شريط الأخبار

الأسرى و"وعي الضرورة"../ علي جرادات

04:55 - 09 تموز / مايو 2012

مشحونين بفظاعة ما يرتكب بحقهم وبحق شعبهم من استباحة هي إلى ممارسة التطهير العرقي أقرب، وبالممارسات الفاشية أشبه، انتفض الأسرى الفلسطينيون وقرروا منذ 17 نيسان الماضي خوضَ معركة جديدة من معارك الإضراب المفتوح عن الطعام، ملبين بذلك استحقاق مرابطتهم على المتراس الأول والمباشر للمواجهة مع عدو صار معلوماً للقاصي والداني أنه لا يتنازل إلا مجبراً.

هنا، وبهذا، يبرهن الأسرى الفلسطينيون مرة أخرى، بالفعل قبل القول، على أنهم، (بعد الشهداء)، طلائع مسيرة الحرية الفلسطينية، جرياً على قوْلِ أديب الحرية الفلسطيني، كنفاني، "اقرع جدران الخزان" و"لا تمت قبل أن تكون نداً".

وأكثر، فإن الأسرى الفلسطينيين بخطوتهم النضالية الجديدة يثبتون مجدداً أنهم ليسوا طلائع أحرار شعبهم فقط، بل، وأنهم أيضاً أمثولة لأحرار العالم في صُنْعِ الحرية، ("وعي الضرورة")، وتجسيدها، جرياً على نشيد شاعر الحرية الفلسطيني، درويش، "حاصر حصارك لا مفر"، "حاصر حصارك فأنت اليوم حرُّ"، فهم باستطالة معاناتهم وهولها، وجسامة تضحياتهم، وعظَمِ بطولتهم، إنما هم أحرار استثنائيون بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بحسبان أنهم صانعو حرية، وليسوا متحدثين عنها في الصالونات أو ناطقين باسمها من على شاشات الفضائيات، ذلك على الرغم من أنهم، (بل بسبب أنهم)، المقيدون، وفي ضيق حياة السجن ما انفكوا لسنوات وعقود يعيشون، ما يجعلهم في حالة مواجهة يومية مع ضيق حيز المكان والغرفة والزنزانة وساحة النزهة اليومية و"البُرْش"؛ ومع ضيقِ الإطلال على رحابة عالم ما وراء السجن؛ ومع ضيقِ المملوك من الإمكانيات وشُحِّها؛ ومع ضيقِ عقلِ حُرَّاس السجن وإدارته وضباط أمنه؛ ومع ضيقِ فتحات "شبك" زيارة الأهل؛ ومع ضيقِ ما يملكون من عوامل القوة الفيزيائية؛ ومع ....الخ من معاني ضيق حياة السجن وترجماتها الملموسة التي تفرض فرادى ومجتمعة استنفار السجين لكل ما لديه من عوامل القوة المعنوية والأخلاقية وتجلياتها المتعددة الأشكال، سواء في الإضراب المفتوح أو الجزئي عن الطعام، أو في الامتناع عن زيارة الأهل والمحامين والخروج إلى ساحة النزهة اليومية وتناول الدواء، أو....الخ من أشكال النضال السلمي التي ما انفك أسرى حرية فلسطين وشعبها على مدار عقود يخوضون غمارها، بل، وما انفكوا لأشكال جديدة منها يبتكرون، فاضحين بذلك ليس فقط زيف ما يدعيه عدوهم من "ديمقراطية وحيدة" في المنطقة، بل، وأيضاً زيف ما يدعيه رعاة هذا العدو، (وأولاهم الولايات المتحدة)، من احتكار لنظام الديمقراطية والدفاع عن حرية الشعوب وحقوق الإنسان، فأين هم هؤلاء المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين لم يحركوا ساكناً إزاء ما تعرض له أزيد من ثلاثة أرباع مليون أسير فلسطيني على مدار ثلاثة عقود ونيِّف، من إجراءات التنكيل والقمعٍ، هي بممارسات الأنظمة الفاشية أشبه، وإلى ممارسات أنظمة استبداد القرون الوسطى أقرب، واليوم تجدهم صامتين، بل وربما فرحين، إزاء ما يتعرض له آلاف من الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام من مجزرة هي بجرائم الحرب الموصوفة أشبه.

واستطراداً، أين هم أولاء "الآباء الجدد" للديمقراطية العربية في إمارات وممالك وسلطنات الخليج العربي، مما يرتكب بحق شباب وشابات فلسطين من فظاعات في سجون الاحتلال، ولماذا لم يسارعوا بالدعوة إلى تشكيل لجنة "أصدقاء الشعب الفلسطيني"، أو لجنة "أصدقاء الأسير الفلسطيني"، (مثلاً)، على غرار ما فعلوا بقرار أمريكي للشعبين الليبي والسوري؟ ثم أين هي تلك "المعارضات" السياسية العربية التي قطفت ثمار انتفاضات شعبية عربية أشعلت شراراتها حركات شبابية ناهضة، ولماذا لم تدع هذه "المعارضات" شارع بلدانها للتحرك نصرة لأسرى حرية فلسطين وشعبها، أم أن الطمع في الدعم الأمريكي يسقط اعتبار فلسطين "قضية العرب الأولى"، ولماذا "تغرش" هذه "المعارضات" ذات النفوذ الشعبي الواسع على اختزال الدعم الرسمي العربي لأسرى فلسطين في دعوة مجلس جامعة الدول العربية، على مستوى المندوبين الدائمين لجلسة، تمخضت عن "فأر" النية برفع قضيتهم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى مجلس حقوق الإنسان التابع لها، ذلك حتى من دون تحديد متى، فيما يعلم مجلس جامعة الدول العربية، (ومن "يغرش" على تدني سقف تعاطيه مع قضية الأسرى الفلسطينيين)، أن جلسته تأخرت كثيراً، إذ هل يعقل أن تأتي بعد دخول إضراب هؤلاء الأسرى أسبوعه الرابع، بل، وبعد أن باتت حياة الأسيران البطلان، ثائر حلاحلة وبلال ثابت، معلقة فعلا بخيط رفيع، حيث مضى 70 يوماً ويزيد على إضرابهما عن الطعام؟!

على أية حال، قرار الأسرى خوض هذه المعركة الجديدة، لم يكن ليكون لولا وعيهم لحقيقة أن شعبهم المكافح لن يخذلهم، فمن عزيمته استمدوا، ولا يزالون، قوتهم، وبه، (قبل وأكثر من غيره)، يثقون، ولدروس مسيرتهم النضالية المديدة داخل السجون يستلهمون، وبإرادة صلبة لا تلين، وبـ"أمعاء خاوية" ثبت جدوى توسدها سلاحاً، يتمنطقون، مع وعيهم الكامل بكل ما ينطوي عليه ذلك من خطر على حياتهم، خطر يزيد احتمال حدوثه صلف حكومة إسرائيلية تديرها أكثر الأحزاب الصهيونية عنصرية وفاشية، أنبأ تسلمها للحكم في إسرائيل بقيادة نتنياهو قبل ثلاث سنوات، بدخول الشعب الفلسطيني في طور نوعي من المواجهة، ها هم الأسرى، رمز حرية هذا الشعب، وأكثر صفحات سفر نضاله الوطني المديد إشراقاً، يخوضون غمار واحدة من حلقاتها المفروضة، التي أبداً لا ينفع التصدي لاستحقاقاتها عموماً، وفي ساحات السجن خصوصاً، سوى الذهاب إلى أبعد مدى ممكن من توحيد البرنامج والجهد والإمكانيات، وهذا ما فعله الأسرى، حيث حددوا بالتوافق مطالب إضرابهم وقيادته، التي على الجميع، داخل السجون وخارجها، الانضباط لقراراتها، وتكتيكات إدارتها لهذه المعركة الجديدة والفاصلة من معارك "نعم لآلام الجوع....ولا لآلام الركوع"، بل من معارك ممارسة الحرية، ("وعي الضرورة")، التي لا تكون إلا بنشيد "حاصر حصارك لا مفر"، "حاصر حصارك فأنت اليوم حر".

انشر عبر