شريط الأخبار

تجار الأوهام- معاريف

12:40 - 13 كانون أول / مارس 2012


بقلم: عاموس جلبوع

مؤخرا أرى مشاهد صعبة في الصباح قبل أن أفتح عينيَّ. حولي كل شيء خرب، دمار من فوق الرأس. أزحف خارجا، على أمل النجاة، ولكني أرى أمامي هوة مليئة بالجثث. ها هي بالفعل كانت محقة كل بيانات "المفكرين" في وسائل الاعلام والتي قررت منذ زمن غير بعيد بان ديمقراطيتنا تحطمت ووصلت الى منتهاها بسبب أفعال الدولة الظالمة، وان مجتمعنا هبط الى أسفل الدرك وتفتت بسبب خطايا الدولة وجرائمها. أفتح عيني فأجد البيت سليما، والسماء زرقاء وديمقراطيتنا تحتفل فقط كل يوم من جديد. كما أن أصحاب الاوهام يواصلون حياتهم الوهمية.

قرأت الاسبوع الماضي مقالين لاصحاب الاوهام (الاخرون يسمونهم يسارا كهذا او ذاك) ووجدت من السليم ان احللهما في محاولة لفهمهما. أحد المقالين هو ثمرة قلم أحد كبار كتابنا، أ. ب يهوشع. فكرته المركزية هي: كيف نصد ايران ونشل تهديدها لابادة اسرائيل؟ والجواب: يجب البدء باستقامة وبنشاط في المسيرة السلمية مع الفلسطينيين، وقف البناء في المستوطنات وازالة البؤر الاستيطانية. وعندها، عندما يرى كل العالم هذا "سيضطر الايرانيون ايضا الى النزول عن خطاباتهم الحماسة وتهديداتهم الشريرة". هذا هو!

المقال الثاني هو ثمرة قلم دبلوماسي سابق، د. الون ليئال، الذي أسس "الحركة من اجل السلام الاسرائيلي – السوري". الامر المركزي في مذهبه وفي خطواته  هو اعطاء كل الجولان لسوريا بشار لانه جدي ومحب للسلام، ولكن حكومة اسرائيل تفوت الفرصة كل الوقت. الفكرة المركزية للمقال مزدوجة: اولا، ليئال يعلن "رسميا للسيد الاسد: انت لن تحصل على الجولان، حتى لو بدأت فجأة بالابتسام الينا بلا انقطاع" (بمعنى أن الجولان هو بشكل عام دمية تلقاها ليئال بالوراثة من جده)؛ ثانيا، يقترح على حكومة اسرائيل ان تستوعب مواطنين سوريين يفرون الى هضبة الجولان، واذا كان بشكل مفاجيء "يوافق مواطنون سوريون على الوصول الى الجولان لتلقي مأوى مؤقت، فلعلنا يمكننا أن نغير الاجواء في علاقاتنا مع الشعب السوري لاجيال قادمة".

وأنت تسأل نفسك ما الذي يدفع أ. ب يهوشع لان يقرر بان ايران "ستضطر" الى تغيير استراتيجيتها لانهم بدأوا باخلاء بؤر استيطانية وما شابه، وما الذي يجلب الون ليئال الى التفكير بان "الاجيال القادمة" ستغير موقف الشعب السوري منا؟ أليست هذه سخافة بالعبرية البسيطة، حسب عقلي السليم، أو على الاقل وهم رهيب. برأيي، هذا تشويه فكري خطير للتفكير الرغبوي (wishful thinking)؛ للاعتقاد الحماسي، شبه الديني الذي يعتقد بان ما نفكر به ونرغب في أن نراه كأمر سليم صحيح – يشاركنا فيه الطرف الاخر ايضا، لاننا جميعا بنو بشر. وأنه فقط اذا ما ابتسمنا وكنا جميلين واظهرنا البوادر الطيبة والنية الطيبة، فان الطرف الاخر سيأتي نحونا ويعانقنا؛ وأن فقط ما نؤمن به هو الامر الوحيد الصحيح، ولا يمكن لاي حقائق ان تغيره.

وهذا يجلبني الى نقطة اخرى: عدم الاستعداد البنيوي للاعتراف بالخطأ. الون ليئال أخطأ في الماضي في نهجه من سوريا وبشار، ونحن جميعنا نخطيء. إذن لماذا لا يعترف بالخطأ؟ برأيي، أصحاب الاوهام لن يعترفوا باخطائهم لان هذا يمس بجوهر معتقدهم الصلب كالفولاذ. ومن لا يعترف بالاخطاء فانه لن يجري ابدا حسابا حقيقيا للنفس.

الظاهرة السائدة عندنا هي أن وسائل الاعلام، في قسمها غير الصغير، تمنح بيتا دافئا لاصحاب الاوهام. أحيانا تزرع هي ايضا الاوهام؛ مثلا، قرأت في صحيفة "معاريف" في نهاية الاسبوع الجملة التالية عن نتائج استطلاع: "كتلة اليمين تواصل الاحتفاظ باغلبية طفيفة من 61 – 62 مقعدا مقابل 58 مقدا لكتلة اليسار (بما في ذلك العرب)"؛ بمعنى، السيدة حنين الزعبي مع موفاز!؟ هكذا يبنى واقع وهمي. هكذا تنتج اوهام اخرى لاصحاب الاوهام.

انشر عبر