شريط الأخبار

هم خائفون- معاريف

01:05 - 29 تموز / فبراير 2012

بقلم: شموئيل هولندر

"رأيتكم في قصر يدكم فتفطر قلبي دمعا"، هذا ما بدأ به الشاعر حاييم نحمان بيالك قصيدته الشهيرة التي كتبت في أعقاب مشاركته في المؤتمر الصهيوني في بازل في العام 1931. قوة هذا القول تنطبق اليوم على الكثير من السياسيين عندنا. فهم يتطلعون بكل عزمهم للوصول الى السلطة، ولكن ما أن ينالوها حتى يخافوا من الحكم. وهم يتحدثون كثيرا عن انعدام قدرة الحكم،  ولكن في حالات عديدة لا يدور الحديث عن عدم قدرة على الحكم، بل على الخوف من الحكم.

في السنوات العديدة التي أديت فيها مهام مناصب رفيعة مختلفة في خدمة الدولة حصل لي أن تحدثت مع سياسيين من كل ألوان الطيف السياسي. يوجد فارق كبير بين ما يفكرون به حقا وما يسمحون لانفسهم بان يقولوه علنا. لا يمكن اتهامهم. فمنتخبونا في أغلبيتهم الساحقة هم أشخاص ذوو نوايا طيبة، ذوو كفاءات كثيرة وبعيدون عن الفساد الشخصي. هم حقا يريدون العمل من أجل الجمهور والدفع بالاجندة السياسية الاقتصادية والاجتماعية التي يتبنون غير أن الكثيرين منهم مفزوعون أكثر من ان يستطيعوا عمل شيء.

ها هي بعض الخطوط لشخصية السياسي الخائف. فهو قلق من التقارير عنه في وسائل الاعلام، وعليه فانه يجتهد للامتناع عن أعمال أو أقوال  تسمح لها بان توجه اليه لسانها اللاذع؛ فهو  غاضب من المحكمة العليا ويعتقد أنه يدخل مجالات ليست له، ولكنه سيصرح بحماسة عن معارضته لكل مس بصلاحياتها وعن "تمسكه بمبادىء الديمقراطية".

كما أنه مقتنع بان مراقب الدولة سار شوطا بعيدا في انتقاده الذي يعض وخلق وضعا من شلل في المنظومات في الخدمة العامة وخاف من اتخاذ القرارات. ولكن علنا سيصرح عن "اهمية مؤسسة رقابة الدولة في الحفاظ على الادارة السليمة"، وان كان في خفاء قلبه يصلي الا تصل الرقابة الى بوابته.

ويتملكه الرعب من الجهاز القضائي خشية لا سمح الله "ان يحيكوا له ملفا"، وبالتالي فانه لن يتجرأ على التصويت ضد موقف النيابة العامة للدولة ووزارة العدل؛ وهو يعتقد بان المستشارين القانونيين في الوزارات الحكومية يغزون مجالات هي من شأن السياسة بوضوح ويكبلون المنتخبين وادارات الوزارات، ولكن عندما يرفع الى الحكومة مشروع قرار للجنة، عينتها هي لتحديد ولاية المستشارين القانونيين، مثل القرارات التي اتخذت بالنسبة لاصحاب المناصب العليا الاخرى في  الوزارات الحكومية، فانه يستسلم دون تحفظ لمطلب الطغمة القضائية. فمن يرغب في التورط معهم؟ يقول لنفسه بصمت.

السياسي يخاف ايضا من المحاسب في الوزارة ومن المرجعية في قسم الميزانيات، ولكنه لن يفكر بالمبادرة الى عمل يأخذ من أيديهما خيوط ادارة شؤون الدولة ونقلها الى الحكومة المنتخبة؛ وهو يشكو من الموظفين الكبار في وزارته ممن برأيه لا ينفذون سياسته، ولكنه يخاف ان يدعوهم الى النظام ويضعهم في مكانهم خشية أن يتوجهوا الى مراقب الدولة أو احدى الجهات التي عينت نفسها حارسة على طهارة الحكم او الى صحفي محقق ما في وسائل الاعلام، فيتهمونه بالفساد السلطوي. واذهب بعد ذلك لتثبت بانه لا توجد لك اخت.

 من ناحية معينة هذا الوضع مريح للسياسي الخائف. اذا سُئل لماذا لم يعمل على دفع هذا الموضوع او ذاك في مجال مسؤوليته، يمكنه أن يشرح بانه لم تكن لديه امكانية. وانه لا توجد قدرة على الحكم. في بواطن قلبه تجده حقا لا يريد أن يحكم. هذا خطير جدا. السياسي الخائف سيقرأ هذا المقال ويوافق، بينه وبين نفسه بانه توجد حقيقة كبيرة في هذه الاقوال. ولكنه ابدا لن يعترف بذلك علنا.

انشر عبر