شريط الأخبار

رحلة الى سيناء ما بعد الثورة -هآرتس

11:33 - 12 حزيران / أبريل 2012

بقلم: أنشل بابر

        (المضمون: الجيش المصري في سيناء يستعرض القوى ولا يمارسها - المصدر).

        رجل بدوي ملتحٍ توجه الى سيارة عمومية في الشارع المركزي لرفح المصرية. على جانبي الشارع الضيق تقف مجنزرتان للجيش المصري وثلة من الجنود مدججة بسلاح حربي كامل. "تريدون العبور من فوق أم من تحت؟" سأل بابتسامة، ولكن بجدية كاملة. الثمن الاولي هو ألف جنيه مصري، ولكن يوجد مجال للمساومة. في ذروة الحملة العسكرية الاكبر حتى الان للقضاء على الارهاب في شمالي سيناء، فان العمل التجاري الاساس للعشائر البدوية في المنطقة – التهريب عبر الحدود، الى قطاع غزة والاراضي الاسرائيلية، عبر الانفاق والثغرات في الجدار – يتواصل كالمعتاد.

        الحواجز العسكرية تبدأ قبل الدخول الى سيناء، في الطريق المؤدي من بور سعيد الى الجسر الكبير فوق قناة السويس. نقاط الرقابة هذه ثابتة كل أيام السنة ولكنها اليوم معززة بالجنود بدلا من الشرطة، بالمجنزرات وبالمواقع المحصنة بأكوام من أكياس الرمل. ولكن، على طول نحو 200كم بعد القناة، حتى أطراف العريش، تكون المواقع العادية مهجورة في ساعات الليل. الجيش المصري، رغم الحملة وتعزيز القوات – والتي يصل حسب مصادر اسرائيلية الى سبع كتائب اضافة الى ما تسمح به اتفاقات كامب ديفيد – لا يتجرأ على مرابطة جنود قلائل على طول الطريق الرئيس لشمالي سيناء خشية العمليات التي تبادر اليها العشائر البدوية.

        اسرائيل صادقت في السنة الاخيرة عدة مرات على زيادة حجم القوات العسكرية في شمال شرق سيناء لتحسين مستوى الامن على مقربة من الحدود، ولكن لا يبدو أن القوات المصرية حققت أي تحسن. في كل الاحوال، فهي لا تنتشر في جنوبي قاطع الحدود، في المنطقة التي اطلق منها الاسبوع الماضي صاروخ غراد الى ايلات، حسب تقدير الجيش الاسرائيلي. بدلا من ذلك يفضلون في مصر ببساطة النفي في أن يكون الصاروخ اطلق من أراضيه. تعزيز القوات لا ينجح حتى في منع الاضرار بانبوب الغاز الى اسرائيل، الذي فجر هذا الاسبوع للمرة الـ 14.

        قبل نحو كيلو مترين فقط من العريش تقف مرة اخرى المجنزرات مع المدافع الثقيلة، أكياس الرمل والجنود، قريبا جدا من محطة الوقود التي أحرقها تماما البدو قبل بضعة أسابيع. من هناك، داخل العريش، وكل بضعة كيلو مترات حتى رفح المصرية ومعبر الحدود المزيد فالمزيد من الحواجز المجهزة جيدا، الجنود يلتصقون بالمدرعات ومواقع المدافع على الاسطح.

        في النظرة الاولى تبدو الحملة العسكرية مثيرة للانطباع حيث أن المزيد من القوات والمجنزرات يتدفقون من القواعد في غربي سيناء قرب القناة، والتي بنيت على بقايا خط بار ليف. ولكن سرعان ما يتبين بان هذا نشاط سطحي فقط. الكتائب الجديدة رابطت فقط على طول محور الحركة المركزي، وهي لا تجري دوريات على طوله، لا تنزل عن الطريق كي تجري تفتيشات في العريش وفي رفح وبالتأكيد لا تقترب من خيام العشائر البدوية التي توجد في المنطقة الجبلية جنوبي قاطع الشاطيء.

        كما أن نوعية القوات ليست عالية. في الاحداث التي دعي فيها الجيش الى التدخل في ايام الثورة في السنة الماضية في القاهرة، شاركت وحدات مختارة مع جنود دائمين قدامى، مزودين بأفضل المدرعات الامريكية. أما الى سيناء فقد ارسلت كتائب مجندين شباب عديمي التجربة، والمجنزرات تكاد تكون جميعها مدرعات سوفييتية قديمة.

        الضباط يكاد لا يظهرون في المنطقة. في زيارات سابقة قبل بضع سنوات في سيناء لم يكن ممكنا عبور الشارع دون لقاء مئات الشرطة والعملاء الذين غمروا المنطقة. اما الان فلم يتبقَ لهم ذكر. سلطات القانون المصرية لا تظهر على الاطلاق بقرب الحدود، باستثناء حفنة من افراد الشرطة في معبر الحدود الى قطاع غزة.

        محمد بطيخ، بليط يسكن في رفح، يقول ان "الجيش لا يعتزم حقا الصدام مع البدو، هذا واضح من الشكل الذي يصلون فيه الى هنا ويقفون في المكان. هذا استعراض فقط. وليلة أمس كانت هنا عيارات نارية بين عشيرتين من البدو تتقاتلان على نصيب من تجارة التهريب. الجيش لم يتدخل، احتمى فقط بمواقعه".

        "نحن لا نتورط مع السلطات"، يقول محمود صالح، سائق فلسطيني انتقلت عائلته الى الطرف المصري في  1968. "البدو يدخلون الى المدينة يقومون بعملهم ويعودون الى الخيام في الجبال. عندما يريدون يهاجمون أيضا محطة شرطة. نحن لا نشكو من أن الانفاق تتيح لنا أن نزور بين الحين والآخر اقرباءنا في الطرف الاخر. قبل شهر عبرت كي أشارك في عرس ابن عمي. الوضع في القطا الان ممتاز إذ توجد بضائع تدخل من اسرائيل. المصريون يفتحون احيانا الحدود وتوجد منذ الان أنفاق كبيرة جدا تسمح بادخال البضائع دون قيد. ثمن الانفاق هبط".

        هذا الاسبوع، ربما بسبب الحملة، كان المعبر مغلقا ومقفرا. على طول الطريق من العريش وقفت شاحنات ثقيلة محملة بأكياس الاسمنت بانتظار فتح المعبر أو الفرصة للتوجه الى احدى فتحات الانفاق. الجنود حتى لم يفحصوا هويات السائقين أو شهادات الارسال. واكتفوا فقط بابطاء السفر وبنظرة عابرة على مسافري السيارات. وخشية العملية، وقفوا على طول اليوم الحار وعلى رؤوسهم طاساتهم الحربية. وبين الورديات يمكثون في الخيام التي نصبت على جوانب المدرعات. وعلى المجنزرات فتحت مظلات ملونة. في أحد المفترقات كتب الجنود بالحجارة الملونة: "سنقاتل ونموت كشهداء". يوم الخميس بعد الظهر بدأوا في طي بعض من المجنزرات التي نقلت غربا على شاحنات.

        قسم كبير من المدرعات حتى لم تنصب في شمالي سيناء، بل خارج القواعد التي في القسم الداخلي من شبه الجزيرة وذلك لزيادة الحراسة عليها خشية هجمات اخرى من البدو. رجال القوة متعددة الجنسيات، المسؤولين عن الرقابة على الجوانب الامنية في اتفاقات كامب ديفيد، بقوا يغلقون على أنفسهم هذا الاسبوع في قواعدهم ولم يظهروا في دوريات ميدانية. الطريق العسكري المركزي من العريش الى ناحل، في وسط سيناء، هجر. "الناس الذين سافروا الى هناك اعتقلوا واختطفوا من العصابات البدوية"، يروي ميلاد مجدي، الذي ينقل كمجال رزق له سياحا من القاهرة الى الفنادق ومواقع الاستجمام على شواطيء البحر الاحمر في جنوب سيناء. "في أفضل الاحوال سلبوا وتركوا على قارعة الطريق بلا أي وسيلة. أنا دوما كنت أعود من هناك، أما الان فاني لا أتجرأ".

        عن السياحة المتفرعة في سيناء يصعب الحديث هذه الايام. كل أعمال البناء في المشاريع السياحية تقف قفراء، وباستثناء الفنادق في طابا، المحاذية لمعبر الحدود الى اسرائيل، فان مواقع السياحة في جنوب سيناء توجد في اشغال يقترب من الصفر. الهدوء المطلق في ناحل يخرقه في الظهيره باص سياح صينيين يبدون وكأنهم هبطوا من الفضاء الى البلدة المغبرة.

        فياض الحويل، رئيس احدى العشائر البدوية في سيناء جلس هذا الاسبوع في عريشة قرب محطة الوقود على الطريق المؤدي جنوبا باتجاه طابا وهو يدخن سيجارة المرخوانة. تهريبات؟ تفجير انبوب الغاز؟ يضحك، الان هو مشغول بالسمسرة على الوقود. في أرجاء مصر يوجد نقص خطير في السولار غير الودود للبيئة مع أوكتان منخفض من 80 و 90، يكاد يستخدمه كل السائقين في الدولة. رجاله جاءوا في تندر محمل بعبوات الوقود وسيطروا على المحطة. طابور طويل من السيارات تنتظر الدور لشحنها بالسولار. افق دخل ربحي آخر. وهو يرفع يده استخفافا لرؤية القافلة العسكرية المارة: هذا مجرد استعراض وجود عادي. انا لا أعرف كيف أفسر لماذا يجنن البدو الجيش"، يتظاهر بالبراءة، "ولكن يبدو أن هذا هو الوضع".

        الحكومة المؤقتة في مصر تتهم تجار السوق السوداء في أنهم يخزنون الوقود ويحدثون نقصا فيه بذلك. ولكن النقص ينبع أغلب الظن أساسا من أن ليس للحكومة ما يكفي من ميزانية لدعم الوقود للمواطنين. في مصر، مثلما هو الحال دوما، تتكاثر نظريات المؤامرة. الشائعة السائدة هي أن الناس المرتبطين بنظام مبارك القديم يدمرون الوقود كي يحدثوا النقص ويمسوا بمكانة البرلمان الذي بسيطرة الاخوان المسلمين. "أمس في الليل أمسكوا هنا بأربع سيارات مع عملاء مبارك يسكبون الوقود"، هكذا تنتقل الشائعة من اللسان الى الاذن في رفح. ويوم الخميس سد المدخل الغربي الى العريش لساعات من قبل السائقين المحبطين. بعضهم يقف منذ يومين بانتظار أن تصل ارسالية جديدة من الوقود الى المحطة.

        في رفح وفي العريش يبدو واضحا منذ سنين انعدام رغبة القاهرة في الاستثمار في منطقة لا تجذب السياح. ومع ذلك، فان التهديدات وعبور البضائع الى القطاع أدت الى ازدهار معين للمكان. من يوجد في قبو بيته فتحة نفق يبني عليه فيلا جميلة، وقسم قليل من مواد البناء التي تتدفق من فوق وتحت الارض الى القطاع ينتقل في الطريق الى بناء جديد. في العريش فتحوا حتى فرعا جديدا لكنتاكي فرايد تشكن. معظم السكان في المدن هم فلسطينيون أو مهاجرون من أماكن اخرى في مصر. ويبرز البدو في سياراتهم. سيارات جميلة جديدة في الشوارع وعلى الطريق الرئيس، والجيبات التي تنقلهم الى الخيام من أجل تهريب البضائع والاشخاص الى حدود اسرائيل.

        الفساد ظاهر أساس في وضع الطرق. فرق العمل التي ترممها يمكن أن تجدها على طول الطرق الرئيسة في سيناء. ولكن حتى الطرق التي رممت في السنتين الاخيرتين فقط تآكلت تماما وأصبحت مشوشة. أحد ما أخذ الاسفلت الى أماكن اخرى.

        الثورة التي لم تستكمل بعد في مصر وجدت تعبيرا في سيناء أساسا في الفوضى الامنية السائدة في المنطقة. اشارات المعركة الانتخابية للبرلمان ومجلس الشورى التي كانت في الاشهر الاخيرة، وللرئاسة في نهاية الشهر القادم، تبدو أقل بكثير في شبه الجزيرة. خلافا لمدن اخرى في مصر، حيث كل حائط مغطى بالاعلانات للاحزاب والمرشحين المختلفين، الى رفح والعريش جاء أساسا النشطاء المؤيدين للسلفي الكاريزماتي حازم ابو اسماعيل. وجه ابو اسماعيل الملتحي بنصف بدر، يظهر من على حيطان كثيرة في رفح التي تسير فيها كل النساء مغطاة من أخمص أقدامهن الى أعلى رؤوسهن. أما المرشحون الاخرون فلا يظهرون في المنطقة على الاطلاق.

انشر عبر