شريط الأخبار

الفرق بين بن غوريون ونتنياهو.. هآرتس

05:49 - 18 حزيران / مارس 2012

بقلم: أفنير كوهين

(المضمون: بنيامين نتنياهو بخلاف بن غوريون واشكول وغولدا مئير يستعمل ذكر المحرقة اليهودية استعمالا تلاعبيا وغوغائيا لأنهم جربوا الشعور بالمحرقة بصورة شخصية لكنه لم يجربه - المصدر).

في تشرين الاول 2006 وفي رد على واحدة من فورات الخوف الاسرائيلية من قنبلة ذرية ايرانية غير موجودة، استقر رأي ملحق صحيفة "هآرتس" على ان يطلب من عدد من رجال الثقافة ان يصفوا مشاعرهم في حال مُحيت تل ابيب عن الخريطة – كما كان يقول محمود احمدي نجاد آنذاك. وتعجبت ان يكون ناس جديون مستعدين أصلا لتناول هذا السؤال الهاذي والعدمي، لكن ما أصابني بالتعجب أكثر حقيقة أن أسرة صحيفة "هآرتس" هي التي بادرت الى هذا المشروع. فلم أضبط أعصابي واتصلت بناشر صحيفة "هآرتس" وسألته كيف يُمكّن لمشروعات "إثارة جنسية" كهذه. وقبل ان استطيع التعبير عن غضبي قاطعني عاموس شوكان قائلا: "أنت على حق. كان ذلك خطأ شديدا من أسرة التحرير ولن نكرره".

كان ذلك في الحقيقة خطأ في التقدير لأنه لا يجوز لصحيفة مركزية من جهة اخلاقية وقيمية ان تعطي مثل هذا الجدل لنهاية آخر الزمان الشرعية. واذا كان لا يجوز للصحيفة فكيف يكون بالنسبة لقادة وطنيين. لا يدع مجتمع سليم العقل قادته يتحدثون عن "الأجيال التي لن تأتي بعدنا". لم يدع زعماء الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الذين عاشوا تحت تهديدات الابادة المتبادلة طوال أكثر سني الحرب الباردة، لم يدعوا هذه المخاوف تتسرب الى الخطاب السياسي المعلن. بل في ايام ازمة الصواريخ في كوبا التي ربما كانت الأخطر في تاريخ الحرب الباردة، امتنع جون كنيدي ونكيتا خروتشوف عن الحديث عن نهاية وفناء (بعد ذلك تحدث وزير الدفاع آنذاك، روبرت مكينمارا عن انه شعر في ذروة الازمة ذات يوم بأن نهاية العالم توشك ان تحل).

في اسرائيل تُرجم نذر "لن يكون ألبتة بعد الآن" الى انشاء شهادة تأمين وطنية لمجابهة احتمال حدوث محرقة اخرى، وبسبب هذا النذر انشأت دولة اليهود المشروع الذري الذي رأته يؤلف بين شيء ما سامٍ وقوة وطابو قومي. وباسم هذا النذر سكت العالم الغربي كله ونظر جانبا احيانا وساعد اسرائيل احيانا ولا سيما في بداية الطريق على بناء قدرتها التدميرية.

في رسالة شخصية كتبها والد المشروع الذري الاسرائيلي، البروفيسور آرنست دافيد بيرغمان في سنة 1966 الى مئير يعاري، زعيم مبام – ذكر بصراحة ان اسرائيل اتجهت الى الذرة "كي لا نُساق أبدا كالأغنام للذبح". وبحسب ما يقول الصحفي الامريكي سيمور هيرش في كتابه "خيار شمشون" نُقش نذر "لن يكون ألبتة بعد الآن" ماديا بكلمات عبرية في اول منتوج لديمونة. وتحقيق النذر يعني ان دولة اليهود لن تبقى بعد الآن والى الأبد عاجزة. ان ديمونة هي الرد الاسرائيلي على مخاوف المحرقة وهي بقدر غير صغير رد دافيد بن غوريون على مخاوفه هو نفسه.

بيد أن وجود النذر يشتمل ايضا على طلب الاعتراف بتميز المحرقة لا حمل اسمها عبثا، أي ان تُرى حادثة مميزة لا يمكن ان تُكرر. فاذا كانت دولة اسرائيل هي أقوى كيان في المنطقة حقا، وهو شيء يكرر ذكره اهود باراك دائما، فهي غير محتاجة الى التلاعب بالمخاوف من محرقة اخرى.

دنّس بنيامين نتنياهو قداسة النذر مرتين. المرة الاولى بالموازنة المُحرفة والمعوجة التي أحدثها بين نتناز واوشفيتس في خطبته في "ايباك" – وكانت غوغائية لا توجد أية صلة بينها وبين الحكمة التاريخية الحقيقية. وفي المرة الثانية – في المقابلات الصحفية الكثيرة التي أجراها مع وسائل الاعلام الاسرائيلية مع عودته الى البلاد حينما قال إننا اذا أجلنا القرار في شأن ايران فسيكون متأخرا كثيرا لأنه لن يبقى بعد محرقة اخرى حتى من يستطيعون الندم على الخطيئة.

ليس نتنياهو الأول بين رؤساء حكومة اسرائيل الذي يستعمل المحرقة مبتذلا إياها لحاجات سياسية، فقد فعل هذا مناحيم بيغن قبله وبصورة كثيرة، بل بن غوريون ايضا الذي اشمأز من الحديث علنا عن المحرقة لكنه لم يمتنع عن الحديث عن احتمال محرقة اخرى في رسائل خاصة أرسلها الى الرئيس كنيدي وزعماء آخرين في العالم.

لكن الفرق بين بن غوريون وبيغن وبين نتنياهو عظيم. فأولا جرب هذان الاثنان بأشد الصور أصالة باعتبارهما زعيمين يهوديين في فترة المحرقة، جربا العجز الشامل. وكانت المخاوف من المحرقة عندهما مخاوف حقيقية. ولم يُجرب نتنياهو منذ كان وباعتباره زعيما الشعور بالعجز اليهودي. وثانيا استعمل بن غوريون وليفي اشكول وغولدا مئير ايضا وبقدر لا يستهان به، استعملوا المحرقة من اجل ان يُقسموا ان ما كان لن يكون. وقد تناول الثلاثة جميعا، كل واحد بأسلوبه، تلك المحرقة لتسويغ العمل المقدس في ديمونة. فديمونة مميزة كما ان المحرقة مميزة، لكن نتنياهو حصل على ديمونة جاهزة.

ان استعمال نتنياهو السياسي للمحرقة هو تلاعبي وغوغائي وخداعي بخلاف قادة اسرائيل في الماضي. وهو بتخويفه من محرقة في المستقبل ينقض النذر ويُقلل القيمة المميزة للمحرقة التي قد وقعت.

انشر عبر