شريط الأخبار

عباس وفياض يخذلان إضراب المساجين .. منير شفيق

01:17 - 17 تشرين ثاني / مايو 2012


ليس هنالك ما هو أشدّ قسوة على السجين-الأسير-المعتقل من أن يُضربَ عن الطعام إضراباً مفتوحاً حتى الموت ويصل الأمر بالبعض إلى أن يتجاوزوا في إضرابهم الستين يوماً وحتى الخامسة والسبعين يوماً، وذلك من أجل أن تطبّق عليهم القوانين الدولية بخصوص أسرى الحروب، أو مبادئ حقوق الإنسان الواجبة التطبيق على المساجين العاديين، أو تنفذ قوانين السجن المعلنة في ما يتعلق بزيارة الأهل لهم، أو عدم وضعهم في الإنفرادي مدى يتجاوز الخمسة عشر يوماً فكيف حين يتجاوز بضع سنين ويزيد على عشر سنين.

إضراب السجين-الأسير-المعتقل من أجل تطبيق أبسط حقوق السجين عليه يشكل جريمة إنسانية يقترفها السجان بحقه ويشكل سبّة صارخة في وجه السياسيين والأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات الدولية والدول التي تدّعي حرصها على الديمقراطية وحقوق الإنسان.

يجب أن يُضاف الموقف الأميركي-الأوروبي الرسمي من قضية إضراب السجناء الفلسطينيين الحالي في سجون الكيان الصهيوني إلى ذلك السجل الأسود الذي تزعمّه المحافظون الجدد في العشرية الأولى من القرن الحالي ابتداء من سجن "أبو غريب" وانتهاء بسجن "غوانتانامو"، فالغرب أزال آخر الأقنعة الكاذبة في سكوته المشين إزاء إضراب المساجين في فلسطين.

أما أمين عام الأمم المتحدة والمدير العام للصليب الأحمر فقد أثبتا، مرّة أخرى، أن قرارهما بيد وزارتَيْ الخارجية في واشنطن وتل أبيب.

لم يسبق بتاريخ كل من المنظمتين الدوليتين المذكورتين أن عرفتا على رأسهما أسوأ من رأسيهما الحاليين. وهو ما يجب أن يُبرز ويُفضح على مستوى عالمي إذا ما أُريدّ الحفاظ على الدورين اللذين تأسّست كل من المنظمتين الدوليتين: هيئة الأمم المتحدة، والصليب الأحمر الدولي من أجلهما.

إذا كان ثمة كلام كثير يجب أن يقال في نقد المواقف الدولية على المستويين الرسمي وغير الرسمي بسبب الصمت المعيب (أو تصريحات رفع العتب) إزاء إضراب المساجين في فلسطين في سجون الكيان الصهيوني، وإذا كان ثمة كلام أكثر يجب أن يقال بالنسبة إلى ردود الفعل الإسلامية والعربية التي اكتفت بالكلام ولم تأخذ إجراء واحداً بحق أميركا الراعية للكيان الصهيوني، وهي الشريك عملياً بكل ما يفعله، أو إن لم تكن الشريك، فهي الحامي والداعم ومؤّمنة الغطاء، فإن كلاماً أشدّ وأقسى يجب أن يوجّه إلى كل من محمود عباس وسلام فياض اللذين يمتلكان الأوراق التي تستطيع أن تفرض تلبية مطالب المساجين من دون الحاجة إلى أن يمتدّ الإضراب لأكثر من أسبوع أو عشرة أيام. بل حتى بلا حاجة إلى أكثر من التهديد بالإضراب.

أولى هذه الأوراق هي الإستقالة ووقف التعاون الأمني ومن ثم الإمتناع عن الوقوف ضدّ الحراك الشعبي في الضفة الغربية مناصرة لقضية السجناء ومطالبهم.

مشكلة المساجين تبدأ مع محمود عباس وهو يصوغ اتفاق أوسلو من دون إعفاء ياسر عرفات من مسؤولية الإنجرار وراء الخط الذي مثله الوصول إلى هذا الإتفاق اللعين والكارثي بحق الثوابت والحقوق الفلسطينية في كل فلسطين من النهر إلى البحر. هذا الإتفاق أخلّ أيضاً بحق المساجين الفلسطينيين الذين تمّ تجاهل إطلاقهم مقابل كل ما قدّم من تنازلات.

والمشكلة بالنسبة إلى محمود عباس ليست سياسية، كما هو الحال بالنسبة إلى ياسر عرفات في حينه. وقد استعجل توقيع الإتفاق وظن أنه أول الطريق لتحقيق أهداف أخرى، لكنها مشكلة نفسية وذلك بعد أن أخذ موقفاً يصل إلى حدّ القناعة المبدئية ضدّ المقاومة وضدّ كل من يتبنّى المقاومة أو يمارسها فكيف يكون حريصاً على ممارسة المقاومة؟ لذلك فإن قضية المساجين ليست من همومه. وقد زاد الموقف سوءاً بعد أن تسلّم هو وسلام فياض بعد استشهاد ياسر عرفات زمام السلطة في رام الله ووقعا الإتفاق الأمني وراحا يصفيّان فتح ويطاردان المقاومين ويثخنان في معاملتهم ومحاولة القضاء عليهم وأحياناً التواطؤ مع العدو الصهيوني في مطاردتهم أو في الأقل السكوت عن عمليات الإغتيال التي مارسها وما زال يمارسها إزاء عدد من رجال الإنتفاضة والمقاومين.

ولو فتح جهاز "الشاباك" الصهيوني ملفاته لمعاملة المساجين الفلسطينيين في سجون سلطة رام الله، وما تطبّقه الأجهزة الأمنية بحقهم لخرجت فضائح لا تقلّ عن فضائح معاملة الكيان الصهيوني للمساجين الفلسطينيين. ومن هنا ندرك لماذا الموقف المتراخي حتى الهزال الذي اتخذته سلطة رام الله بقيادة عباس-فياض إزاء إضراب المساجين الفلسطينيين كأنه إضراب في هونولولو. بل أن الأمر لا يتوقف عند هذا الجانب فحسب، وإنما يجب فهمه أيضاً، من زاوية الموقف السياسي الذي التزما به وهو ما يسمّوه نبذ العنف أو رفض المقاومة المسلحة وأيّة مقاومة شعبية تصطدم بقوات الإحتلال عدا تلك التي تحدّت ضدّ الجدار ويتظاهر سلام فياض بتأييدها ذراً للرماد في العيون. والدليل مرور دوريات قوات الإحتلال من أمامه في رام الله فيما يقوم من خلال أجهزته الأمنية بحمايتها. وهذه الأجهزة تعرّضت حتى للشباب الذين حاولوا القيام بدعم متواضع لمناصرة إضراب المساجين.

عندما يفكر محمود عباس بالسجناء الذين يحملون المؤبّدّات أو أمضوا السنوات أو اعتقلوا بسبب شكوك بإمكان أن يدعموا المقاومة، لا يستطيع أن يقف، بقوّة، إلى جانبهم في إضرابهم وهو يدين خطهم السياسي ويتبرّأ من مقاومتهم، وقد تعهدّ بمطاردة كل من يسير على نهجهم.

من هنا لم يفكر محمود عباس أو سلام فياض ياستخدام ما لديهما من أوراق لإنجاح إضرتاب المساجين. فالمسألة أولاً مسألة قناعات ومواقف، وهي ثانية مسألة ملفات في مطاردة المقاومين واعتقالهم ومعاملتهم أسوأ معاملة.

كان لبطولة الذين أضربوا وشجاعتهم وتضحياتهم ولموقف أهاليهم الصامد الصابر المصابر، وللدعم الشعبي الواسع غير المحدود، أن يؤدّي إلى اندلاع انتفاضة في مناصرتهم لولا الدور الذي يلعبه كل من محمود عباس وسلام فياض والأجهزة الأمنية السائرة على خطى دايتون...

انشر عبر