شريط الأخبار

تحية إجلال لليمين.. هآرتس

05:08 - 01 حزيران / فبراير 2012

بقلم: دافيد زونشاين

(المضمون: الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة هي اكبر خطر على القيم الديمقراطية في اسرائيل - المصدر).

يمكن تقليب الوضع في اسرائيل هنا وهناك، لكن من الحقائق المكشوفة - حتى لو تجاهلوها هنا بصورة منهجية – ان الخدمة العسكرية في مناطق الضفة الغربية هي الوسيلة السياسية المركزية التي تهييء اسرائيليين، حتى من اولئك الذين يعتقدون انهم من ناس المركز أو اليسار، لقبول منطق ارض اسرائيل الكاملة.

يفترض ان يكون المسار في الظاهر معاكسا: فالخدمة العسكرية في المناطق، كما يعتقد كثيرون في اليسار ايضا تجعل الجندي يلقى الواقع وراء الخط الاخضر. يمكن في الحقيقة الانكشاف لهذا الواقع عن طريق وسائل الاعلام، لكنه يستهلك هناك بوجبات قليلة، تحت تفسير منظِم ومن غير مماسة شخصية. ان مشاهد الظلم التي ينشئها الاحتلال منذ 46 سنة قد تعلم الجنود أهمية التسوية التي تفضي الى وقف الكارثة الاخلاقية التي تحدث هناك تحت اطار صمت ثقيل. وقد أُنشئت من اجل هذا منظمة مهمة جعلت هدفها ان تكسر الصمت وان تجعل الاسرائيليين يواجهون الانكار الجماعي.

ان زعم ان الخدمة العسكرية في المناطق لجنود من اليسار ايضا، تنشيء القاعدة العقائدية للاحتلال يبدو داحضا لكثيرين. فهم يعتقدون ان الخدمة العسكرية في المناطق تعزز موقع اليسار السياسي، وذلك خاصة لأن الجيش هو مرساة في الروح العامة الاسرائيلية وما تزال الخدمة فيه بطاقة دخول سلسلة من الوظائف سواء بسبب الخدمة نفسها أو بسبب النظام الاجتماعي الذي قاعدته الجيش والذي ما يزال يسيطر على نصيب الاسد من المجتمع والاقتصاد الاسرائيليين.

ومن هذه الجهة فان احتمال العبء والخدمة العسكرية في المناطق، كما يعتقد كثيرون في اسرائيل، يمنحان الحق في الكلام في المجال السياسي. ويُفسر الانقطاع عن الخدمة العسكرية أو الانتقاد المعلن عليها بأنهما انتحار سياسي.

لا يوجد خطأ أكبر من هذا في ثلاثة متغيرات أساسية تتعلق بالجيش، فشل اليسار في فهم الواقع السياسي. المتغير الاول هو اعتقاد ان مسار استبدال معتمري القبعات الدينية من الصهيونية الدينية بأبناء الكيبوتسات والمدن الغنية يمكن ان يُعكس. والمعادلة بسيطة الى درجة الألم: ان جزءا حاسما من مهام الجيش الاسرائيلي لا يتعلق بأمن الدولة بل بالحفاظ على السيطرة على الارض المحتلة والسكان فيها، ولهذا فان الخدمة في الجيش الاسرائيلي هي بالنسبة للجندي المتدين القومي عامة والمستوطن خاصة، مهمة حماية البيت. وهي بالنسبة لجندي من اليسار أو من المركز خدمة مختلف فيها سياسيا. ولا يشبه حافز من يحمي بيته حافز من يعتقد ان المناطق سياسة وليست أمن اسرائيل.

والمتغير الثاني هو تصور ان الاستيلاء على المناطق مؤقت ولهذا حتى لو لم تكن الخدمة فيها مريحة وأنتجت مشكلات اخلاقية، فان هذه المشكلات ثانوية قياسا بالقضايا الاخلاقية العسكرية الداخلية كالاخلاص للدولة ورفاق السلاح. وهذا التصور يفشل اليسار مرة بعد اخرى. فالاحتلال كما تعلمون لم يعد مؤقتا منذ زمن. وبخلاف ترتيب القيم اليميني، فان المباديء التي تُحطم زمن الخدمة العسكرية في المناطق هي مباديء أساسية من التصور العام اليساري. ان المس بكرامة الانسان، والفصل على حسب الأصل، ووجود نظامي قانون مستقلين والمس بالمساواة ومفاسد كثيرة اخرى تجعل الخدمة العسكرية في المناطق مفسدة لليسار.

والمتغير الثالث الذي ربما يكون الأهم والأكثر قلقلة هو ذاك الذي سأسميه هنا "مبدأ المكوث". ان مئات الآلاف من الجنود أمضوا وما يزالون يمضون سنين طويلة في مهام هي بحسب كل منطق وحكم مهام احتلال مباشرة. وهي جزء من نظام ضخم يطرد ويسيطر ويهدم ثم يُعد ويبني ويرخص بعد ذلك. وهو ينفذون أوامر عسكرية في منظمة ليس التفكير الانتقادي مقبولا فيها ويعودون الى البيت كأنه لم يحدث شيء. ان منطق الاحتلال مشمول مهضوم داخل منطق الواجب والباعث على الخدمة في الجيش.

ليست حكومة اليمين ولا بنيامين نتنياهو ولا زيف الكين ولا يريف لفين ولا اوفير اكونيس – بل الجنود الذين يخدمون في المناطق هم القاعدة المادية والعقائدية التي تمكن من انهيار الديمقراطية، وهم الذين يمكنون من دوس القانون واجازة ذلك في المحكمة العليا. ان الخدمة العسكرية في المناطق هي كارثة لليسار وكارثة للاسس الديمقراطية في اسرائيل، في حين أن رفض الخدمة فيها مخالفة للقانون. قد يكون هذا التناقض الاشد اساسية الذي يتعرض له اليوم يسار اسرائيلي مهم. ويترك الميدان ليمين و "مركز" أو ليمين وليمين منافق كما يحسن أن نقول.

انشر عبر