شريط الأخبار

لماذا لا يتدخل العالم.. معاريف

12:04 - 03 تشرين أول / فبراير 2012

بقلم: نداف ايال

(المضمون: العالم لا يتدخل في سوريا رغم ما يحدث لان اللعبة هي لعبة المصالح الباردة وسوريا موجودة في المنتصف - المصدر).

لان الحرب في سوريا قد تتحول الى حرب اقليمية وتجر ايران واسرائيل الى داخلها، تتحول سوريا في الاسابيع الاخيرة الى المكان الاكثر دموية في تاريخ الربيع العربي القصير. ليس هناك مكان للمقارنة طبعا بين القمع المصري وبين القبضة الفولاذية الجمودية لعائلة الاسد. ولكن المقارنة مع انظمة اقل تنورا كاليمني او حتى الليبي تظهر انتصارا سوريا ساحقا في مجال القسوة والوحشية. رسميا حصدت الانتفاضة السورية ارواح سبعة الاف شخص اغلبيتهم من المدنيين – وفقا لمعطيات المعارضة السورية ومنظمات حقوق الانسان. ولكن التقديرات هي أن هذا طرف كتلة الجليد. في الحرب المدنية الليبية قتل عشرات الاف المقاتلين والمدنيين ولكن هذا الرقم نهائي بعد انتهاء الحرب. اما في سوريا فمن المثير أن نعرف عدد الهياكل التي تخفيها عائلة الاسد في ارض سوريا المروية بالدماء.

الانتفاضة السورية هي ايضا الانتفاضة الاطول من بين محاولات اسقاط النظام خلال الربيع العربي. السوريون يحاولون اسقاط احدى الدكتاتوريات الاكثر ظلامية في العالم منذ عشرة اشهر وهم يفعلون ذلك مع بعض الاعلام بينما يساعد النظام الايراني بكافة موارده لاسقاط التمرد.

مرة تلو الاخرى يصرح قادة العالم عن انتهاء دور بشار الاسد التاريخي. هم يقولون ذلك ليس من منطلق الايمان وانما هي حرب اعصاب اعلامية. يقولونها حتى يشجعوا الانتفاضة ضده وحتى يضعفونه. عندما يقول الناطق بلسان البيت الابيض هذا الاسبوع عن الاسد انه "سيغادر" فهذا ليس كشفا لمعلومات استخبارية سرية عن وجود نية كهذه لدى عائلة الاسد. هذه العوبة نفسة.

ولكن الغرب سيفكر اكثر من مرتين قبل أن يقرر التدخل العسكري في سوريا وهذا لا يرتبط فقط بالفيتو الروسي. هذا يرتبط بعبارة يرددها الفرنسيون والامريكيون والبريطانيون: سوريا ليست ليبيا. هم ليسوا متوجهين نحو مصالحهم في مجال الطاقة فهذه مسألة لا يتحدثون عنها علانية. هم يلمحون لمشكلة اخرى اشد خطورة وهي قدرة النظام السوري الفعالة بتوريط الشرق الاوسط كله في حرب شاملة. ليبيا القذافي كانت دولة معزولة مع تحالفات ضعيفة، اما سوريا فهي ركن المحور الايراني في الشرق الاوسط – ومن الاكثر صحة القول، المحور الشيعي. الاقلية العلوية قريبة جدا من الفلسفة الشيعية. وهذا المحور يمتد من ايران عبر سوريا وصولا الى حزب الله في لبنان. كسر الحكم العلوي يشكل خطرا على مكانة طهران في المنطقة ويغير تماما الصورة الاستراتيجية الاقليمية. الايرانيون يدركون ذلك كذلك حزب الله وهم ايضا يدركون جيدا ان الصراع المسلح ضد الائتلاف الغربي (والمسيحي) اكثر نجاعة من قتل المسلمين في شوارع دمشق. تهديدات الاسد باشعال المنطقة نقلت من خلال عدة قنوات للولاياته المتحدة وقد نجحت. وهذا من دون الروس ايضا.

بسبب ائتلاف الحكم الفردي

في العهد السياسي الحالي تنقسم الدول الى معسكرين واضحين. العاب التمثيل والتنكر انتهت وهكذا ايضا العاب الكلمات. الولايات المتحدة لم تعد ترغب او انها لا تستطيع أن تسمح لنفسها بتأييد حكام الانظمة الفردية. اوباما قائد واقعي ولذلك هو ليس معنيا – خلافا لجورج بوش – بدمقرطة العالم العربي، وها هو يضطر الان لتبني حملة سلفه الصليبية. اوباما كان قد اوضح في بداية عهده بان امريكا لن تتدخل في طريقة الحكم في الدول الاجنبية. ولكن الذراع الذي زرعه حكم بوش في العالم العربي في سياق ذلك من خلال ميزانيات هائلة حولت للمؤسسات الاهلية قد بدأت تطل برأسها. هذا كان ذراع الثورات.

امريكا تدرك ان عليها ان تدعم هذه الانتفاضات. مع العض على الشفاه. الامريكيون يدركون بالضبط مثل الاسرائيليين ان معنى ذلك قد يكون وصول انظمة اسلامية غير مريحة للحكم. من الناحية الاخرى هم يشعرون ان هذه موجة تاريخية لا مفر منها. مراهنتهم قد أتت اكلها حتى الان على الاقل بالنسبة لهم. في ميدان التحرير لم تصرخ الحناجر "الموت لامريكا". في شوارع دمشق يتمنون التدخل الامريكي. ليبيا تحولت الى منطقة نفوذ غربية على الاقل في الوقت الحالي. امريكا اجتازت الربيع العربي من دون ان تدفع ثمن تأييدها المديد للدكتاتوريات الوحشية. هذه كانت خطوة ناجحة جدا للدبلوماسية والعلاقات العامة بالنسبة لواشنطن. وحال البريطانيين والفرنسيين كحال الامريكيين. هم يدركون ان عهد الحكم "من الاعلى" في العالم العربي قد انتهى.

ولكن ما يتحدثون عنه لدرجة اقل هو المعسكر الثاني. معسكر شديد القوة وآخذ في زيادة التنسيق والانسجام والاتساع في العالم العربي. هذا النادي المريب من ائتلاف انظمة الحكم الفردية. بامكانك ان تجد بينهم دكتاتوريات متعطشة للدماء كالاسد، ولكن ايضا حكاما يتبعون بعض الحرية في بلادهم مثل فلاديمير بوتين. دول تحكمها احزاب وطغم ايديولوجية كالصين وكذلك نزعة شعبوية ذات رونق فاشي كفنزويلا شافيز. وهناك ايضا الدول الاستبدادية مثل ايران واحمدي نجاد.

في الصين عندما بدأت الانتفاضة في تونس قامت السلطات بحذف كلمة "ياسمين" (رمز الثورة) من الشبكات الاجتماعية. كوريا الشمالية لم تسمح لموظفيها بالعودة من ليبيا المحررة حتى لا يحدث المواطنين عن انقلاب شعبي يمكنه أن يحدث. هذه الدول كلها تجمع بين الشعارات المناهضة للرأسمالية وبين الهزل السياسي المنفلت. هي تتحدث عن الحاجة لتقييد التدخل الدولي في شؤون الدول الداخلية، وعن شرعية العمل العسكري ولكنها في الواقع مسألة بسيطة: تكريس الحكم الفردي. منع التغير الديمقراطي. ان حدث انقلاب في سوريا فيمكنه أن يحدث ايضا في روسيا وفي طهران. وصمة الدكتاتورية تشتعل فوق رؤوس هؤلاء القادة. هم خائفون. وهم ينجحون في احباط كل قرار قد يقود الى تدخل عسكري في سوريا في الوقت الحاضر.

ولان سوريا لا تمتلك ما يكفي من النفط والغاز

ما هو الفرق الحقيقي بين ليبيا وسوريا؟ حتى ندرك الفرق يجدر بنا ان نعود الى حكاية سقوط طرابلس. القذافي حسم مصيره عندما تحدث علانية عن قتل ابناء شعبه وفعل ذلك على ارض الواقع. من قائد يحظى بالشرعية وان كان مهووسا تحول الى منبوذ في نظر الغرب.

هذه الخطيئة حولته الى عبء على المصالح الغربية في ليبيا. رئيس الحكومة البريطاني او الرئيس الامريكي لم يكونوا قادرين والحالة هذه على غض الطرف عن مثل هذه الافعال. الان هي بنا نفترض انهم كانوا ليكتفوا بالشجب والاستنكار وقطع العلاقات وفرض الحصار. وان القذافي كان وفق الفرضية سينتصر على المتمردين. النتيجة المفترضة: ان ليبيا بكل حقولها النفطية والغازية كانت ستعزز العلاقات مع روسيا وفنزويلا وربما ايران. وهكذا سيخسر الغرب كل نفطه وتنشأ قاعدة قوية مناهضة له (ومجنونة) على شواطيء البحر المتوسط.

ليست هناك معضلة كهذه في سوريا. سوريا لا تبيع أي شيء يحتاجه العالم. نبذ بشار الاسد لن يقود الى خسائر ملموسة بالنسبة للغرب. وليس هناك دوري مقدس مليء بالنفط يمكن الفوز به. هناك بالتأكيد مخاطر هائلة تحدق بالاستقرار الاقليمي. لو كان الاسد قد قمع التمرد السوري كليا بيد من حديد فهل ستكون سوريا ما بعد ذلك اكثر سوءا من سوريا ما قبل الانتفاضة؟ الرد هو لا على ما يبدو. وبعد كل ما قيل هناك احتمالية رغم ذلك لحدوث تدخل عسكري وان كانت ضعيفة. هي ستجري بعد حدوث عملية أسدية دموية وقتل جماعي بحيث لا يمكن للنظام الروسي حتى ان يقف ازاءه مكتوف اليدين. وبطبيعة الحال ان وعد الروس بثمن جميل. وهنا عندما نحاول متابعة التحرك الروسي يتوجب فقط ان ننقل ما قاله ونستون تشرتشل ازاء محاولته فهم السياسة الروسية: "هذه احجية مغلفة بالغموض. ولكن من المحتمل ان يكون هناك مفتاح والمفتاح هو المصلحة القومية الروسية".

انشر عبر