شريط الأخبار

يا ناشر الموت ..علي عقلة عرسان

03:14 - 20 تموز / أبريل 2012

الطبيعة من حولي تخرج من دوائر فتك الصقيع بأحيائها إلى دفء نيسان المنعش لكل أشكال الحياة فيها، حيث تتحرك الكائنات بحيوية، وتتفتح البراعم مثل نفس تخرج من ظلامها الداخلي المقيت إلى زهو فضاء الفرح ومجالات النور.. والشجر المسربل بالسواد يتلفع بالخضرة، والعشب الذي حرقه البرد والثلج يتزمرد ويجعل الأرض تبتسم وهي حبلى بالوعود، والورد الملون الرقيق الحواشي يتنفس في نور الشمس الخارجة من مساحات غيوم الشتاء الكثيفة.. الحياة تعود بثوب جديد ورؤى متجددة.. فهل ما يفعله الربيع الإلهي في الطبيعة يمكن أن يفعله "الربيع العربي" بالشعوب والدول والمجتمعات في أقطارنا الغارقة في الفوضى والدم والانفعال والأزمات؟!

المقدمات عندي لا توحي بنتائج من هذا النوع، والمتفائلون الذين كانوا يرشون الورد فوق الدماء أخذ كثير منهم يرش الدماء فوق الورد، ويبدو أننا في بعض الأقطار العربية دخلنا الربيع على أسنة الرماح ولن نخرج منه إلأ بالصواريخ إلى المقابر، فمن يحفر آبار الحقد ويعمقها في النفوس يفقأ الحنظل في الأعين، ولا يرى ربيع الأنفس المورق بالمحبة والثقة والأمل، وتأخذه حماسته لذاته ونهجه ولما يرى إلى حيث لا يرى حقاً لغيره من الناس في الحياة ولا في التفكير والتدبير، وربما رأى ألا شأن لهم في أن يروا أصلاً.. أنا ومن بعدي الطوفان، هذا هو حادي الأنفس في صحراء تسمى الربيع العربي الذي تخللته واحات من الأمل ما زالت تسابق مناقع الدم وعواصف الرمل ولكنها واحات تضيق.

في الأقطار العربية التي دخلت أو أدخلت فصل الربيع ذاك منذ شتاء عام 2011 وحتى الآن مخاضٌ عسيرٌ، ونوافذ نحو مجاهيل يطل منها بين آن وآخر طائر الفرح حاملاً غصن زيتون، يُتَرغِل هناك عند النافذة المضيئة " سعيداً باستعادته العافية والجرأة ، يقول: " وقفنا في وجه الظلم والطغيان ورفعنا أصواتنا بالتغيير".. ولكنه لا يلبث أن ينزلق عن حافة النافذة تحت ضغط سطل من ماء ملوث يندلق عليه من أعلاه.. فيغرق أو يكاد، ويشهق ولا يلحق، ويلبث في منخفض من الأرض ينفض ريشه ليستعيد صلة بالحياة.

في مساحات مما يفترض أنه الربيع.. صحارى أو بادية تنذر بعواصف، ومن يبني هناك آمالاً على مهمة المبعوث الأممي ينفخ في أذنه النافخون بأن نجاح تلك المهمة ـ الفرصة لا يتعدى 3%  ويقوم ذلك النافخ في النار بجهد يعبر عن طموحه ورغبته في إفشال المهمة ـ الفرصة وفي رؤيتها تنكفئ ليحل محلها حرب الأخوة المسلحين بالحقد والنار!؟ ومن  يحرص على نجاح المهمة ـ الفرصة يبذل كل طاقته ليظهر حريصاً على ذلك، أو ليرى الآخرون أنه خريص عليه، بينما في ينش من تلج الرؤية أقوال فيها، من ذلك أنها:"إحجام في صورة القبول ورفض في معرض الموافقة"؟!.. والكل يدخل في دوامة التشاؤل من جهة وفي العراك الدامي من تحت الطاولة ومن فوقها.. والمحاور القوية الحاكمة لبعض ذلك أو له كله، والقادرة على التأثير والحسم باتجاه محدد تتداخل في شبكة مصالح واستراتيجيات تمتد من الغاز والنفط إلى النفوذ والهيمنة وحماية الكيان الصهيوني، وفرض اعتراف عربي وإسلامي به، وتطبيع للعلاقات معه، وحماية أمنه بوصف ذلك مفتاح أمن المنطقة على ما يقولون؟!.. الخاسرون في هذا  الصراع هم نحن: العروبة والإسلام، العرب والمسلمون،  والقضايا المصيرية للأمة العربية، والشرفاء المنتمون لأرض وتاريخ وقضية وهوية ومبدأ ودين حنيف بقيمه السامية وتسامحه التاريخي.

في هذا المدى السياسي والاجتماعي.. الأننفس ممتلئة بكل أنواع الإفرازات البشرية، والمخططات الكبرى للدول الكبرى متضادة أحياناً ومتقاطعة أحياناً أخرى.. وكل من محاور الأزمة يعزف على الأوتار التي تهمه.. وفي هذا المدى الشائك الشائه لا يمكن أن نطلب من الآخر أن يحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا، ولا يمكن أن نفلح في جعل من امتهنوا التحرك الضار من العرب وغيرهم في أسواق "الربيع العربي"، من دول ومؤسسات عربية ودولية وأشخاص على مستويات من النفوذ والتكوين الثقافي والسياسي أن يلجأ كل منهم إلى الموضوعية والأخلاق والحرص على الحق والعدل وهم يغرقون في سوق السياسة الملوث وسوق الإعلام الذي يستغرق في الكذب والاستزلام السياسي المؤدي إليه والراغب فيه، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا أعمم في هذا المجال فهناك من يناضلون من أجل بعض الحقيقة وهم ممن "رحم ربك، وهم قليل" يخوضون معركة الوصول إلى الناس في غابة يتعالى فيها الصراح ويكثر الاحتطاب بليل، وفي سوق تطرد فيه العملة الرديئة العملةَ الحسنة وقد تغتالها بصمت وفجور.

في هذا الخضم يضعنا الذين لا مصلحة لهم في وفاقنا واتفاقنا وسلمنا الأهلي واسستقرارنا في أرضنا وسيرنا في تقدمنا السلحفائي، وفي هذا السياق ذاته يضعنا قصار النظر من قادة وساسة ومثقفين ووعاظ، وفيما هو أخطر منه يضعنا الملوِّحون بسيف الفتنة الطائفية ومن يعملون ليل نهار على سن سيوف ورماح لحرب بين الأخوة لا تبقي ولا تذر، في معركة مراميها أبعد من دمشق، وإن كانت دمشق حلقتها الرئيسة الآن ومفصلها الفاصل.. حيث يتحدث البعض عن معركة تتصل بكسر حلقة محور شيعي يُراد له أن يمتد من طهران إلى بيروت أو جنوب لبنان، عبر بغداد ودمشق في مقابل محور سني يمتد من أنقرة إلى القاهرة عبر دمشق والرياض.. وتلك لا سمح الله تجدد ما في التاريخ والأنفس من حربي "الجمل" و" صفين" وما نبت على جذوهما.. ولكن بتداخل سياسي عصري، ومحاور دولية فاعلة وطامعة بأكثر وأشمل وأعمق مما يترآى لكثيرين منا الآن وهو في خضم حماسة منذرة بالمكاره وغياب الحكمة.. والخاسر في هذه المواجهات ـ الحروب: هم العرب والمسلمون، والكاسبون هم  الصهاينة والأميركيون والغربيون اللذين نجحوا في تحويل الصراع بينهم وبين إيران ومحاور أخرى إلى حرب بين العرب والعرب، وبين المسلمين والمسلمين.

بلاد الشام أرض المعركة الحاسمة اليوم، وبلاد الشام تخسر الكثير، وقلب بلاد الشام " سورية " يُحاط بكل أنواع الاحتمالات، ولم ينفرج بعد الأفق عن مرجِّحات ىيطمئن إليها المرء في المهمة ـ الفرصة، أو في نضج العقل والضمير المسؤولين في هذه الأمور والأوقات.

ما زال العنف يجول بأذرعه في ربوع الشام، وما زال من يحرك الأذرع العنيفة ويبطش.. سواء بدافع الهجوم أو بذرايع الدفاع، ولكن الهجوم والدفاع هما في داخل الكيان ذاته، وضد الكيان ذاته.. والآخر القريب والبعيد يتفرج أو يتوسط أو يحرِّض ويحشد.. أو.. أو.. "فحين تقع البقرة تكثر سكاكينها".

لقد بشمنا من الدم والقتل والتدمير والتخريب والفوضى والإرهاب والعذاب والمعاناة المرة بأشكالها، وآن لنا أن نتحرك بكل قوانا الخيرة نحو التفاهم والتعاون والأمن والإصلاح والتغيير وكل ذاك الذي يرفع مصلحة البلاد والعباد فوق مصالح الفئات والأحزاب والأفراد.. وآن لنا أن نقول لكل من يرفع السلاح على أخيه في الوطن ورفيقه السلاح: "كفى.. كفى.. فقد انتشر في البلاد وباء القتل والحقد والعنف، وفشت في الناس أخلاق ليست هي الأخلاق، وأخذت الاستعانة بالخارج على الداخل وبالقريب على القريب والجار على الجار.. تحل محل المواطنة وقيمها والأخوة وشيمها والعقيدة السمحاء وأحكامها.. وانتشرت في مساحات من الوطن الحبيب أفعال لا يمكن ألا أن تكون من شوائب الدهر التي إن لم تتوقف عند حد، ولم تُحصر لتبقى بلا مد، فإن عواقبها على الجميع وخيمة وعلى الوطن كارثية، وما تنذر به من شر قد يمتد ويمتد فتكون نتائجه أوخم في العواقب والمصائر من المحتمل والمتخيل.. فيا واضع السيف على رقبة أخيك ارم السيف واحفظ أخاك، فهو ضلعك الذي يسند ضلعك الآخر عندما تأتي معركتكما الحاسمة مع عدوكما المشترك، عدو الوطن والأمة الدين.. ويا ناشر الموت في أرض الشآم كفى.. وكف عن نشر ما يفنيك ويفني ولدك وولد أخيك والوطن الذي تفديه ويفديك.. يا ناشر الموت في أرض الشآم كفى.. فقد..

عَامت فقاقيعُ دهرٍ شابَه الوشبُ // وغابَ عن أرضنا الأحبابُ والطرَبُ

وصار كلُّ ما فينا مواجعنا   //    وراح شعبي على الأطلال ينتحبُ

وضاقت الأرض بالشكوى ومَن قُتلوا  والقاتلين، وسيلِ الدَّمِ ينسربُ

في كل شِعبٍ نجيعٌ من أشاجِعنا  //  في كلِّ قلبٍ حِرابٌ، والمدى خربُ 

يا ناشرَ الموت في أرض الشآم كفى / شُلَّت يمينُك، لن يُقضى لكم أرَبُ

الشآم خصبٌ، مواعيدٌ، وأفئدةٌ   //  نبعُ الحياة بها والمجدُ والنسبُ

والشام أرض الكفاءات التي شمخت // تغوى العقولُ ويبقى عقلُها الأرِبُ

إن الشآم ربيعٌ غير ذي دِمَنٍ     //     يفنى الأنامُ ويبقى أهلُها العرَبُ

يا ناشرَ الموت في أرض الشآم كفى/  شُلَّت يمينُك، لن يُقضى لكم أرَب

   

انشر عبر