شريط الأخبار

ما بين بوبي ساندس ومارتن هورسن أسطورة خضر عدنان

08:18 - 20 حزيران / فبراير 2012

الكاتب: برهان السعدي كنت حينها في معتقل طولكرم، حيث نقلتنا إدارة السجون الإسرائيلية من بئر السبع الذي عشقنا جدرانه، وذلك يوم الاثنين الموافق 13/3/1978م. وربما يستغرب القارئ من دقة التوثيق الذي حفر في الذاكرة منذ ذلك الزمن السحيق، والسب هو ارتباطه بعملية بطولية ذات بعد سياسي واستراتيجي، ردا على زيارة السادات للقدس والكنيست، وهذه العملية البطولية ارتبطت في أذهان الفلسطينيين بعملية دلال المغربي، زيتونة الشاطئ، والتي كانت يوم السبت بتاريخ 11/3/1978م.

كنا نتابع ونراقب أخبار حركات التحرر العالمية، ثوارها وقاداتها ومعتقليها وإضراباتها، فإذا بالمناضل بوبي ساندس الإيرلندي الشمالي والذي انتخب عضوا في البرلمان يبدأ إضرابا عن الطعام المفتوح من سجنه على يد البريطانيين، مطالبا الاعتراف السياسي بحركتهم التحررية، ليلحق به بعد عشرة أيام رفيقا آخر على دربه، تم آخر وهكذا دواليك، على أن يكون الفاصل الزمني في ركب مسيرة الإضراب عن الطعام مدة عشرة أيام.

والقانون البريطاني لا يمنع الانتحار، وهذا يعني أنه لن تتم تغذية إجبارية من خلال الزُّندة إلى المعدة عبر الفم أو الأنف، أو بواسطة كأس حليب أو عبر الوريد " الجلوكوز"، بمعنى أن الإضراب نتيجته فقط استجابة بريطانيا إلى مطالبهم السياسية أو الموت، ورغم ذلك لم يتردد أي من هؤلاء الأبطال ولو للحظة عن مواصلة إضرابهم.

ولم يكن يقدر البطل المضرب منهم الاستلقاء على فراش أو سرير، حيث يبدأ تشقق الجسد بعد الأسبوع الخامس والسادس، فكان المستشفى يضع أجسادهم على فرشة ماء، ويأتي رجل الدين المسيحي من الكنيسة ليقنعهم عن العدول عن الإضراب، ولإجراء الطقوس الدينية بعد استشهاد البطل منهم، والذي يعتبره رجل الكنيسة موتا، فكان استشهاد البطل بوبي ساندس، الذي لم يصل إضرابه مدة خمسين يوما.

وكان مارتن هورسن وكلفن أبطالا لحقوا في موكب القائد البطل بوبي ساندس. وهنا كانت أسطورة الأم المثالية، أم المناضل مارتن هورسن، التي كانت تقف بجانبه ترقب لحظة استشهاده، وكان قبالتها رجل الكنيسة يحاول ترغيب مارتن هورسن بالحياة، وتنفيره من الموت، خاصة أن الثوار الايرلنديين ماركسيون، بمعنى أنهم لا يؤمنون بالكنيسة كدين أو غيرها، فكاد أن يتردد، ويقبل بالحياة، فما كان من الأم العظيمة سوى أن تذكر ابنها الذي يفصله عن الموت شرب كأس حليب، فقالت لابنها: يا مارتن!! إن روح بوبي ساندس تنتظرك في السماء، فتذكر مارتن هورسن مبادئه وهدفه ورفيق دربه وصديقه بوبي ساندس، فما كان منه إلا أن زاد تصميما على مواصلة معركته لتبقى روحه وأرواح رفاق دربه في معركة الحرية، معركة الأمعاء سياطا تنال من كل البريطانيين الذين لم يشكلوا ضاغطا على حكومتهم لوقف استعمارها لذلك الشعب الذي حمل لواء تحرره هؤلاء الأبطال.

واليوم نحن مع وقفة عظيمة، لقائد عظيم، يمثل فلسطين الشموخ والفخار في زمن ساد فيه الخنوع والاندحار، إنه الأسير البطل والشيخ المجاهد عدنان خضر، الذي ضرب رقما قياسيا في أيام إضرابه، هذا الشامخ كالجرمق في فضاء فلسطين، تعانقه كل القيم والمثل، ويشكل أنموذج التحدي والإصرار، تماما كما يشكل التحدي والنبل والقائد الحكيم والمسؤول، فكلما قطع يوما في معركته ضد الصهاينة المجرمين يزداد حسا بمسؤوليته تجاه شعبه وحركته الأسيرة، وتصميما على مواجهة المحتل الغاشم، الذي ل يعرف من الحياة غير العنجهية وكسر القوانين وممارسة كل قتل لمعاني الإنسانية، لا تخرج بمضمونها عن ذلك الطبيب اليهودي المعتوه في فرنسا، والذي يرفع قضية في المحاكم الفرنسية لتبرئة جنود الاحتلال من دم الطفل البريء محمد الدرة، الذي امتزجت دماؤه الطاهرة مع تراب فلسطين، على مرأى العالم كله، فكان مجرد ذكر اسمه تأكيدا على جرم الجندي الإسرائيلي، وجرم الاحتلال، وجرم أعوانه في البيت الأبيض الأمريكي أو غيره.

وتتجلى عظمة الشيخ المجاهد عدنان خضر، في زيارة والده وزوجته وطفلتيه له، وهو مستلق على سريره ومقيد اليد والرجل بكلبشات بسريره ، فخاطبه والده الشيخ الجليل بمشاعر الأبوة، يا أبت لقد أديت الرسالة ووصل صوتك لكل رحاب المعمورة، أما آن لك فك إضرابك، فابتسم صاحب الجسد الضامر المقيد الملقى على سرير المستشفى، وهو يجتاز الستين يوما في لإضرابه عن الطعام، مؤكدا حسه المسؤول، بلهجة الواثق بالنصر، والمؤمن بالله، قائلا: لا يا والدي، لو فككت إضرابي اليوم لكان كسرا وهزيمة للحركة الأسيرة التي أمثلها. يا الله يا الله!! يقول هذه الكلمات وطفلته الصغيرة تحتضنه، والطفلة الأخرى ترمقه بنظرات بين مصدقة وغير مصدقة، أهذا حقا والدها، والذي يؤكد لها حقيقة أنه والدها صوته المدوي في أعماق نفسها، الحامل كل معاني الحب والمشاعر الإنسانية النبيلة.

أقف هنا موقف المراقب والمحلل بين موقفين، أم مارتن هورسن ووالد الشيخ عدنان خضر، وبين المناضل مارتن هورسن والمجاهد الشيخ عدنان خضر، فأرى أن كلمات والد المناضل عدنان لم تكن من ضعف، إنما هي رسالة لابنه، فإذا أراد من إضرابه إيصال رسالة عن همجية وظلم الاحتلال وكسره القوانين والمواثيق الدولية، فقد بلغت الرسالة يا ولدي، وعندما رأى أن هدف ابنه ما زال قائما تركه وشأنه داعيا له بالتوفيق والنجاح والنصر، مدركا من عمق إيمانه أن الموت حق، لا يقربه دخول حرب أو عدم دخول معركة، فالأجل محدود لا يقربه أو يبعده احتراس أو عدمه، لكن الفارق بين المناضلين الايرلندي والفلسطيني، فكلاهما إنسان يحب الحياة ويعيش الحب والأمل، وكلاهما يؤمن بقضية ولديه استعداد للشهادة من أجل ما يؤمن، وتردد مارتن هورسن هو سمة إنسانية، وليس ضعفا، أما الفلسطيني عدنان فهو يعيش كل معاني الإنسانية، لكنها مصقولة بوعيه الديني، وإيمانه أن الحياة بكرامة جميلة، والحفاظ على عزة الإنسان وتحرره من ظلم عدوه بحاجة إلى تضحية، وأن الموت ليس نهاية المطاف، إنما هو مدخل لحياة خالدة في جنات الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء، وهذا الأمر الذي يشكل محفزا للبطل عدنان في إضرابه العظيم.

ويحق لي أن استذكر هنا ما كتبه صحفي غربي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي،" كنا نقول أن الفيتناميين يقاتلون كالأبطال، والآن نقول أن الأبطال يقاتلون كالفلسطينيين"، وهذا كما كان منطبقا على مقاتلي الثورة الفلسطينية في الجنوب اللبناني وبيروت في مواجهاتهم الجريئة لقوات الغزو الإسرائيلي، ينطبق تماما اليوم على القائد البطل عدنان خضر، الذي أعاد بوصلة الحركة الأسيرة لوجهتها الصحيحة، وأعاد الوعي الفلسطيني كحالة جماهيرية معاشة، رغم عوامل الإحباط المتزاحمة والهابطة لترسو في النفسية الفلسطينية من خلال عباقرة وأساطين التعامل الذكي مع الرموت كنترول بأبعادها السيكولوجية والسيولوجية، والتي حطمها عدنان بأمعائه الخاوية.
انشر عبر