شريط الأخبار

لا يخرجون من بنت جبيل.. يديعوت

12:02 - 03 تموز / فبراير 2012

بقلم: عاموس شبيط

(المضمون: في حرب لبنان الثانية دُفعت سرية عوريف من لواء غولاني الى حصار في بلدة بنت جبيل وأُصيبت بنيران قوات اسرائيلية ووقعت فيها اصابات شديدة. سُرح الجنود منذ زمن من الجيش لكن الكوابيس والمخاوف ظلت تلازمهم - المصدر).

قبل بضعة اشهر ذهب حين كلفا ليشاهد فيلما مع صديقته بعنوان "في الطريق الى الزواج، نقف في بانكوك" في دار سينما في المدينة التي يسكنها ريشون لتسيون. في اثناء المشاهدة تعب، وأُغمضت عيناه ونام آخر الامر. وقد أمضى مقاطع طويلة من الفيلم في نوم لذيذ الى ان دخل الابطال المشرب وبدأت تُسمع طلقات نارية.

"فجأة"، يقول، "انتبهت من نوم عميق قائما على رجلي ووقفت مذعورا في وسط القاعة. خفق قلبي وتنفست بصورة غير معتادة وبحلقت في الشاشة. أمسكت صديقتي بيدي وهمست: "إجلس أنت تقوم بأمور مخجلة. وهي لم تفهم أنني في فيلم مختلف تماما. شعرت بأنني أحمق".

سُرح كلفا من الجيش الاسرائيلي قبل اربع سنين وقد أمضى خدمته العسكرية التي بدأت في آذار 2005 في سرية عوريف وهي واحدة من ثلاث سرايا كتيبة استطلاع غولاني. وأنهى المسار مع رفاقه في أيار 2006 قبل وقت قصير من اختطاف جلعاد شليط. على أثر الاختطاف نُقل جنود عوريف من نابلس الى غزة، وحينما نشبت حرب لبنان الثانية توجهوا الى لبنان. وهناك تغيرت حياتهم وهم محاصرون في بيت في بنت جبيل. وقد سُرحوا من الخدمة العسكرية منذ زمن لكنهم ما يزالون بعيدين عن ان يتحرروا من الندوب والخدوش والذكريات الصعبة التي تركتها فيهم صدمة لبنان. "نحن الفريق الذي مر بأكبر عدد من المواجهات العسكرية في تاريخ الجيش الاسرائيلي"، يقول كلفا. "وقد انتهى كل دخول لنا الى الميدان، في غزة في الأكثر الى صدام وجروح".

يتلقى محاربو السرية السابقون في الشهور الاخيرة مساعدة من جمعية "من اجل الغد"، التي جعلت هدفها ان تساعد جنودا مسرحين يجرون خلفهم ندوبا نفسية، من جهة نفسية. وفي اطار العلاقة بالجمعية خرجوا في الفترة الاخيرة الى رحلة علاجية في جبال طوروس جنوب تركيا، ورحلة سيارات جيب ذات تجارب شعورية كثيرة ترمي الى اغراق الذكريات عميقا في ماء النهر. "استمرت الرحلة خمسة ايام"، تقول اورلي هيشكوفيتس من يفنه، وهي الموظفة في السرية التي صاحبت المقاتلين في الخدمة وما زالت تلازمهم. "كانت لنا في الصباح نشاطات مختلفة ومررنا كل مساء بعلاج جماعي. وكانت في آخر يوم محادثة مدهشة فقد انفتح الجميع فجأة وبدأوا يتحدثون عن كوابيسهم. أُصبت بصدمة. كان ذلك نوعا من التحرر النفسي".

انضممت اليهم قبل بضعة اسابيع للعلاج الجماعي الاخير الذي تم في رعنانا. وكان اللقاء يرمي الى ان يكون تلخيصا للمسيرة، لكنه منح المقاتلين السابقين فرصة اخرى للعودة الى الوراء، الى الخدمة العسكرية. "أتذكر أول عطلة لي من لبنان"، تحدث في اثناء المساء غال كوهين – سوليل من كيبوتس رفيفيم. "تأتي الى الكيبوتس ويتبين لك جمع غفير من المتطوعات على شاطيء البركة، يجلس الجميع في تلذذ وتحاول ان تحدثهم شيئا ما عما يحدث في لبنان لكنك تسمع آنذاك قولهم هل جئت تفسد علينا لذتنا؟.

"وبعد بضع مرات تسمع فيها هذا، تفضل البقاء في الغرفة أمام التلفاز وتريد ان تعود الى رفاقك الموجودين في لبنان لأنه يوجد هناك على الأقل ناس يفهمون ما الذي تتحدث عنه".

من الذين تقاتلهم؟

يوم الاحد الثالث والعشرون من تموز 2006 في الليل. يتلقى محاربو عوريف – غولاني أمرا بدخول لبنان والتحرك صوب بلدة بنت جبيل في اطار عملية "خيوط الفولاذ" في حرب لبنان الثانية. وكانت البلدة التي تقع على اربعة كيلومترات شمالي اسرائيل تعتبر آنذاك "عاصمة حزب الله" – وأكبر حصن للمنظمة في جنوب لبنان.

اعتبر تطهير بنت جبيل واحدة من أشد المعارك في الحرب. وقد مُنح المقاتلون والقادة الذين شاركوا فيه 16 وسام شجاعة. وأُعطي 12 منها لرجال الكتيبة 51 من غولاني الذين غزو البلدة وفقدوا ثمانية رفاق منهم الرائد روعي كلاين الذي حصل على وسام الشجاعة لأنه انبطح على قنبلة يدوية وأنقذ جنوده.

"وصلنا الى مدخل بنت جبيل في يوم الاثنين في السادسة صباحا"، يقول يشاي غرين من عين تسوريم الذي كان آنذاك ملازما أول، "واتخذ قرار على عدم الاستمرار في التحرك في وضح النهار. واستقر الرأي على ان ندخل أول بيت نراه. وفي ذلك الوقت بالضبط نقلت قوة من أغوز من الميدان ضابطا أصيب منها. ولما كنا قد دخلنا بيتا ونحن ما نزال نطلق النار فقد اعتقد جنود أغوز الذين ساروا في الوادي المجاور أن اطلاقنا هو اطلاق مخربين. فحطوا فورا النقالة التي استلقى عليها الضابط وبدأوا يطلقون النار علينا. وتعقد الامر أكثر فأكثر بعد ان خرج اثنان من فريقنا من البيت وبدأوا رشق طلقات في كل اتجاه".

صورت طائرة صغيرة بلا طيار صاحبت مقاتلي أغوز الاثنين اللذين خرجا من البيت. ووقع خطأ حاسم في حل أسرار الصورة فقد اعتقدوا في الجيش الاسرائيلي ان محاربي غولاني الاثنين هما من رجال حزب الله، فاستقر الامر على أثر ذلك على نقل مروحية حربية الى المكان تقصف البيت. يقول دماتي "أطلق جنود أغوز النار علينا وبعد ذلك أصابنا صاروخ داخل البيت، كنا على ثقة طوال الوقت بأن هذا اطلاق مخربين. كنا قد خرجنا توا من غزة واعتقدنا ان حزب الله يملك هذه القوة. وتوسلنا لاجهزة الاتصال ان يرسلوا الينا مروحية هجومية كي تساعدنا لكنهم قالوا لنا انها مشغولة".

يتحدث حين ميارا من بلدة رفيا قائلا: "لم أدخل معهم الى لبنان بل كنت في الخارج، رأيت فجأة في "الجزيرة" المروحية التي اصابت البيت. فاعتقدت انه قضي على الرفاق جميعا. أتذكرهم وهم يخرجون من هناك وكلهم تنبعث منهم رائحة الدم، وآنذاك حدثني دامتي عما وقع هناك. قال لي: كنا مثل سمك السردين. ولم يكن لدينا خيار رد. حططنا هناك كل السلاح وأطلقنا النار في جميع الاتجاهات ولم نعرف ما حالنا".

من بين الجنود الـ 16 الذين مكثوا في البيت في ذلك الوقت أصيب 12 منهم برتب مختلفة. وقد عُرف واحد منهم هو الملازم الاول غولدنبرغ بأنه جريح ذو اصابة شديدة جدا وأصبح بعد ذلك في وضع موت سريري. وبعد ان تبين الخطأ أُرسلت ثلاث دبابات لتخليص القوة الجريحة. وفي اثناء النقل من الميدان قُتل اثنان من جنود الدبابات بصواريخ مضادة للدبابات لحزب الله. وقد مكث في دباباتهم في ذلك الوقت محاربو عوريف – غولاني نازفين ومبلبلين ومذعورين.

هم الآن في رعنانا في شقة الدكتور روني سيمونس، وهو خبير نفسي كبير مختص بالصدمات النفسية صاحبهم في رحلة العلاج في تركيا. في اثناء الرحلة جلسوا معا وتحدثوا عما جرى لهم في ذلك البيت في لبنان. وهم الآن معا مرة اخرى، عشرون محاربا وموظفة سرية واحدة. وهم يقوي بعضهم بعضا مرة اخرى وينظرون مرة اخرى في صور الطائرة الصغيرة بلا طيار التي صورت غولدنبرغ ودامتي من خارج البيت ويُتبلون الذكريات الصعبة مرة اخرى بالفكاهة، "لأن هذه طريقتنا لتنقيح ما حدث هناك"، يقول اليعيزر فاينشتاين من كيبوتس روش تسوريم وهو اليوم طالب جامعي لعلم الأحياء في الجامعة العبرية.

حينما أصاب الصاروخ البيت في بنت جبيل كان في الطابق الثاني ولم يصب لحسن حظه. ويقول الآن "اتفق لي في عيد المساخر في السنة الماضية ان أحرس الكيبوتس. أتذكر وأنا أسير على الشارع المظلم وفجأة رمى ولد شيئا ما متفجرا. وفي ثانية واحدة أمسكت بسلاحي واختبأت خلف سيارة وقفت هناك واستعددت للقتال. واستغرق الامر بضع دقائق الى ان عاودت الشعور وتذكرت ان هذا عيد المساخر. من حسن الحظ أنني لم اطلق النار على أحد. ان الجسم يدخل الخوف ونوعا ما من التوتر. هذه ردة فعل تنشأ عند من كان في ميدان قتال".

البطولة الحقيقية

في نهاية اللقاء في رعنانا بعد ان تحدث كل واحد من المقاتلين بشيء عن نفسه وسخر من رفاقه في سائر الوقت استقر رأي جدعون غولدنبرغ على كسر الصمت الذي لفه اثناء المساء فقال: "يجب ان نعترف قبل كل شيء أنكم واحد من الفرقاء الأكثر نحسا في تاريخ الجيش الاسرائيلي. وبرغم أنكم منحوسون فانكم أبطال جميعا. لأن كونك بطلا يعني ان تعرف التغلب والمواجهة للحياة اليومية والحديث عن المخاوف، وعن المكان الذي هو أشد إضرارا بك، هذه هي البطولة. أقول بصدق انه صار أسهل علي ان أخرج مرة اخرى الآن لعملية في لبنان من ان أكشف عن ذاتي شعوريا هنا".

حينما دخل الصاروخ الذي أُطلق من المروحية المقاتلة الى البيت في بنت جبيل كان الملازم الاول غولدنبرغ ملاصقا للجدار وأُصيب اصابة شديدة. "كان في البدء في وعيه وصرخ أنه يريد مورفيوم ولم يكف عن الشتم"، يقول يعقوب جاوري المضمد. تهشمت رجلا غولدنبرغ ونقل سريعا في وضع خطير الى مستشفى رمبام. ومكث اربعة ايام فاقد الوعي لكنه انتعش بعد ذلك ومر بعملية تأهيل استمرت نحوا من سنة وعاد بعد ذلك الى الخدمة وأصبح قائد سرية مبتدئين.

"ان واحدا من الاشياء التي تصاحبني وسيصاحبني دائما بعد ثماني سنين في الجيش"، تابع غولدنبرغ، "هو هذه اللحظة، نظرة يالله سنخرج الى الخارج من البيت ونطلق النار. وتعالوا نعترف في الحقيقة ان ذلك كان قرارا غبيا شيئا ما. لكن الخروج الى الخارج هو البطولة الحقيقية وأنا أتحدث الآن عن خروج بالمعنى الشعوري ايضا. صدقوني ان لكم حظا مزدوجا الاول هو حقيقة أنكم تملكون المجموعة وأنكم متعاضدون والحظ الثاني أنكم تملكون هذه التجربة العلاجية التي لا يحظى بها كثير من الجنود".

"في كل مرة نلتقي فيها جميعا"، يقول عيدان دامتي، "نشعر كأننا التقينا أمس. بيننا حب حقيقي. لكن برغم الحب توجد اشياء تحتفظ بها لنفسك. لم أكن قادرا لوقت طويل حقا على فتح ما جرى علي ثم وعلى أثر العلاج الذي حصلنا عليه بدأت رويدا رويدا أنظر عميقا في التجارب التي مرت علينا وهكذا بدأت أنفتح.

"كان ذلك اليوم في بنت جبيل أطول ايام حياتي لكن حينما تكون في وقت قتال لا تفكر في أي شيء. يجب ان تقاتل وأنت لا تفهم ألبتة ما الذي يجري عليك. بدأت بعد اسبوع فقط أفهم ما جرى علي في بنت جبيل. والحقيقة أنني كدت أتوب وأعاود التدين بسبب تلك المعركة. ثم أرى في العلاج فجأة ان الجميع يشعرون بالمشاعر نفسها. فهمنا أننا نستطيع فتح الاشياء".

في آب الاخير دخل الى اسرائيل مخربون من مصر وهاجموا حافلة لشركة "ايغد" كانت في طريقها الى ايلات وقتل سبعة اسرائيليين. كانت أول قوة وصلت الى الميدان للدفاع عن ركاب الحافلة من عوريف – غولاني. وحينما قفز قائد القوة الرقيب الاول موشيه نفتالي من السيارة وبدأ اطلاق النار على المخربين أُطلقت النار عليه فأردته قتيلا. وفي تحقيق أُجري بعد ذلك تبين انه قتل بنار واحد من رفاقه. وحينما تبين انه شارك في الواقعة جنود عوريف – غولاني وأن واحدا منهم دفع حياته بسبب نار قواتنا انتقل النبأ فورا بين رفاق دورة آذار 2005 فلبس خمسة منهم قمصان التريكو للسرية من فترة الخدمة العسكرية وتوجهوا الى الجنازة في جبل هرتسل. "كان واضحا لنا أننا نأتي الى الجنازة"، يقول يونتان رفيه من القدس الذي هو اليوم طالب في الهندسة الالكترونية. "عرفنا أنه كان يمكن ان نكون نحن هناك، كان يجب علينا ان نُظهر التعاطف".

لكن تعاطفهم لم يلخصه مجيئهم الى الجنازة فقط لأنه من مثلهم يعلم ما يشعر به الجنود الذين يمرون بواقعة كهذه ويجب الاستمرار مع هذا الامر الى الأمام. "بعد بضعة ايام اتصل بي يشاي غرين وقال: هلم سنسافر اليهم الى ايلات"، يقول رفيه. "لم يوجد أصلا سؤال لماذا نفعل هذا. سافرنا لنشد على أيديهم لأننا علمنا كم هم محتاجون الى هذا، وقد قتل واحد من رفاقهم ايضا بسبب اطلاق نار من طرفين. سألونا كيف هي الحياة المدنية فقلنا لهم حافظوا على أُلفتكم. وأسعدني أننا نجحنا في جعلهم يبتسمون".

انشر عبر