شريط الأخبار

الورقة الفلسطينية في مهب الريح ..جيهان الحسيني*

06:37 - 01 كانون أول / مارس 2012


لا شك أن "إعلان الدوحة" الذي وقعه أخيراً كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، في حضور أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فتح الباب أمام جدل واسع تناول البعدين الإقليمي والفلسطيني.

على الصعيد الفلسطيني خضع "إعلان الدوحة" لاحتجاجات، إن لم نقل إدانات، بخاصة على الجانب "الحمساوي"، فمن طاعن بقانونيته، إلى مُلمَح بانتهازيته، وإلى متحدث عن مصالح بين القيادات القطرية والفلسطينية الموقعة عليه. ولسان حال البعض أن مشعل أصبح معنياً بدفع استحقاق أو ثمن للساحة التي سيقيم بها (قطر) ومن هنا فإن "إعلان الدوحة" والتغير المفاجئ في موقف حركة "حماس" والقرار الذي اتخذه مشعل بالموافقة على أن يرأس أبو مازن الحكومة الفلسطينية خلال الفترة الانتقالية، رغم معارضة أعضاء بارزين في المكتب السياسي، على رأسهم نائبه موسى أبو مرزوق، يعزز من وجهه نظرهم هذه.  

المتابع  يدرك أن قطر باتت تستخدم الورقة الفلسطينية طمعاً في دور مركزي في المنطقة ولو على حساب مصر. فهي قفزت على ملف المصالحة من دون الالتفات أو الاعتبار لرعاية مصر هذا الملف أو للجهود الذي بذلتها على هذا الصعيد.

واللافت أن الرئيس الفلسطيني في أيلول (سبتمبر) الماضي تنازل عن رئاسة فلسطين للدورة الحالية لمجلس جامعة الدول العربية لصالح قطر رغم أنه كان في أشد الحاجة لهذا المنبر (الجامعة العربية) لدعم توجهه حينذاك إلى الأمم المتحدة للمطالبة بإعلان دولة فلسطين، والجميع أبدى في ذلك الوقت دهشته لهذه الخطوة غير المنطقية.

هنا لا نستطيع أن نستبعد أن هناك بالفعل صفقة من المصالح عقدت بين كل من قطر وعباس، خصوصاً عند متابعة الأحداث التي تلت هذه الخطوة. أولا من خلال رئاسة قطر لهذه الدورة تمكنت عبر هذا العنوان الذي استخدمته أسوأ استخدام من أن تصول وتجول وتتحكم في القرارات الصادرة عن الجامعة وتلعب بشكل لافت في مختلف الملفات التي استباحتها تماماً، وعلى رأسها الملف السوري.

جامعة الدول العربية سلمت الرئيس الفلسطيني 32 مليون دولار، كانت السلطات المصرية صادرته من رئيس حكومة "حماس" إسماعيل هنية أثناء محاولته إدخالها إلى غزة من معبر رفح عقب الانقسام.

وخلال زيارة هنية الأخيرة القاهرة قبل نحو شهرين، أبدى للأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي استياءه وسخطه عندما علم بتسليم المبلغ إلى عباس بموافقة مشعل. عندما نقرأ هذا المشهد ستكون الخيوط اكتملت وأدركنا أن الأمر برمته صفقة بل صفقات وأن كلاً من عباس ومشعل قبلا لدولة قطر باستخدام القضية الفلسطينية كورقة لتحقيق مصالحها. لكن ما الثمن الذي حصل عليه الرجلان؟ وهل الأمر يستحق لدرجة أن يلتف مشعل على أقرانه، ويفاجئهم عشية التوقيع على "إعلان الدوحة" بأنه قرر أن يشغل عباس رئاسة الحكومة المقبلة؟ ربما أن مشعل اعتقد أنه وضع "حماس" أمام الأمر الواقع- كما تردد في الدهاليز- وذلك عندما تعمد إخفاء أجندة لقائه مع عباس لتمرير قراره في الساعات الأخيرة، ظناً منه أن تراجعه سيتسبب في حرج للحركة، ومن ثم فإن المكتب السياسي سيرضخ له، ولكن يبدو أن حسابات الرجل لم تكن دقيقة، فقيادات بارزة في الحركة تشعر بغبن كبير نتيجة لذلك. وأعتقد أننا قد نشهد إرهاصات ذلك قريبا داخل "حماس".

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إلى أي درجة يمكن للمال والمكان معا أن يشكلا عاملا مؤثرا في سياسات الحركة لدرجة قد تمس بثوابتها؟

أعتقد أنه يجب على "حماس" أن تعيد حساباتها، فربما من الأفضل لها كحركة مقاومة أن تعود قيادتها إلى الداخل كما كانت في عهد مؤسسها الشيخ أحمد ياسين حتى لا تكون في جيب أحد، بخاصة أن الظروف الإقليمية الآن مواتية لها باعتبارها فرعا من تنظيم الإخوان المسلمين.

أما بالنسبة للرئيس الفلسطيني محمود عباس فإن اختياره رئيساً للحكومة الفلسطينية المقبلة ليس مقنعاً للفلسطينيين سواء في غزة أو الضفة. فهو على صعيد خيار السلام الذي مازال يتبناه لم يحقق أي تقدم، بل هناك تراجع غير مسبوق في العملية السلمية لدرجة أن البعض أصبح يطلق عليه استسلاما وليس سلاما ورغم ذلك فهو (عباس) خاض أخيرا مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي استجابة لدعوة أردنية، وكما توقع كثيرون فإن هذه الخطوة لم تثمر شيئا، لكنها صبت في صالح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو.

ورغم المخاطر التي تهدد المسجد الأقصى ومشروع تهويد مدينة القدس على وشك الاكتمال، ومع ذلك فإن خيار المقاومة لديه مستبعد بل مستحيل رغم ما نعرفه وما قرأناه منذ نعومة أظافرنا بأن الأقصى يشد له الرحال. والسؤال هو متى وأين وكيف يمكن للفلسطينيين في الضفة الغربية أن يقاوموا؟ قال لي أحد قاطني مدينة رام الله في سخرية: إن من يحلم بالمقاومة يقبض عليه في الصباح متلبساً بجرمه هذا، وأخبرتني سيدة من نابلس أنها بالكاد يمكنها أن تميز بين وحدات فلسطينية في الأمن الوطني تجوب شوارع المدينة نهارا وقوات الجيش الإسرائيلي التي تحل مكانها ليلا. أما بالنسبة لحركة "فتح" والتي كانت مثل الرافعة والعمود الفقري لحركات التحرر الوطني الفلسطيني، فبفضل عباس أصبحت على وشك الانهيار، بعد أن غدت دكاكين بلا قاعدة ولا جمهور وكأنه جاء لتدميرها، فكل الخطوات والإجراءات التي يقوم بها كفيلة بتقويض أركانها، ومن يتابع هذه الخطوات عن كثب يشعر وكأن هناك ثأرا بينه وبين رجال "فتح"، لذلك تراه يعصف بالرجل تلو الآخر ويخوض معارك لتصفية حسابات شخصية معهم لأسباب لا تتعلق بمصالح وطنية على الاطلاق والا لكنا صفقنا له في حينه لأن بعض هؤلاء غير مأسوف عليهم. وبغض النظر عن أن اختيار عباس لرئاسة الحكومة غير دستوري، إلا أنه لم يعد مقبولاً في الساحة الفلسطينية وليس له رصيد شعبي سواء على صعيد حركته التي يرأسها (فتح) أو على صعيد الشارع الذي لم ير في عهده إنجازاً يقرن به، بل يؤخذ عليه تقزيمه للقضية الفلسطينية جراء شخصنته للأمور، غير آبه بموقعه والعنوان الذي يمثله، فلقد بذل مساعي حثيثة من أجل الحصول هو وعائلته على الجنسية الأردنية، ومنذ ذلك الحين أصبح أسيرا لسياسات الأردن، فضلا عن خضوعه أخيرا لبيزنس قطر. ليس بالإمكان توجيه اللوم لأي من الأردن أو قطر لأنهما يعملان لما يحقق مصالحهما، لكن أين المصلحة الفلسطينية؟ وأخيرا ألم يحن الوقت بعد لرياح التغيير أن تهب على هذه المنطقة؟

* صحفية وكاتبه فلسطينية

انشر عبر