضعاف شعورها بالعدل وضعضعة تاريخها وتقوية رواية أعدائنا. ولا يكاد يوجد اليوم مكان لباحثين صهاينة في أقسام الآداب. وأدرك الصهاينة ايضا الى أين تهب الريح، فلاءموا أنفسهم معها أو سكتوا على الأقل.

 

جعلت منظمات "حقوق الانسان" صبغة اسرائيل اليهودية غاية للتشهير ومركز ذنب "عنصري". وبرعايتهم يأتي الى اسرائيل كل شهر آلاف من مهاجري العمل المسلمين من افريقيا يهددون بتغيير التركيبة السكانية في اسرائيل. وكل من يعارض هذه الظاهرة يعرض نفسه لخطر ان يوصم بوصم "عنصري" و"كاره اجانب" و"معارض لحقوق الانسان". اجل، لكل انسان حق في الحياة أما اليهود فلا.

 

من سيكون المفكرون القادمون؟

 

ماذا نفعل؟ من المهم ألا تسبقنا الظواهر. فينبغي ألا نرد طوال الوقت فقط على مبادرات اليسار والعرب. ومن المهم انشاء مبادرات مضادة تسبق الشر. وأنا أكرر دعوتي الى انشاء بيت اكاديمي للنخبة المفكرة المحافظة (والصهيونية) للجيل القادم. لأنه اذا لم يأت الخلاص من الآداب فلننشيء معاهد بحث تخصنا. ولننشيء في مواجهة "صندوق اسرائيل الجديد" "صندوق اسرائيل قوية". ونقول بالمناسبة انه لا يوجد اليوم في أي معهد بحث محافظ خطة زملاء بحث، أي خطة تستوعب عشرات الباحثين الشباب ممن ليس لهم اليوم بيت في الاكاديميا الاسرائيلية ويمنحهم بيتا علميا واستقرارا اقتصاديا لعلاج القضايا الفكرية والروحية والثقافية التي تهددنا.

 

لا يمكن ان نفكر طوال الوقت فقط في السيطرة على السياسة أو الاستيطان، فهذان هدفان مهمان لكنهما وسيلة لتقوية اسرائيل باعتبارها الدولة الوحيدة للشعب اليهودي. ولا يمكن احراز هذا إلا بتقوية الروح. وأنا اسأل الساسة الكثيرين الذين يجتمعون في الاحزاب الصهيونية المحافظة: هل فكرتم مرة بصورة مثابرة في مدة جيل على الأقل؟ من سيكون بعد ثلاثين سنة مؤرخونا، ومن سيكون أدباؤنا ورجال الثقافة فينا؟ ومن سيكون خبراء القانون؟ لقد سلمنا أهم ميدان لاولئك الذين يضعفون وعينا، وليس التغيير والاصلاح متأخرين الى الآن.

انشر عبر