شريط الأخبار

الشيخ الأسير وأسرار الزعتر.. ..بقلم : ماهر رجا

11:25 - 24 تموز / فبراير 2012

أمكن لرجل واحد أن يوشك على إشعال انتفاضة في الضفة المحتلة..

خضر عدنان، رجل يعتقد نفسه عادياً.. يبيع الزعتر لكنه في عيون الشعب الفلسطيني بطل أسطوري استطاع بسلاح لا يرى، أن ينتصر على إرادة العدو، فيكسر فولاذية الاعتقال الإداري، ويحرك الشارع الفلسطيني نحو إرهاصات انتفاضة، تنبه لها الصهاينة والمتضررون في أماكن أخرى، فسارعوا إلى البحث عن مخرج...

خلال ستة وستين يوماً كنا نأكل ، وكان العالم يأكل، فببساطة تقول القاعدة "كُل كي تعيش". لكن خضر عدنان، الشيخ القيادي في حركة الجهاد الإسلامي غير المعادلة: لا تأكل من كف سجانك فتعيش. وقد تعيش في كل الأحوال لكنك لن تحيا.

واجه الشيخ في كل لحظة خطر الموت الفوري. لم تسجل ذاكرة العالم أن هناك من استطاع أن يعيش بعد ستة وستين يوماً من الإضراب عن الطعام.. بوبي ساندرز الأيرلندي مات في سجنه في وقت أقل.. لكن مهلاً!! عن أي موت كانوا يتحدثون، وما  الذي يعنيه ذلك لرجل تقول عقيدته إنه لا يخسر المؤمنون الصادقون أمام الموت؟.

بسلاحه الشبحي، ومعدته في قبضة الملح، يصارع الوقت بقسمات نحيلة هادئة في المشفى أو السجن – المشفى في صفد.. ينظر، مغمض العينين، إلى مطر شاسع وراء الجدران في حقول الجليل، فيرى ربيعاً فلسطينياً قادماً ، فيه أعواد الحنطة أغزر من ذي قبل.. وتصبح في المخيلة أكثر امتلاءً وانحناءً بأرغفتها الكامنة كلما هز الجوع مطرقته على جدران الأمعاء الخاوية.

في الليل حين يأتي الجنود ليقيدوا جسده بالسلاسل. يبتسم، خوفهم أكبر منهم، وهو يعرف أنهم ينتظرون أن يخسر الجسد المعركة، لكن خضر لم يكن يراهم، كان مشغولاً بإحكام سلاسل أصلب من الفولاذ حول جسد الجوع.. لم يخف واستلقى مصغياً خارج أصوات الدنيا لصوت سحابي عميق :"أَلا إِنَّ أوْليَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلا هُم يَحزَنُونَ". وحين خوفوه بأنه خسر أكثر من 30 كيلوغراماً من وزنه،  لم يجب.. ابتسم أيضاً، وكان في الابتسامة صوت واضح: أنا أخسر سجني وقيدي..

رفض الصهاينة لوقت طويل السماح لأمه ووالده وزوجته بزيارة واحدة، لكنهم وحين أعيتهم السبل، فكروا بأن الزيارة تلك قد تؤثر على معنويات الأسير وتلين من عريكة روحه حين يرى الألم لحاله على وجوه أحبابه...

في الطريق كانت الرحلة إلى صفد قاسية .. انتظر الأهل لثلاث ساعات على حاجز الجلمة.. تعرضوا لتفتيش دقيق، سلكوا طرقات متشعبة بين الأسئلة والنظرات والريب والمضايقات.

-         زيارة للسجين رقم..

تصل القلوب قبل الأقدام إلى الغرفة المحاطة بالبنادق والعيون المتفحصة. يستعد الأهل للحظة الصعبة . تتداخل الاحتمالات وتتعدد عن الصورة التي تنتظرهم وراء الباب..

لكنْ على فراشه الذي صُفد بالسلاسل في المشفى، شاهد أهله جبلاً.. أمه قالت:"وجدنا الشيخ كما عودنا دائماً صامداً وشامخ الإرادة، لقد شحننا معنوياً كما العادة بإيمانه العميق ورسالته النبيلة، حتى أنه أخذ يُصبرنا على حاله، وطلب منا ألا ننحني أمام أي عروض أو صفقات لتخليصه"..وفوق ذلك، كانت الروح أصفى ، حتى أن الشيخ خضر عدنان رمى ببعض النكات وهو يشد من أزر والديه.

##

في زمن الكروش السياسية النافرة ، يعيد الشيخ خضر الاعتبار إلى الصوم المقاتل، الصوم عن بدع السياسة، والسياحة في لغة البدائل الرائجة هذه الأيام، والصوم عن أحلام السلطة والانتخابات والمجالس التشريعية  ..الصوم عن براعة الأقوال وغوايات الغنائم.

في زمن الموائد السياسية،  زمن من يهبطون إلى موائد الإسرائيليين ويقولون لهم إن خبزنا واحد وسماءنا واحدة، ثمة بائع زعتر في جنين، مائدته الزعتر الممتد على اتساع براري فلسطين العفوية المنتظرة.. وقد أرعبت حريته الصهاينة.. أرعبهم أنه يخبر أطفال الضفة بوعود العاصفة ، وربما أرعبهم زعتره أيضاً بوصفه شديد الشبه بالأخضر في العلم الفلسطيني حين يكون الاخضرار مصطبغاً بدم الشهيد.. وهكذا كان لا بد أن يعتقل ، فهو يشكل خطراً على الرواية الراهنة، الرواية التي يجري تصنيعها في فضاء السلام السكوني العاري.. وكي تكتمل المفارقة، يحدث ذلك في بلاد السلطة التي لا سلطة لها..ثم يبدأ الشيخ معركته وحيداً،  لأن الثوار غرباء عادة ووحيدون.

بسالة الشيخ المجاهد خضر عدنان في بساطته.. في حكايته البسيطة، أو بكلمة أدق في قدرته على إعادة المعادلة إلى حسابها البسيط وفكرتها الأولى: الإيمان والإرادة لا يهزمان. لقد فعل ذلك ببساطة، وهو ، على نحو ما، كان في إضرابه وأيامه الستة والستين رجلاً واحداً يقدم بلا ثمن قوة المثال عن طبائع الصخور لأولئك الذين  مازالوا يتفاخرون بأنهم أول من جلب إلى الساحة الفلسطينية مستحضرات المرونة السياسية والواقعية الدبلوماسية و"بسالة" الانحناء أمام العاصفة، ومهارات القفز بين الخرائط والمواقف بوصفها ذكاءً وبطولة في التدبير.

لم تقم الدنيا بكل هيئاتها من أجل خضر عدنان وحريته، على الأقل كما حدث مع جلعاد شاليط، فأسرانا أشباح في عيون هذا العالم. على أن الشيخ القادم من سلالة البنادق مع سرايا من المحاربين، انتزع حريته وحده،  ثم كتب في اليوميات معالم الدرس والخارطة.. وهكذا لم تكن الخاتمة إسرائيلية مرة أخرى، ففي الحكاية ستكفي دائماً شتلة زعتر واحدة تطير من وراء القضبان لوضع تصور آخر للنهاية.

انشر عبر