شريط الأخبار

إسرائيل تستنفر أشباح «معاداة السامية» لمواجهة... قصيدة غونتر غراس

01:49 - 11 تشرين أول / أبريل 2012

تتعرّض إسرائيل لانتقادات شديدة في كل أرجاء العالم، وهو أمر كثيراً ما أشار قادتها إلى أنهم اعتادوا عليه. ولكن عندما تأتي الانتقادات من جهات غربية ذات شهرة عالمية فإن الوضع يختلف. وفي الغالب لا تجد إسرائيل من وسيلة جاهزة لاتهام هؤلاء سوى أنهم مدفوعون بدوافع معادية للسامية. والأمر لا يقف عند حدود «الأغيار» الذين يمكن إلصاق هذه التهمة بهم بصرف النظر عن ماضيهم، وإنما يتعداها لليهود أنفسهم، حيث يغدو الواحد من هؤلاء «كارهاً نفسه».
وقد بدأت القصة مع غونتر غراس بقصيدة نشرها في صحيفة «سودوتشي تسايتونغ» حمل فيها على إسرائيل بوصفها خطراً على السلام العالمي بعنوان «كلام يجب أن يقال». وحمل غراس في القصيدة على موقف الغرب من سياسة إسرائيل النووية مقارنه بموقفه من سياسة إيران النووية. وقال غراس للصحيفة إن ما دفعه لكتابة القصيدة حول الخطر النووي الإسرائيلي هو سلوك نتنياهو الذي «يخلق المزيد من الأعداء لإسرائيل ويزيد عزلتها». وقد أشار إلى أن «الخطر الفوري هو الخطر الذي لا مثيل له، ضربة وقائية إسرائيلية ضد إيران يمكن أن تكون لها عواقب فظيعة».
ومن الجائز أن موقف إسرائيل من انتقادات الأديب الألماني غونتر غراس ورد فعلها عليه تجاوز كل الحدود. وتقريبا لم يتخلف أي سياسي صاحب اسم في إسرائيل عن المشاركة في الحملة المنظمة عليه. فهو في كل الأحوال ألماني ويكفي ذلك لاعتبار أن النازية تعود لترفع رأسها وأن ذلك قد يشجع على تنامي مظاهر المعادية للسامية في أوروبا تحديداً. ولا يهم في هذا السياق إذا كان أباطرة الأدب والفكر الإسرائيلي منذ ما قبل العام 1967 يكنون تقديرا هائلا لغونتر غراس أم لا. فالمهم هنا أن انتقاداته للحكومة الإسرائيلية تجعل منه عدواً للشعب اليهودي بأسره و«معادياً للسامية».
ويذهب الكثير من المعلقين والساسة الإسرائيليين في موقفهم من غراس إلى حد محاولة تصفية الحساب وتأديب ألمانيا بأسرها بسببه. إذ كيف يجرؤ ألماني، خصوصا إذا كان قد نال جائزة نوبل للآداب، على توجيه انتقاد كهذا لإسرائيل وحكومتها وسياستها؟ ومن أين يمكن أن تأتيه الجرأة لإعلان ذلك وتفضيل إيران واعتبار أن إسرائيل هي التي تشكل خطراً على العالم؟
واعتبر نتنياهو أن مقارنة غراس لإسرائيل بإيران «تشير قليلا إلى إسرائيل وكثيرا إلى غراس. فإيران، لا إسرائيل، من يهدد بتدمير دول أخرى. إيران لا إسرائيل، من يدعم منظمات الإرهاب التي تطلق الصواريخ على المدنيين الأبرياء. إيران لا إسرائيل من يدعم المجزرة التي ينفذها النظام السوري ضد مواطنيه. إيران لا إسرائيل من يقتل النساء ويشنق المثليين ويضطهد عشرات الملايين من مواطنيها».
وهكذا لا بد للإسرائيلي من العودة إلى مهاجمة الألمان عموما واعتبار أن نزعات عنصرية تعشّش عميقا في نفوسهم وأنها تتجلى بين الحين والآخر. وطبعا لا يغير من هذه النظرة لا حجم المساعدات الاقتصادية الألمانية لإسرائيل ولا حتى حجم المساعدات العسكرية من دبابات الباتون في الستينيات إلى تمويل غواصات «دولفين» القادرة على تمكين إسرائيل من امتلاك القدرة على توجيه الضربة النووية الثانية.
والمهم أن يتشكل لدى الألمان خصوصا والأوروبيين عموما خط أحمر لا يمكنهم تجاوزه ويشكل «تابو» ليس مسموحاً لهم تناوله عبر انتقادات علنية. وهكذا فإن كل مواقف غراس وصداقاته في إسرائيل مع كبار الأدباء من شاي عجنون إلى الشاعر القومي الصهيوني ناتان ألترمان لم تشفع له انتقاداته. فهو غير مسموح له بإطلاق هذه الانتقادات. ولهذا السبب بادر وزير الداخلية الإسرائيلي إيلي يشاي، الذي ربما لم يسمع أبدا بغراس ولم يقرأ أبدا أياً من إنتاجه الأدبي إلى الإعلان عنه «شخصية غير مرغوبة» ومنعه من دخول إسرائيل.
ورأى يشاي أن «قصائد غراس هي محاولة لتغذية الكراهية ضد دولة إسرائيل وشعبها، وتحقيق الفكرة التي كان شريكاً لها في ماضيه عندما ارتدى في الماضي لباس وحدات إس إس النازية. وإذا أراد مواصلة نشر إبداعاته المشوهة والكاذبة فإني أقترح عليه أن يفعل ذلك من إيران، حيث يمكنه العثور على جمهور متعاطف». وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أن غراس «مستعد للتضحية مرة أخرى بالشعب اليهودي على مذبح المجانين المعادين للسامية».
والواقع أن الموقف الجمعي الإسرائيلي الذي تجلى ليس فقط في موقف الساسة وإنما أيضا في موقف اتحاد أدباء إسرائيل أثار انتقادت من بعض الأطراف. وهناك مثل المعلق في «معاريف» عوفر شيلح الذي رأى تحت عنوان «الجهالة المقدسة» أنه كان بالوسع تفهم الموقف من غراس لو أنه صدر عن أناس يقرأون غراس. واعتبر أن غراس انتقد بـ«أسوأ أسلوب» جوانب تستحق النقد في إسرائيل. وعدد هذه الجوانب: «قوة إسرائيل النووية، الحرية التي نمنحها لأنفسنا، تحت التبرير المطلق للمحرقة النازية، للعمل في كل مكان».
تجدر الإشارة إلى أن وزير الداخلية الإسرائيلي أصدر قرارات تجعل من عدد من المفكرين، بينهم يهود، شخصيات غير مرغوب فيها في إسرائيل. فقد سبق لوزير الداخلية الإسرائيلي أبراهام بوراز في حزيران 2004 أن حظر دخول الصحافي البريطاني بيتر هونام بدعوى علاقته بالخبير النووي مردخاي فعنون. كما أن الشاباك أمر في أيار 2008 بحظر دخول المؤرخ اليهودي الأميركي نورمان فينكلشتاين. وفي أيار 2010 منعت إسرائيل دخول الكوميدي الأسباني إيفان باردو. وفي الشهر نفسه أيضا مُنع اللغوي نعوم تشومسكي، وهو أيضا يهودي، من دخول إسرائيل بسبب مواقفه السياسية.
انشر عبر