شريط الأخبار

ما الذي نسيناه في قضية غراس- هآرتس

11:18 - 16 تشرين أول / أبريل 2012

بقلم: اسحق ليئور

(المضمون: ان خشية الأديب الالماني غراس على الشعب الايراني اذا هاجمت اسرائيل ايران لها ما يسوغها، مما فعلته اسرائيل في حروب سبقت بشعوب الشرق الاوسط – المصدر).

ان الشخص الذي كان يرمز أكثر من كل واحد آخر في المانيا الغربية الى "المانيا المختلفة"، والذي كان الضمير الالماني طوال حياته الأدبية، أخرج المؤسسة الاسرائيلية وأصحاب الردود الصغار والعنيفين، أخرجهم عن طورهم. ولا صلة بين خدمة غنتر غراس في الـ اس.اس حينما كان في الثامنة عشرة من عمره وبين موقفه. يحتاج الى الكثير من الوقاحة وربما الى الجهل ايضا لاعتقاد ان الالمان لا يعلمون مبلغ كثرة الاوغاد النازيين الذين تلهت اسرائيل معهم بشرط ان يؤيدوا قيادتها.

        ان غراس قلق مثل ناس كثيرين في العالم، فالزوجان نتنياهو واهود باراك لا يسيطران على طائرة ما فيها خمسة مخطوفين وتلتقط لهما الصور بين الفينة والاخرى احتفاءا بالحادثة بل ان العابهما أخطر وهما يطلبان الى العالم كما يفعل مختطفوا طائرة قائلين: سنكون القوة الذرية الوحيدة في الشرق الاوسط! وماذا عن اقتصادكم؟ لا نفكر فيه. نحن نستولي على الشرق الاوسط مثل مقاولي حراسة وأغلقوا أنتم أفواهكم! هذا هو كلام المؤسسة الاسرائيلية تقريبا حتى لو كان مزينا بزينة المحرقة، لأنه لا يوجد من يبتذل المحرقة أكثر من الساسة الاسرائيليين.

        ان من يعيش في بيئة بعيدة عن الاعلام الاسرائيلي قد يعتقد ان الطلب الاسرائيلي مريب شيئا ما اذا تغاضينا عن اسلوبه الميلودرامي. صحيح ان محمود احمدي نجاد يتلهى بحديثه عن "محو اسرائيل" لكن أكانت اسرائيل توافق على ان تطور مصر سلاحا ذريا أو ربما تركيا أو السعودية.

        يكفي ان نتذكر الجلبة التي أحدثتها اسرائيل بشأن بيع السعودية طائرات ايواكس كي ندرك ماذا كان يحدث في هذه الحالة حتى من غير "التهديد بالمحو". أوكان غراس أول من زعم ان الاصرار الاسرائيلي على تأبيد الاحتلال سيفضي الى صراع واسع عنيف يعرض استقرار المنطقة وسلامها للخطر؟ ألا يزعمون هذا منذ سنين هنا وفي الخارج من غير الذعر الانفعالي الذي انفجر هنا.

        ليست المشكلة الرئيسة في قضية غراس هي الابتزاز الاسرائيلي لكل الماني ولا المعاملة الفظة لأديب شارك في ثقافتنا – اجل، بكتبه المترجمة – بل عدم قدرة الاسرائيليين على فهم حقيقة دولة اسرائيل خارج صورتها في اعلامنا. وبخلاف الذاكرة المطورة للاسرائيليين في كل ما يتعلق بعمليات البطولة التي يحب الصحفيون الهيام بها، يوجد نسيان كامل لمقدار الفظائع التي جلبتها اسرائيل في كل مجابهة عسكرية مع دولة من الشرق الاوسط. وحينما يقلق غراس على الشعب الايراني ويهيجون في اسرائيل لا ينبع هذا الهياج من حالة رياء فقط برغم ان المرائين هم المنشدون الأكثر طبيعية في جوقة البكاء الوطني.

        يجب ان نُذكر بما فعلته اسرائيل في مدن القناة وقصف العمق المصري زمن حرب الاستنزاف – كان هناك آلاف المواطنين القتلى والمعاقين، واولاد في مدرسة قصفت كلها، وعمال في مصنع ضخم تم القضاء عليه بوقف الغداء. أو مثلا في بيروت في حرب لبنان الاولى، فقد قصفت طائرات سلاح الجو في كل يوم غربي المدينة. كم قتيلا كان هناك، وفي صور وصيدا؟ هل عشرة آلاف؟ هل عشرون ألفا؟ وهذا ما كان ايضا في "الحروب" التالية: حرب لبنان الثانية وفظائعها و"الرصاص المصبوب" وفظائعها.

        هل يبالغ غراس حينما يخشى مما ستفعله اسرائيل بالايرانيين؟ انه اذا نشبت حرب فسيتحدثون هنا في التلفاز باستخفاف عن "دعاوى مبالغ فيها تتعلق بخسائرهم" وينسون. وماذا سيقولون عن خسائرنا؟ سينشدون اناشيد الحزن.

        لا يُحتاج الى نظام شمولي من اجل جعل البشر اغبياء بل تكفي اسطورة الضحية الأبدية.

انشر عبر