شريط الأخبار

الرسائل الفلسطينية.. من يكتب نصوصها؟.. هاني المصري

10:26 - 17 كانون أول / أبريل 2012


فكرّتُ مليًّا ما الفائدة أو الفوائد من إرسال رسالةٍ من الرئيس محمود عباس إلى بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال؛ يشرحُ له فيها عن مسيرة المفاوضات والتنكّر الإسرائيليّ لكل الالتزامات والاتفاقات، إلى أن وصلنا إلى ما نحن فيه من «سلطة بلا سلطة»؟ أو ليسأله ما العمل، لأن السؤال للجاني يمكن أن يُفّسَّرَ رجاءً ويؤدي إلى نتائجَ عكسيّةٍ.
ما الفائدة من ترديد المطالب الفلسطينيّة الأربعة لاستئناف المفاوضات، التي يعرف القاصي والداني أنّ الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة ليست بوارد الاستجابة لأيِّ واحد منها؟
وبعد التفكير، لم أجد سوى تقطيع الوقت. وتقطيع الوقت يمكن أن يكون مفيدًا إذا كان جزءًا من تصوّر أو استراتيجيّة تحدد الأهداف، وكيف يمكن الوصول إليها؟ وتستخدم الرسالة وأشكال التحرك السياسيّ المختلفة كمناوراتٍ لكسب الوقت؛ حتى يتم الاستعداد للمواجهة. أما إذا كان تقطيع الوقت انعكاسًا لسياسة انتظاريّة فلن يجلب سوى الضّرر.
الرسالة لن تحرجَ أو تَحشُرَ حكومة نتنياهو، ولن تكشفَ المكشوف إذا لم يسبقها أو يلحقها قرارتٌ تؤكد وجود إرادة فلسطينيّة باختيار بدائلَ عن خيار المفاوضات الثنائيّة العقيمة. فبعد مسيرة طويلة من التفاوض مع الحكومات الإسرائيليّة منذ مؤتمر مدريد عام 1991، مرورًا بمفاوضات واشنطن، ثم توقيع اتفاق أوسلو وملحقاته، ثم قمة كامب ديفيد، ومباحثات طابا، وخارطة الطريق، وقمة أنابوليس، والمفاوضات مع حكومة أولمرت، ثم المفاوضات مع حكومة نتنياهو، التي شهدت لقاء قمة في أيلول 2009، ومفاوضات مباشرة في أيلول 2010، ومفاوضات تقريبيّة، ثم استكشافيّة؛ بيّنت للقاصي والداني أنّ إسرائيل لا تريد السلام، بل فرض الشروط والإملاءات على الفلسطينيين، وأنّ الحكومة الحاليّة تريد إعادة المفاوضات إلى نقطة الصفر، حيث طرحت شروطًا تعجيزيّة أكثر من أيّ حكومة سابقة، والأهم أنها فعلت كل ما تستطيع للاستيلاء على الأرض وفرض حقائق احتلاليّة استعماريّة استيطانيّة عنصريّة، خصوصًا في القدس؛ تجعل السلام مستحيلاً، وتجعل القبول بالأمر الواقع الاحتلالي، وهذا مستحيل، أو مقاومته هي الخيار الوحيد.
وعندما نعرف أنّ الرسالة تم تعديلها 5-10 مرات، وفقًا لمصادر متعددة بعد تدخل الرئيس الأميركي ووزيرة خارجيته وأطراف عربيّة ودوليّة؛ حتى لا تؤدي إلى تأزم الموقف أكثر مما هو متأزم، وبعد حذف كل ما يمكن أن يشير إلى تهديد أو إنذار أو تفكير بحل السلطة أو سحب الاعتراف بإسرائيل، أصبحت الإدارة الأميركيّة، كما صرح وزير الخارجيّة رياض المالكي، تؤيد الرسالة بعد أن كانت تعارضها، وأبدى نتنياهو استعداده لاستقبال وفد فلسطيني رفيع لاستلام الرسالة، وبدأت مسيرة أخرى للمفاوضات يمكن تسميتها «مفاوضات الرسائل».
فهناك لقاء أو أكثر عقده صائب عريقات مع إسحاق مولخو تمهيدًا لتسليم الرسالة، وهناك لقاء واحد سيعقد بعد تسليمها بين إسحاق مولخو والرئيس لتسليمه رد نتنياهو، وتتحدث صحيفة إسرائيليّة (وسط نفيٍ فلسطينيّ) عن لقاء بين عباس ونتنياهو خلال الأيام القادمة. وصرح الرئيس أنه سينتظر بعد تسليم الرسالة مدة أسبوعين للحصول على رد نتنياهو، وإذا لم يكن إيجابيًّا سينتظر مقترحات أميركيّة لاستئناف المفاوضات (المالكي قال إنها ستتعلق ببناء الثقة)، وبعد ذلك ستعقد القيادة الفلسطينيّة اجتماعًا لتحديد الخيارات.
وبما أن حل السلطة وسحب الاعتراف بإسرائيل ووقف التنسيق الأمنيّ ليست من ضمن الخيارات، كما صرح الرئيس، فإن الخيار الذي سيُبحث لاحقًا هو التوجه مجددًا إلى الأمم المتحدة، وتقديم طلب للحصول على «العضويّة المراقبة» لدولة فلسطين في الجمعيّة العامة، وهذا الأمر كان متاحًا منذ البداية، ولم يتم الأخذ به، وفضّلت القيادة بدلًا عنه تقديم طلب إلى مجلس الأمن للحصول على العضويّة الكاملة، وبقيت على باب مجلس الأمن، فلم تطلب عرضه على التصويت خشيةً من عدم حصوله المتوقع على الأصوات التسعة المطلوبة، ولم تقدم طلبًا للجمعيّة العامة.
المصادر الفلسطينيّة أكدت أنّ الإدارة الأميركيّة طلبت من القيادة الفلسطينيّة بعدم اتخاذ أي خطوة في الأمم المتحدة، على الأقل، قبل الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة التي ستعقد في تشرين الثاني القادم، وهناك من يصدّق الوعود الأميركيّة مرة أخرى بالرغم من أنها هذه المرة مكشوفة.
بعد استحقاق أيلول الماضي الذي اعتبر سقفًا نهائيًّا تم وضع سقف جديد 26 كانون الثاني 2012 كموعد نهائيّ لاعتماد الخيارات الفلسطينيّة الجديدة، ثم جاءت الرسالة لتؤجل الحسم، ما يشير إلى استمرار حالة التيه والضياع الفلسطينيّ الناجمة عن وصول المفاوضات إلى طريق مسدود دون توفير القناعة العميقة والإرادة الكافية لاعتماد خيارات جديدة.
في هذا السياق، نستطيع أن نفسّر لماذا اكتفت القيادة الفلسطينيّة بالتلويح باستخدام الخيارات؟ إذا مشت خطوة إلى الأمام فيها، مثل التوجه إلى الأمم المتحدة، أو توقيع اتفاق المصالحة، أو المقاومة الشعبيّة تعود القهقرى إلى الوراء خشيةً من العواقب.
فإذا كانت القيادة الفلسطينيّة تخشى من عواقب الخيارات الأخرى، التي ظهرت من خلال وقف المساعدات الأميركيّة، وتحويل العائدات الجمركيّة الفلسطينيّة، والتهديد بالمقاطعة والحصار، وإغلاق مكتب المنظمة في واشنطن، وتعتقد أنّ الوضع الحاليّ الانتظاريّ أهون الشرور، فعليها أن تصارح شعبها، فلا ينفع البقاء في هذه الحالة التي نفاوض فيها أحيانًا، ونهدد بتسليم مفاتيح السلطة إلى الاحتلال أحيانًا أخرى، وبالمصالحة والمقاومة الشعبيّة أحيانًا ثالثة؛ لأن استمرارها لا يمكن أن يقود إلا إلى المزيد من الضياع للأرض والقضيّة والإنسان.
إذا كنا بعد كل هذه الفترة لا نعرف ماذا نفعل فعلينا السلام، فالمطلوب معروف تمامًا، وهو: وحدة وطنيّة على أساس شراكة وبرنامج وطنيّ يجسّد القواسمَ المشتركة، وتدعيم الصمود والمقاومة للاحتلال حتى يخسر أكثر مما يربح، وإعادة تشكيل المنظمة بحيث تضم الجميع، وإعادة النظر في شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها والاستعداد لانهيارها أو حلها إذا لم ينفع ذلك، واستعادة البعد العربي للقضيّة الفلسطينيّة الذي أصبح متاحًا على المدى المتوسط بعد الثورات العربيّة بالرغم من الانشغال العربي بما يجري، واللجوء إلى الأمم المتحدة والاستناد إلى القانون الدلوي كإستراتيجية وليس كتكتيك، وتعزيز وتوسيع حركة المقاطعة لإسرائيل ورفض التطبيع معها، وتطوير حركة التضامن مع القضيّة الفلسطينيّة التي بقيت حيّة رغم كل شيء، كما تدل حملات التضامن القابلة للاتساع مع غزة والقدس وضد الاستيطان والجدار، والحملة الأخيرة «أهلًا بكم في فلسطين» التي أظهرت حجم التضامن مع الفلسطينيين من جهة، كما أظهرت حجم التواطؤ الدوليّ مع إسرائيل.
إن دبلوماسيّة الرسائل قادت إلى شيء واحد هو تقطيع الوقت، وأنّ الرسالة بمضمونها وشكل تقديمها والاجتماعات التي سبقتها والتي ستلحقها دليل آخر على أنّ الحبل السري الذي يربط القيادة الفلسطينيّة بخيار المفاوضات لم يُقْطع بعد، ودليل جديد على عدم إيمانها بوجود خيارات بديلة.
وما دام الأمر كذلك، فلا مجال ولا طريق سوى الوهم وانتظار تغيير المعطيات، عبر انتخابات إسرائيليّة تغير الائتلاف الحاكم في إسرائيل، على الرغم من أن كل المؤشرات والمعطيات والاستطلاعات تدل على أنّ الانتخابات القادمة ستعيد نتنياهو بائتلاف حكومي أكثر تطرفًا، أو انتظار إعادة انتخاب باراك أوباما لعله يكون في فترة رئاسته الثانية متحررًا من ضغوط اللوبي الصهيونيّ والجماعات المؤيّدة لإسرائيل، وهذا الرهان سار وراءه الفلسطينيون والعرب طويلًا، طوال العقود الماضية ولم يحصدوا سوى الخيبة.
لا يمكن انتظار تغيير الموقف الأميركيّ من تلقاء ذاته، بل يجب أن يصبح العامل الفلسطيني أولًا فاعلًا موحدًا، ويستند إلى عامل عربيّ فاعل يجمع ويستخدم أوراق القوة والضغط حتى تشعر الولايات المتحدة الأميركيّة أنّ دعمها المطلق لإسرائيل أصبح عبئًا عليها ومكلفًا لها.

انشر عبر