شريط الأخبار

على مياه عاصفة -يديعوت

12:58 - 10 كانون أول / مايو 2012


على مياه عاصفة -يديعوت    

بقلم: الداد باك

        (المضمون: النزاع على الجزر في الخليج قد يشعل النار في الشرق الاوسط كله - المصدر).

        في العالم لا يكفون عن الحديث عن امكانية أن تهاجم اسرائيل ايران، ولكن في اتحاد الامارات المخاوف من الحرب تأتي ايضا من اتجاه آخر. عندما زرت اتحاد الامارات قبل نحو ثلاثة أسابيع كان يبدو أن شيئا ما في الاجواء الهادئة بشكل عام للامارات الغنية – قد تغير. بعد ساعات قليلة من وصولي بدأت تتدفق الانباء الاولى عن الزيارة الاستفزازية التي قام بها رئيس ايران احمدي نجاد الى جزيرة صغيرة في قلب الخليج الفارسي التي توجد في قلب الخلاف بين ايران والامارات. جزيرة أبو موسى، مشكوك أن تكونوا سمعتم عنها، تبعد فقط نحو مائة كيلومتر عن القصور الفاخرة لامارة الشارقة، عن ناطحات السحاب اللامعة لابو ظبي والفنادق الفاخرة على شواطيء دبي.

        وسواء كانت الحياة هادئة أم لا، فقد استوعبوا في الامارات فورا رسالة احمدي نجاد. "الازدهار الاقتصادي الذي تراه هنا، المليارات التي تسكب على المشاريع الطموحة، الاستيراد الجماعي للخبراء والعاملين الاجانب – كل هذه هي فقاعات ضخمة يمكنها أن تنفجر دفعة واحدة اذا ما وعندما تقع مواجهة عسكرية اقليمية"، يقدر رجل أعمال محلي. "المواجهة العسكرية الاخيرة للايرانيين، ضد العراق، انتهت قبل 24 سنة. ومنذئذ لم يخضعوا للاختبار. السلاح الذي في أيديهم ليس الاكثر تطورا في العالم، والوضع الداخلي ليس مستقرا، يوجد الكثير من الخصومات داخل النظام، والفرضية العامة هي أن الايرانيين جيدون في الهجمات اللفظية ولكنهم لن يبادروا الى هجوم عسكري. ولكن لا يزال، حدث بالصدفة أو تفكر مغلوط من شأنه أن يؤدي الى وضع يخرج عن نطاق السيطرة، ومن شأنهم أن يلحقوا بنا ضررا جسيما".

        رغم أنه من الصعب الملاحظة في ساحات الامارات اجواء تأهب لحرب قريبة، فقد نجح احمدي نجاد من أن يخرج العديد من المواطنين عن نمط حياتهم الهادىء، الذي يجري بين الفيلل الواسعة، السيارات الفاخرة، المكاتب الحديثة والتجمعات التجارية مكيفة الهواء. ومع أنه لا يمكن الحصول على كل الصحف هنا، والكثير من مواقع الانترنت تغلقها الرقابة، الا ان خطابا سياسيا يقظا يجري في الغرف المغلقة أو في المقاهي العديدة. فيها جميعها ينطلق قلق حقيقي من المستقبل والخطوات غير المتوقعة لنظام آيات الله.

        جزيرة النزاع

        مساحة الجزيرة الصغيرة التي زارها احمدي نجاد تبلغ اكثر بقليل من 10 كيلو متر مربع. وهي كثيفة النباتات، ويسكن فيها نحو 300 نسمة فقط. ولكن رغم حجمها الصغير، فان جزيرة أبو موسى هذه تشكل احد المخاطر الكبرى على السلام في الشرق الاوسط. فهي تقع على مسافة بضع كيلو مترات من مضائق هرمز – البوابة للخليج الفارسي، والتي عبرها يمر 40 في المائة من عموم توريد النفط والغاز الى أرجاء المعمورة.

        وبينما يتعزز طوق العقوبات حول رقبة الايرانيين، والاحاديث عن هجوم اسرائيلي ضد ايران يحوم بلا توقف في الاجواء، تحولت المضائق – بعرض 39 كيلو متر فقط في النقطة الاضيق – الى أداة يستخدمها الايرانيون لاخافة الغرب ولا سيما الولايات المتحدة. في الاشهر الاخيرة أدار الاسطول الايراني سلسلة من المناورات قرب المضائق، بينما جملة كبيرة من كبار المسؤولين الايرانيين يهددون صبح مساء باغلاقها كرد فوري على هجوم اسرائيلي مما سيرفع دفعة واحدة سعر النفط العالمي بعشرات في المائة. الامريكيون من جهتهم لم يبقوا على الحياد واعلنوا المرة تلو الاخرى بانهم لن يسمحوا باغلاق المضائق وردوا على التصريحات بارسال حاملات طائرات وبارجات الى المنطقة القابلة للانفجار.

        وعندما يجري الحديث من كل اتجاه عن حرب عالمية حول المضائق، فان الجزيرة الصغيرة ابو موسى هي ايضا تتحول الى بؤرة احتكاك كفيلة بان تشتعل الى معركة عسكرية شاملة. وفي هذه الاثناء الطرفان المدعيان للسيادة على الجزيرة – ايران من جهة واتحاد الامارات المجاورة في الجانب الاخر من الخليج الفارسي من جهة اخرى – يقيدان نفسيهما بحرب لفظية ودبلوماسية. في الخلفة توجد بالطبع ايضا الولايات المتحدة التي نصبت سرب طائرات متملصة من الطراز الاكثر حداثة، اف 22، في القاعدة الجوية الكبيرة الظافرة في امارة ابو ظبي. قبل اسبوعين قادت على مدى يومين مناورة بحرية – برية  - جوية غير مسبوقة بحجم "قوة حماية شبه الجزيرة العربية"، الحلف العسكري الذي يضم كل امارات الخليج.

        وسميت المناورة "جزر تنفيذ القسم"، واختيار الاسم لم يكن بالصدفة. فقد شكل قولا متجددا بان ابو موسى والجزيرتين المجاورتين لها، الطنب الكبرى والطنب الصغرى، توجد بملكية اتحاد الامارات العربية. وذلك رغم أن الجزر عمليا احتلتها بالقوة ايران قبل 40 سنة، حين أمر الشاه جيشه بوضع اليد عليها، وطهران تدعي بانها تعود لها منذ الازل. وادت الخطوة الهجومية في حينه بحكام الامارات السبعة الغنية  ولكن الفقيرة الى اقامة اتحاد الامارات، والاجواء الساخنة في الزمن الاخير يذكر سكانها بتلك الايام. التهديد الايراني عاد لان يكون ملموسا.

        احمدي نجاد، كما هو معروف، يحب الاستفزازات. فقد قرر اجراء زيارة رسمية، كدية، الى ابو موسى. وقد يبدو هذا معقولا ان يزور الرئيس أرضا تعود الى دولته، غير أن احمدي نجاد هو الرئيس الاول الذي يزور جزيرة النزاع منذ ضمت الى ايران. سلطات الجزيرة نظموا له استقبالا حارا، مع مظاهرة تضامن مع "منفعلة" من السكان والاعراب عن الولاء. وكان مهما للرئيس الايراني أن يعلن بان الخليج الذي تقع فيه الجزر هو الخليج الفارسي "بسبب الثقافة، التاريخ والرأي العام السائد في المنطقة"، واضاف بان "من ينفي ذلك هم الجهلة". وهو يشبه عرب الخليج بعبدة الاصنام الذين سبقوا محمد.

        الحرب اللفظية

        مباديء الاسلام هي جزء من القانون، ولكن مستوى التشدد مختلف من امارة الى امارة. في الشارقة، الامارة الاكثر تزمتا، يحظر بيع الكحول تماما. من ليسوا مسلمين لا يحق لهم دخول المساجد، والنساء يخرجن الى الشارع بكساء شبه تام اسود. وعلى مسافة سفر قصير من هناك يمكن شراء الكحول في محلات ومطاعم دبي. الازمة الاقتصادية غير واضحة بل وغير معروفة هنا. بل العكس: زخم بناء بلا اي توازن مع حجم السكان مستمر في ارجاء الامارات. دبي، التي قبل سنتين فقط وقفت على شفا الافلاس نجحت في الانتعاش بفضل تقديم مساعدة طواريء من ابو ظبي، الغنية والكبيرة بين الامارات. وعلى طول طريق الشاطيء، الذي يربط معظم الامارات، تنشأ جزر اصطناعية، احياء سكنية لامعة، مراكز تجارية اعتبارية، فنادق سبعة نجوم وبالاساس - مساجد.

        الامارات، مثل جارتيها السعودية وقطر، وضعت لنفسها مهمة: تعزيز نشر الاسلام الارثوذكسي – في كل العالم وبالاساس في اوساط ملايين العاملين الاجانب، الذين يستجلبون الى هنا لتشغيل منظومات الخدمات من أجل المحليين. 8.5 مليون نسمة يعيش اليوم في الامارات، وفقط 15 في المائة منهم مواطنون ذوو حقوق كاملة. كل الباقين يعيشون تحت تهديد دائم بالطرد الفوري اذا لم يطيعوا القانون.

        حكام الامارات ردوا بعصبية على الزيارة موضع الخلاف. "توقيت الزيارة مزق اللثام عن وجه ايران واظهر اهدافها الحقيقية"، صرحت حكومة الاتحاد، واطلقت احتجاجا رسميا الى مجلس الامن في الامم المتحدة. السعوديون، الذين قبل سنة فقط انقذوا حكم الاقلية السنية في البحرين بتدخل عسكري سريع، سارعوا الى الوقوف الى جانب الامارات واوضحوا بلغة واضحة بان الاعمال العدائية ضدها ستعتبر كهجوم على السعودية. وأسعد الايرانيين احتدام التصعيد. قائد القوات البحرية للحرس الثوري، الادميرال علي بدوي، اعلن من محطة التلفزيون التي تبث لسكان الخليج بالعربية عن انتشار القوات ومنظومات الصواريخ الهجومية والدفاعية في جزر الخلاف الثلاثة واضاف ان "قواتنا لن تسمح لاي عدو بالتسلل الى جزرنا او الى مجالنا البحري. سيادتنا علينا كسيادتنا على طهران، وزيارة احمدي نجاد الى الجزر هي كالزيارة الى أصفهان.

        "النظام الايراني يحاول اثارة موجة من النزعة القومية الفارسية في ضوء العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية المتشدد"، يقول خبير امريكي يمكث في احيان قريبة في الخليج. "لا ريب أن التهديد بالهجمات من اسرائيل تفعل فعلها ايضا. ولكن التاريخ اثبت بانه لم ينجح اي زعيم او محلل حتى اليوم في توقع الخطوات الايرانية".

        وتطرق المحلل ايضا في هذا السياق الى الجولة الثانية من المحادثات النووية بين ايران والغرب والتي ستبدأ في بغداد بعد اسبوعين. "للقاء بغداد توجد اهمية حرجة. اذا لم تتحقق هناك نتائج عملية، فسيتعزز الموقف الذي يعتقد بان ايران تحاول فقط كسب الوقت. الامارات تنتمي الى محور المتشككين، وهي ستبارك في الغرف المغلقة هجوما اسرائيليا يمس بالمنظومة النووية الايرانية. ولكن بروح الربيع العربي ستكون أول من يشجبه".

        "يوجد اليوم امام الايرانيين سابقتان متعاكستان"، يواصل الخبير. "من جهة كوريا الشمالية اجتازت الحافة النووية وضمنت نفسها من كل هجوم خارجي. من جهة اخرى، معمر القذافي تخلى عن برنامج ليبيا لتطوير سلاح الدمار الشامل وشق الطريق لسقوطه. في نظر الايرانيين كل شيء كان مخططا له: بداية فرض الغرب على القذافي التخلي عن السلاح، وبعدها طرده من كرسيه. ولكن الحكم في ايران مع ذلك ليس موحدا مثل النظام في كوريا الشمالية. فكلما جبي من الايرانيين ثمن أعلى، ستتعزز القوى المعتدلة وستكون مستعدة لتقديم التنازلات مقابل الاعتراف بهيمنتهم في الخليج".

        مهما يكن من امر ايران في هذه الاثناء لا تتراجع وتفعل كل شيء لتوسيع هيمنتها في كل الشرق الاوسط. "السياسة الايرانية واضحة جدا"، يقول مسؤول كبير في اتحاد الامارات. طهران توسع سيطرتها في العراق، الذي اصبح دمية ايرانية ويخدم المصالح الايرانية خلافا لارادة السكان. ايران تحاول الان فرض ارادتها أيضا في سوريا ولبنان، تمارس الارهاب ضد جيرانها، تشجع مشاعر الانتماء الديني في أوساط الاقلية الشيعة الذين يعيشون في اوساطنا وتتحدى القانون الدولي. ليس للنظام في طهران ما يخسره في لعبة الاعصاب هذه. واذا ما هوجم، فانه سينجح في أن يحيط نفسخ بغلاف من الولاء القومي. واذا لم يهاجم، فانه سيخرج معززا وسيكتسب لنفسه المزيد من الهواء للتنفس.

انشر عبر