شريط الأخبار

التعديل الحكوميّ نعيٌ للمصالحة، ولكن!.. هاني المصري

04:25 - 11 كانون أول / أبريل 2012


أعلن الرئيس أنه سيجري تعديلاتٍ على حكومته خلال أيام، وأن هذا الأمر لن يمسّ الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة.

  وإذا لم يكن هذا الإعلان مجرد تكتيك للضغط على "حماس" لدفعها لإزالة القيود التي وضعها مكتبها السياسيّ على تطبيق "إعلان الدوحة" ـ ولا أعتقد أنّه مجرد تكتيك ـ فإنّ هذه الخطوة إذا تمت فهي دليلٌ قاطعٌ على نعي المصالحة حتى إشعار آخر. لماذا؟.

  بعد تأجيل إجراء أي تعديل أو تغيير لحكومة سلام فياض بالرغم من مضي سنوات عديدة على تشكيلها، والضعف الذي يرافق أداءها، ومطالبة أوساط واسعة، خاصة من "فتح"، بهذه الخطوة بحجة أنها ستكون ذات تأثير سيء على المصالحة، وأن المطلوب تشكيل حكومة وفاق وطني؛ سيعني إجراؤها الآن نعياً للمصالحة.

  طبعًا لم تكن المصالحة السبب الوحيد وراء تأجيل التعديل أو التغيير، وإنما هناك أسباب أخرى، ربما أهم، مثل الخلاف بين أوساط من "فتح" وسلام فياض حول شكل وطبيعة ووظيفة الحكومة وعلاقة "فتح" بها، لدرجة أنّ هناك من يربط التغيير باستبدال فياض نفسه، كما يربط التعديل بضرورة تصحيح المعادلة، بحيث يفهم فياض أنه موظف بدرجة رئيس حكومة عند "فتح". فالحكومة هي حكومة "فتح" يترأسها سلام فياض، فـ "فتح" هي التي تعطي الحكومة الشرعيّة والشعبيّة، لأنها قائدة السلطة والمنظمة وصاحبة القاعدة السياسيّة والجماهيريّة الكبيرة؛ بدليل حصولها على عدد أكبر من الأصوات في انتخابات المجلس التشريعيّ الأخيرة، بالرغم من أنها احتلت الترتيب الثاني في عدد المقاعد النيابيّة بعد كتلة التغيير والإصلاح التابعة لحركة "حماس".

  وما أخّر التعديل أو التغيير أيضًا، أنّ هناك خلافًا حول ضرورة أن يشمل أو لا يشمل تعيين وزير للماليّة الذي يشغله رئيس الحكومة منذ تشكيلها، وأن يقتصر على ملء الشواغر بعد استقالة بعض الوزراء (الأشغال والقدس والرياضة والشباب)، أو توجيه لائحة اتهام بحق بعضهم (الاقتصاد والزراعة). كما ظهر خلافً بين الرئيس ورئيس حكومته حول عدد من المسائل.

  كان "إعلان الدوحة" محكومًا عليه بالفشل، لأنه لم يأت ثمرة إرادة وقناعة بأن الوحدة بحاجة إلى رؤية وإستراتيجية وبرنامج مشترك، وأنها ضرورة وأغلى من أي شيء، وتتطلب التنازل من أجلها عن المصالح الفرديّة والجهويّة والفئويّة والفصائليّة.

  فَشَلُ "إعلان الدوحة" يعود وفقًا للظاهر إلى الخلافات في أوساط "حماس" حوله، وهذا صحيح لأن الاستدراكات التي وضعها المكتب السياسيّ عليه أدت إلى تجميده، ولكن حتى لو تم تطبيقه فمحكوم عليه بالفشل، لأنه يحصر المأزق الوطنيّ العام بالسلطة، وتحديدًا بمسألتي تشكيل الحكومة والانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة، ويؤجل أو يُهمل القضايا الأخرى الأكثر أهمية، مثل البرنامج السياسيّ، والمنظمة التي أُجّلَ أمر إعادة تشكيل الإطار القيادي المؤقت لها إلى حين إجراء انتخابات المجلس الوطنيّ، أي "موت يا كديش تا يجييك الحشيش"، ولأنه أَجَّلّ عمليًّا توحيد المؤسسات، خصوصًا الأجهزة الأمنيّة إلى إشعار آخر بالرغم من أن تأجيلها في اتفاق مكة كان أحد الأسباب الرئيسة في انهياره، وعدم توحيدها ولو بشكل متدرج سيؤدي إلى انهيار أي اتفاق جديد.

  إنّ إنهاءَ الانقسام واستعادةَ الوحدة لا يمكن أن يحدث بشكل جديٍّ إلا إذا جاء في سياق إحياء المشروع الوطنيّ وإعادة تشكيل المؤسسة الوطنيّة الجامعة، أي منظمة التحرير. وفي هذا السياق يمكن البحث في القضايا الأخرى، بما في ذلك تشكيل الحكومة والانتخابات، ولا يمكن أن يكون هناك مصالحة حقيقيّة دون بلورة برنامج القواسم المشتركة القادر على مواجهة التحديات، التي تتعلق أساسًا بمواجهة الاحتلال والاستيطان والعدوان والحصار والتمييز العنصري، خصوصًا في القدس التي تضيع أمام أعيننا جميعًا دون أن تجد من ينصُرها قبل فوات الأوان.

  لا يمكن استعادة الوحدة الوطنيّة التي نحتاجها إلا بقراءة الواقع بشكل حقيقي، ورؤية أن هناك سياسة فصل إسرائيليّة بين الضفة والقطاع بدأت منذ ما قبل اتفاق أوسلو وتصاعدت بعده، وصولًا إلى "فك الارتباط" عن غزة الذي وفّرَ التربة الخصبة لحدوث الانقسام.

  لا يمكن أن تكون هناك وحدة دون إدراك عميق لظاهرة تشكل كيانات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة تبلورت بشكل واضح في الضفة وغزة، ولكن بذورها تتكاثر في القدس وفي تقطيع أوصال الضفة، وفي التجمعات الفلسطينيّة الأخرى داخل الوطن وخارجه.

  فأي تغيير لواقع الانقسام يجب أن يبدأ بالاعتراف بما خلفه الانقسام، وضرورة التعامل معه لتغييره.

 لا يمكن أن يكون هناك مصالحة حقيقيّة ببقاء السلطة التي نجمت عن اتفاق أوسلو وملحقاته والتزاماته كما هي دون فتح الخيارات والبدائل الأخرى، بدءًا بإعادة النظر بشكل ووظائف والتزامات السلطة بعد أن تجاوزت إسرائيل كل الاتفاقات مع إجحافها بالفلسطينيين، وانتهاء بحل السلطة، لأن السلطة قامت كخطوة انتقاليّة على طريق إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، وليس، كما أصبحت، كحل نهائي ووكيل أمني للاحتلال، أو سلطة بلا سلطة كما يقول الرئيس.

 

 ما سبق يجعل تعديل أو تغيير الحكومة في الضفة أو غزة على أهميّته ليس هو القضيّة بالرغم من دلالاته، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تلبية حاجة ملحة لا يمكن أن تُؤجل إلى حين تلبية الحاجات الأخرى، فشيء أفضل من لا شيء، شرط أن يكون الهدف النهائي واضحًا وجزءًا من رؤية شاملة تستهدف إنقاذ القضيّة الفلسطينيّة من مأزقها العام الذي تعيشه، ولم تشهد مثيلًا له منذ تأسيسها.

  إن الأولوية الحاسمة والمدخل هو إحياء المشروع الوطنيّ وإعادة تشكيل المنظمة بوصفها المؤسسة الوطنيّة الجامعة، وما يعنيه ذلك من إعادة الاعتبار للبرنامج الوطنيّ والمقاومة المثمرة، وتجاوز اتفاق أوسلو عمليًّا على الأقل، ووضع السلطة في مكانها الطبيعيّ في النظام السياسيّ الفلسطينيّ كأداة من أدوات المنظمة، وأخذ واقع الفصل السياسيّ والجغرافيّ بين الضفة وغزة بالحسبان بسبب الاحتلال والانقسام، ليس من أجل تكريسه، وإنما لوضع خطّة عمليّة واقعيّة لإنهائه.

  ما سبق يتطلب توافّر الإرادة السياسيّة الكافية التي تتغلب على العوائق الداخليّة والإسرائيليّة والعربيّة والإقليميّة والدوليّة التي تحول دون إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنيّة، وهذا يمكن أن يحدث من خلال:

  إما بتوفر القناعة العميقة لدى القيادة والأطراف المتنازعة بأنّ الوحدة ضرورة وليست خيارًا من الخيارات، وأنها هي الأولويّة التي تعلو على أي شيء آخر، ولا يمكن أن يكون هناك تقدم حقيقي من دونها، فمن دون وحدة وطنيّة تراعي خصائص الوضع الفلسطيني، والفصل الجغرافي بين الضفة وغزة لا يمكن التقدم لا على طريق الحرب ولا على طريق السلام.

  أو بتبلور ضغط سياسيّ وشعبيّ فلسطينيّ متراكم يزيد عن الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي تستهدف إدامة الانقسام ومأسسته. ضغطٌ قادرٌ على فرض إرادة الشعب الفلسطينيّ وتغليب مصالحه الوطنيّة على مصالح "جماعات الانقسام" هنا وهناك.

انشر عبر