شريط الأخبار

اتركونا نضمد جراحنا ونجدد المحبة..علي عقلة عرسان

11:42 - 13 حزيران / أبريل 2012

إذا بقيت السياسة لعبة " شطَّار" وفنون شطارة، لاعلاقة لها بالأخلاق والمبادئ والقيم، تتخطى القوانين عندما تملك القدرة على تخطيها وتبقى من دون سؤال أو عقاب، فإن تكلفتها الباهظة ستكون دماً ودماراً وبؤساً ومعاناة بشرية وسقوطاً اجتماعياً، وتتحمل تلك التكلفة شرائح بشرية وبلدان ومناطق، وقد تتحول إلى حروب باردة أو ساخنة بين دول ومحاور أو تكتلات دولية، تفضي إلى كوارث وأزمات وضائقات من كل نوع، تصيب من لا ذنب لهم أكثر مما تصيب المذنبين الذين قد لاتصيبهم أصلاً، وتشتعل وتخمد حسب التكوين العقلي والنفسي والثقافي وربما المزاجي للمسؤولين الكبار الذين يعملون بوحي من الأنانية والمصالح والتحالفات ونمو القوة والشعور بالعظمة وتورّم شهوة التسلط، ومن حب الثرة والسيطرة عند أشخاص أو حكومات تضع سياساتها استناداً إلى أنانية مفرطة أو أوهام تتجاوز حدود العقلاني والمنطق والإنساني ومصالح الآخرين وحقوقهم.

في عالمنا المعاصر، ومنذ الزمن الذي اشتعلت فيه حربان " عالميتان" محرقتان، وثالثة باردة استمرت عقوداً من الزمن واشتعلت في ظلها حروب ساخنة منها ما يزيد على أربعة حروب كبيرة شنتها الدول الاستعمارية الغربية على الخصوص ضد بلدان في الشرقين الأقصى والأوسط، أبرزها حرب الكوريتين وحرب فييتنام والحرب على أفغانستان والحرب في العراق وعليه.. منذ ذلك الوقت لم تتوقف سلسلة الأزمات، ولم يتوقف القتل والتدمير، ولم يتوقف انتهاك الإنسان على مستوى الدول والشعوب والجماعات والأفراد.. ويكاد مجموع ما نزف من دم بشري في أرجاء العالم، وما لحق بالعمران من دمار جراء تلك الأزمات والحروب، يكاد يقارب ما نزف ودمّر في الحرب العالمية الثانية التي سجلت أعلى سقوف الجنون في الصراعات الدولية الدامية.

وما تنذر به أزمات اليوم والمحاور التي تتكون في عالمنا المعاصر، بعد أن انتهت عملياً سيطرة القطب الأميركي ـ الغربي على السياسة الدولية، يشير إلى إمكانية نشوب صراعات ساخنة وأخرى باردة تسيل فيها وبسببها دماء غزيرة ويدمَّر عمران كثير، وينتشر جوع ومرض وبؤس إنساني يصيب الأرواح والأنفس والأجسام والعلاقات الاجتماعية.. فهل إلى ضوابط قانونية وخُلُقية تحكم الساسة والسياسة وتحد من تلك المآسي ولو بدرجة قليلة؟! وهل إلى منطق عقلاني وإنساني من سبيل يضعان حداً للاستهانة بالحياة والكرامة البشرية والاستخفاف بحقوق البلدان والشعوب والأفراد، ويحدان من تشويه منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأخرى المعنية بحقوق الإنسان، ويجعلانها بعيدة عن مجال التوظيف السياسي والعبث الإعلامي، بل التلوث السياسي والإعلامي، ويخرجانها من الحقول الملغَّمة بالإغراض السياسي تلك المموهة باتقان إلى فضاء الموضوعية والاتزام بالحقيقة والسعي وراءها والدفاع عنها؟!

لست متفائلاً بإمكانية الوصول إلى شيء من ذلك ما دامت السياسة لعبة شطَّار ومبارزة بين أشرار وقوى لا تحكمها الأخلاق والقيم والقوانين، وتتبع ميكيافيلية يصغر أمامها ميكيافللي وممارساته السياسية وبراغماتية تستبيح الكثير مما ينبغي ألا يباح.. فما لدى العالم اليوم من قوانين ومواثيق جيدة المبنى والمعنى لم تجعله/ ولم تجعلها بمنأى عن نفوذ القوة المسيطرة أو فوق قدرتها على تسخير تلك القوانين والمواثيق لمصالحها وتوظيفها لخدمة سياسات وأهداف غير مشروعة، أو القيام بتحنيطها وتجاوزها عندما ترى أن ذلك لا يخدم مخططاتها ولا يحقق أهدافها، ويتعارض مع ما تمارسه من إرهاب "الإمبراطور"، حسب وصف تشومسكي لإرهاب الدولة الأميركية، الذي لا يمكن أن يقارن بإرهاب اللصوص الذين يلاحقهم الأباطرة الإرهابيون بوصفهم إرهابيين أشراراً.!! وتستمر لعبة القط والفأر التي يدفع تكاليفها الأبرياء والبسطاء والفقراء والضعفاء والأخلاقيون.. حيث لا يبدو أن عالمنا سيبرأ من ألاعيب الشطار والفجار ومصاصي الدماء وتجار السلاح والدم واللقيم الإنسانية التي تمسخ إلى سلع سياسية.

في زمننا المرهق، وفي منطقتنا المنكوبة بما يأتي من داخلها وما يُصَبُّ عليها من خارجها، نقف كل يوم على فصول من ممارسة القوة والعدوان بشراسة مغلفة بكلام جميل، وفي كل وقت يوجد خروج سلطة على القانون يقابله تمرد على السلطة والقانون باسم باسم الحق والقانون.. وفي كل يوم نقف على شفير هاوية أعظم من تلك التي استنزفت دمنا وأموالنا وجهدنا في اليوم السابق.. وحين نتطلع إلى أفق يحمل تباشير توقف العنف والتمرد والقتل والتدخل الخارجي المدمر يطل علينا شبح البراغماتيين ـ الميكيافليين بتهديد ووعيد، ويسمعنا من لا يستمعون إلى صوت الشعب والضمير وعوداً " بالجنة المفقودة، وبمشاريع على نمط مشروع ماريشال تبيعنا لتاجر السلاح والمال والدم لندخل في مدى استعماري ـ تدميري جديد لا نعرف متى نخرج منه وكيف، ولا إلى أية كواث يفضي؟! إن الذين يتصارعون باسم الوطن والشعب والحرية يضعون الوطن والشعب والحرية في المآزق ويعرضونها للخطر، ويزيدون معاناة الناس، ويكلفون الوطن والشعب أكثر مما يطيقان..

إننا في خضم ساعات الاختبار الحاسم لمهمة كوفي عنان في سورية، وعلى الرغم من الآمال المعقودة عليها، والتصريحات القائلة بدعمها، نجد من يلعبون بالنار ومن يلوحون بالتدخل الخارجي المرفوض وبتوجيه الضربات المحدودة، ومن يستجيبون لتلك الألاعيب والاستفزازات بنار مماثلة وممارسات مقابلة.. وتكاد آمالنا نحن المكتوين بنيران كل الأطراف من الفقراء والبسطاء والمواطنين الذين نشكل الكثرة الكاثرة في الوطن رايت يرفعها كل من يدخل حلبة الصراع على السلطة باسمنا، ومن يمهر أختامه وأحلامه بدمنا.. نعم دمنا نحن أبناء سورية التي أصبح أمنها واستقلالها وديمقراطيتها وحقوق شعبها..و .. قميص عثمان لكل من يريد أن يدخل معارك على غرار " الجمل" و" صفين" باسم الشهداء والأحياء على حد سواء؟! إننا نكاد، نحن الصوت الأعلى والكم الأكثر والعقل المنتي لقيم ووطن.. نكاد نغرق نحن وأطفالنا ومستقبلنا أحلامنا في الخداع اللامتناهي والاستفزاز المستمر والتحديثات الشخصية أو الفئوية أو الحزبية وفي صراع القوى المتعددة الأذرع من أجل نفوذها واستراتيجياتها. 

  إننا في وطن الحضارة الأم، سورية، نرفض أن نتحول إلى كرة قدم بين أرجل اللاعبين السياسيين وأذرعهم الإعلامية، ونرفض أن يكون الفجار والتجار هم الوكلاء الذين يتاجرون بنا وبدمنا ومستقبلنا، ونرفض أن نوضع على الرف. لقد آن الأوان لكل من يعنيه الوطن والإنسان والقضايا الكبيرة التي يؤمن بها مواطنونا ويعملون لها أن يقولوا لكل العابثين بنا والمتلاعبين بمصيرنا: كفى .. نحن هنا.. ونحن أهل الأرض والبيت والوطن الواحد، ونحن من يدفع ثمن الصراعات والتحديات.

اتركونا واذهبوا إلى ساحات صراع ديكة تسع لكم ولعنفوانكم المريض.. نحن نريد وطناً مسيجاً بالمحبة والأمن.. وطن نحن بناته وحماته والمدافعون عنه.. وعلى كل من جر هذا الوطن العزيز إلى الموت والدمار ومستنقعات الثار والعار أن يقف جانباً ويترك الشعب الحق والعقل والمنطق والمواطنة والانتماء والإيمان وكل القيم والمفاهيم الخيرة والسليمة التي تسكن عقل الإنسان وضميره يتركه يتصرف.. لأنه الأحق بأن يوصل الوطن والمواطنين إلى بر الأمان، ويضع أصحاب المصالح والتحديات والثارات والاستراتيجيات والمشاريع من نوع ماريشال خارج حدود الأرض والقرار، لكي تبقى سورية وطناً حراً سيداً لكل أبنائها المؤمنين بأنهم أفراد من الشعب المنتمي للأمة العربية والحضارة العريقة، وليست لمالك أو متهالك على تملك  شعب ووطن، وليست لتجار أرض وشعب ووطن وقضايا وحقوق.

كفي.. كفى.. لقد بشممنا من الدم والموت والبؤس والجوع والتشرد والكراهية والكلام في فضاء السياسة وأذرعها الإعلامية التي تلغ في دمنا كل يوم، وآن لنا أن نضمد جراحنا ونرتاح.. فاترتكونا نأمن من جوع وخوف، ونضمد جراحنا ونجدد المحبة فيما بيننا.. اتركونا نعش..

انشر عبر