شريط الأخبار

عاصفة في حماس- نظرة عليا*

11:09 - 27 تشرين أول / فبراير 2012

عاصفة في حماس- نظرة عليا*

بقلم: شلوم بروم

(المضمون: مشكوك أن يكون رد اسرائيل على عملية المصالحة بين حماس وفتح، والذي في مركزه نقل رسالة الى عباس في أنه اذا شكل حكومة اجماع وطني فلن ترى فيه اسرائيل شريك حوار وستفرض عليه عقوبات مالية، ان يكون يخدم المصالح الاسرائيلية مثله كاعمال اخرى كفيلة بان تدفع حماس عائدة الى اذرع ايران وسوريا - المصدر).

"اتفاق الدوحة" في 6 شباط 2012 بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل أثار خلافات حادة داخل قيادة حماس. فقد أزاح الاتفاق عائقا هاما في وجه عملية المصالحة بين المنظمتين بعد أن اتفقتا على ان يكون عباس رئيس حكومة الاجماع الوطني التي ستقام كجزء من العملية. وقد فعل مشعل ذلك دون أن يتلقى موافقة من مؤسسات حماس بدعوى أن الحديث يدور عن خطوة تكتيكية وليس خطوة استراتيجية تستدعي اقرار المكتب السياسي ومجلس الشورى.

خطوة مشعل هذه واجهت معارضة شديدة داخل المنظمة، ومنذ تحقق الاتفاق أعرب العديد من زعماء حماس عن تحفظهم، بما في ذلك علنيا وسعوا الى التنكر له. اكثرهم حدة كان محمود الزهار، من زعماء حماس في غزة الذي اعلن بان مصير اتفاق الدوحة سيكون كمصير اتفاق المصالحة الذي وقع في القاهرة قبل ثلاث سنوات، وذلك لان الاتفاقيين ولدا ميتين. كما أنه ادعى بان الاتفاق يودع كل مراكز القوى في يد عباس وينزع الشرعية عن قيادة حماس. كما طالب بقرار واضح من مؤسسات حماس لان هذا قرار استراتيجي.

على مدى السنين حرصت حماس على خلق صورة جسد موحد تجري فيه عملية اتخاذ القرارات بشكل منظم وموضوعي، خلافا لانعدام النظام والسلوك السلطوي والفاسد لقيادة فتح. منذ التوقيع في ايار 2011 في القاهرة على الاتفاق بين فتح وحماس، والذي بدأ عملية المصالحة الحالية، تجد المنظمة صعوبة في الحفاظ على هذه الصورة وتنشأ فيها شقوق وخلافات حادة في الرأي، تجد تعبيرها علنا. لا يزال قسم كبير من قيادة حماس يشعرون بالحاجة الى طمس خلافات الرأي وعدم نشرها في الخارج، وبالتالي فقد اختاروا الا يظهروا معارضة علنية. امثلة مميزة كانت من جانب نائب مشعل، موسى ابو مرزوق، الذي حبذ عدم الاعراب عن أي موقف علني لا في الرفض ولا في القبول، ورئيس حكومة حماس في غزة، اسماعيل هنية، الذي قال انه يؤيد اتفاق الدوحة ولكن عمليا كل مقربيه في قطاع غزة هاجموا الاتفاق بشدة. ويشمل الخلاف هذه المرة ايضا الذراع العسكري الذي اعرب قائده العسكري الفعلي، احمد الجعبري عن تأييده، العلني ايضا، لمواقف مشعل، بينما القائد الرسمي، محمد ضيف، يؤيد مواقف القيادة المدنية في غزة (الزهار وهنية).

في نهاية المطاف يبدو أن حماس لن تتنكر لاتفاق الدوحة وذلك اساسا بسبب الاثمان التي ستدفعها الحركة لقاء مثل هذا التنكر – انشقاق داخلي، مس بقطر ومس بقيادة المنظمة. وبالفعل، في 22 شباط 2012 عقد في القاهرة لقاء لقيادة حماس اقر فيه اتفاق الدوحة. ولكن خلافات الرأي الحادة هذه واخراجها الى الفضاء يشير الى أن حماس تجتاز مرحلة صعبة من التكيف مع التغييرات في المنطقة في أعقاب الربيع العربي. فقد وجدت حماس نفسها في أعقاب الاحداث في العالم العربي في وضع لم تكن معتادة عليه. في الماضي كانت ترفع علم "المقاومة" لاسرائيل والتي ارتبطت بشركائها في محور "المقاومة" ايران، سوريا وحزب الله وتمتعت بدعم واسع في الشارع العربي. وفجأة وجدت نفسها الى جانب الذين يعتبرون "اشرار". حماس مع ايران وسوريا، اللتين يقمع نظامهما شعبيهما، وهي الى جانب الشيعة ومقربيهم وضد اخوانهم في الرأي – الاخوان المسلمين في سوريا. هذا الوضع لا يطاق من ناحية المنظمة، ولا سيما حين ينطوي صعود الحركات الاسلامية في الدول العربية السنية على فرص عديدة بالنسبة لحماس. الحاجة الى اعادة التموضع تنبع اولا وقبل كل شيء من ناحية جغرافية. فالعناصر المختلفة من ادارة حماس غادرت عمليا دمشق وهم يوزعون وقتهم بين القاهرة والدوحة. كما أن عليهم أن يعيدوا تموضع أنفسهم من ناحية المواقف السياسية تجاه الداخل وتجاه الخارج.

تجاه الداخل انه في الجمهور الفلسطيني ايضا المطلب المركزي هو الوحدة، المزيد من الديمقراطية والانتخابات والمعنى هو وقف الانقسام بين غزة والضفة. حكومة حماس وحكومة فتح تعتبران حكومتين غير شرعيتين لانهما لم تنتخبا، وحماس اضطرت الى الدخول في عملية المصالحة مع فتح، والتي يفترض بالانتخابات ان تكون مرحلة مركزية فيها. تجاه الخارج يتعين على حماس أن تكيف نفسها مع الاجواء الجديدة في العالم العربي والتي في مركزها لا توجد "المقاومة" بل قيم اخرى مثل الديمقراطية، حقق الانسان، الشفافية والعدالة الاجتماعية. كما أنه يتعين على الحركات الاسلامية ايضا ان تتكيف مع جدول الاعمال هذا كي تنجح في الانتخابات وما بعدها، سواء بقلب كامل أم بنصف لسان. لهذا السبب كان مشعل مستعدا، في الاتفاق الذي وقع في القاهرة مع عباس في ايار 2011 للموافقة على سياسة في مركزها استمرار وقف النار مع اسرائيل والاستخدام فقط لـ "المقاومة الشعبية"، أي الاحتجاج غير العنيف. ويؤدي هذا ايضا الى اعادة توجيه علاقات حماس مع مراكز القوى الاقليمية. حماس تبعد نفسها عن ايران وسوريا وتقترب من مصر، قطر، السعودية وتركيا كزعامة المعسكر السُني في الشرق الاوسط.

عند فحص الانقسام بين معارضي اتفاق الدوحة والمؤيدين له، تبرز الى العيان حقيقة أن الانقسام لا ينبع من دوافع ايديولوجية بل هو نتيجة مصالح محلية وشخصية. القول المعروف "ما يُرى من هنا لا يُرى من هناك" صحيح ايضا في هذه الحالة. مثال بارز على ذلك هو هنية والزهار. في مناسبات مختلفة في الماضي أيدا سياسة اكثر اعتدالا من مشعل؛ في هذه الحالة تبادلوا المواقع. فهما يعارضان تعليق الكفاح المسلح وتغيير توجه حماس والابتعاد عن ايران وسوريا (والدليل زيارة هنية الى طهران، والتي حظيت بانتقاد شديد داخل حماس). سبب ذلك واضح. فهما يخشيان من أن تضر تنازلات مشعل في اثناء مسيرة المصالحة بمكانتهما كأصحاب السيطرة في قطاع غزة. مثال آخر هو الجدال داخل الذراع العسكري. الجعبري مقرب من مشعل وعلاقاته معه هي احدى أسس قوته. اما ضيف فمقرب من قيادة حماس في غزة.

يبدو أنه في مسيرة التغيير الذي تمر بها حماس توجد من ناحية اسرائيل فرض أكثر مما توجد مخاطر. أولا، تتعزز مصلحة حماس في الحفاظ على الهدوء بين اسرائيل وقطاع غزة. ثانيا، اسياد حماس الجدد مريحين أكثر لاسرائيل من الاسياد القدامى، واسرائيل يمكنها أن تستعين بهم لممارسة النفوذ على حماس في مجالات مختلفة من سياستها. في المدى الابعد نشأ احتمال في انضمام حماس الى الاجماع الفلسطيني في شأن الحل مع اسرائيل بالوسائل السلمية.

يبدو إذن أن على اسرائيل أن تعيد النظر في سياستها ومساهمتها المحتملة لتشجيع حماس على السير في الاتجاه الذي يقوده مشعل. وهكذا مثلا مشكوك أن يكون رد اسرائيل على عملية المصالحة بين حماس وفتح، والذي في مركزه نقل رسالة الى عباس في أنه اذا شكل حكومة اجماع وطني فلن ترى فيه اسرائيل شريك حوار وستفرض عليه عقوبات مالية، ان يكون يخدم المصالح الاسرائيلية مثله كاعمال اخرى كفيلة بان تدفع حماس عائدة الى اذرع ايران وسوريا.

انشر عبر