شريط الأخبار

بقلم: اميلي لنداو

موقف أمريكي أكثر تشددا تجاه إيران- نظرة عليا

11:47 - 24 حزيران / يناير 2012

في الفترة الاخيرة تكثر المؤشرات على أن الولايات المتحدة تتبنى نهجا جديدا اكثر تصميما تجاه البرنامج النووي لايران. هذه الخطوات تتضمن ممارسة ضغط متصاعد على ايران من خلال العقوبات دون انتظار موافقة روسيا والصين، وكذا اعمال سرية موجهة لضرب عناصر مختلفة في البرنامج النووي الايراني. الولايات المتحدة تعد رائدة في هذا الجهد، او على الاقل تتعاون مع جهات اخرى في اخراجه الى حيز التنفيذ.

في أعقاب نشر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن البرنامج النووي الايراني في تشرين الثاني 2011، عرفت الولايات المتحدة القطاع المالي الايراني بصفته "المصدر الاساس لتبييض الاموال تبعا لما يسمى الـ Patriot Act ووسعت العقوبات المفروضة على هذه الدولة لتشمل ايضا تطوير مصادر النفط والصناعة البتروكيماوية فيها. في 31 كانون الاول 2011 وقع الرئيس اوباما على مرسوم يشدد قانون العقوبات جدا والذي يركز على القانون المركزي الايراني، رغم أنه احتفظ لنفسه بالصلاحيات بعدم تطبيق القانون على مدى 120 يوما في الحالات التي يقدر فيها بان من شأن ذلك أن يمس بأمن الولايات المتحدة، اذا ما تبين مثلا بان علاقات الولايات المتحدة مع روسيا والصين ستتضرر بسبب التجارة التي تجريانها مع ايران. كما أنه توجد تقارير عن جهود أمريكية لاقناع العربية السعودية بزيادة انتاجها من النفط لتخفيف حدة المخاطرة التي تنطوي عليها ارتفاعات اسعار النفط والتي ستكون حسب مراقبين كثيرين نتيجة للخطوات التي تتخذها. الى جبهة الاعمال السرية تنضم سلسلة تفجيرات غريبة وقعت في ايران في الاشهر الاخيرة – في قاعدة صواريخ، على مقربة من المنشأة النووية في أصفهان، وفي مصنع الفولاذ – الى تصفية علماء الذرة الايرانيين وتأثير الحرب الالكترونية، التي اديرت من خلال دودة الحواسيب Stuxnet.

المؤشر الاوضح على التغيير في نبرة ونهج الولايات المتحدة هو أغلب الظن سلسلة التصريحات الصادرة عن محافل رفيعة المستوى في الادارة الامريكية في اثناء الاسابيع الاخيرة، والتي تشير الى أن الخيار العسكري "على الطاولة" بشكل تظاهري ومصداق اكثر مما في الماضي. هذه التصريحات تشذ عن الحالات السابقة التي درج فيها المسؤولون على تكرار شعار "كل الخيارات موضوعة على الطاولة"، فيما أنهم كانوا يقفون في نفس الوقت ضد تصريحاتهم هم إذ حذروا من الاثار الخطيرة التي ستكون لفتح جبهة قتال اضافية في الشرق الاوسط.

سواء مضمون أم تواتر التصريحات الاخيرة غير مسبوقين بالنسبة للعقد من سنوات المساعي الدولية للتصدي لتطلعات ايران العسكرية في مجال النووي. التصريحان الاكثر اهمية كانا لوزير الدفاع ليئون بانيتا في منتصف شهر كانون الاول 2011، في المقابلة له مع شبكة CBS، وتصريح رئيس الاركان الامريكي، الجنرال مارتين دمباسي في مقابلة اجريت معه بعد ذلك في شبكة CNN . خلافا للتصريحات التي اطلقها هو نفسه منذ بضعة اسابيع قبل ذلك، أوضح وزير الدفاع بانيتا للمذيع في CBS بشكل لا لبس فيه بانه ليس فقط ستكون ايران قادرة على تركيب قنبلة نووية في غضون سنة بل حتى في اقل من سنة (اذا كانت تحت تصرفها منشأة خفية)، بل ان الولايات المتحدة تشارك القلق والخط الاحمر الذي تحدده اسرائيل في كل ما يتعلق بتطوير سلاح نووي من جانب ايران. اذا ما وصلت الى الولايات المتحدة معلومات عن أن ايران تواصل تطوير اسلحة نووية، فانها ستتخذ كل الوسائل اللازمة كي تدفعها الى الكف عن ذلك. تصريحات بانيتا ذات مغزى خاص لانها تتناقض وموقفه السابق الذي يتحفظ على عملية عسكرية وتلمح في أنه يحتمل ان يكون شرح له بان تصريحه السابق لم ينسجم مع النهج الامريكي الجديد في المسألة الايرانية.

اما الجنرال دمباسي فعاد وأكد الرسالة التي تقضي بان الولايات المتحدة واسرائيل تتشاركان في ذات القلق بالنسبة لايران، واشار برضى الى أن عددا من البدائل التي تعدها الولايات المتحدة في هذا الوقت تقترب من المرحلة التي سيكون ممكنا فيها، عند الحاجة، اخراجها الى حيز التنفيذ.  وشدد على ان حذار على ايران ان تخطيء بالنسبة لتصميم الولايات المتحدة. هذه المنشورات من المستويات العليا في الولايات ا لمتحدة جاءت استمرارا لملاحظات مستشار الامن القومي توم دونيلون، في تشرين الثاني 2011، والتي كرر فيها تصميم ادارة اوباما – مثلما عبر عنه الرئيس شخصيا – على منع ايران من نيل السلاح النووي. تصريحات اخرى على لسان السفير الامريكي في اسرائيل ودنيس روس، أكدت هي ايضا مستوى التعاون غير المسبوق القائم بين الولايات المتحدة واسرائيل في مسألة نشاط ايران في المجال النووي.

ماذا يمكن ان يختفي خلف هذا التغيير في النهج الامريكي؟ اولا وقبل كل شيء يجب أن نعزو التغيير الى التقديرات الاوضح القائمة اليوم حول تقدم ايران في المسار النووي، ولا سيما كما ينعكس الامر في ملحق تقرير وكالة الطاقة الذرية في تشرين الثاني 2011. فكلما تقدمت ايران اصبح برنامجها والصورة العامة أكثر وضوحا، وتعاظم قلق الولايات المتحدة في هذا الشأن. تفسير آخر لموقف الولايات المتحدة الاكثر حزما هو الخطوات الاستفزازية لايران التي أثارت غضب الادارة الامريكية. المؤامرة بقتل السفير السعودية على الاراضي الامريكية لم تؤخذ بخفة لدى الادارة. كما أن التهديدات الايرانية التي نشرت منذ وقت غير بعيد عن نيتهم اغلاق مضائق هرمز ردا على قرار امريكي واوروبي محتمل بشأن عقوبات على تصدير النفط الايراني، أدت الى نشر تهديد رادع مباشر ضد ايران. فقد اشارت الولايات المتحدة الى أن خطوة من هذا القبيل ستشكل خرقا للقانون الدولي وهو خط أحمر يستوجب عملا امريكيا بهدف اعادة الوضع الى سابق عهده.

وأخيرا سيكون هناك من يحبذ ان يعزو التصميم الجديد في الموضوع الايراني، ولا سيما التشديد على التعاون مع اسرائيل، الى سياسة سنة الانتخابات وحاجة الرئيس اوباما الى مغازلة الصوت اليهودي. صحيح أنه توجد مؤشرات على التحسن في تنسيق المواقف مع اسرائيل، ولكن الخط المشترك ليس بالضرورة سياسيا داخليا هذا اذا كان على الاطلاق. عمليا، كانت الخطوات الايرانية هي التي خلقت لقاء المصالح بين الدولتين. فكلما اقتربت ايران من هدفها، وكلما اعلنت عن استعدادها للمواجهة بالقوة مع الاسرة الدولية، تجمع اجماع اوسع على ما تفعله ايران، على التهديد الذي تشكله وعلى السبيل الذي يجب اتخاذه للتصدي لها.

ماذا ستكون آثار الوضع أعلاه على المساعي التي ستتخذ في الساحة الدولية في الاشهر القريبة القادمة؟ بالنسبة للولايات المتحدة نفسها، فان التهديد المصداق من جهتها من حيث استخدام محتمل للقوة العسكرية، من أجل الايضاح لايران بانه ستكون مضاعفات لاستمرار عنادها، يشكل عمليا شرطا ضروريا لان تظهر ايران جدية في اطار المفاوضات معها. فقد اثبتت ايران من قبل من أنه في ظل غياب تهديد من هذا القبيل، فان مصلحتها في تحقيق سلاح نووي تفوق كل حافز يعرض عليها في اطار المساعي الدبلوماسية التي اديرت في العقد الاخير. وبالنسبة لـ P5+1 فان النهج الجديد لامريكا يؤكد الفارق المتسع بينها وبين روسيا/الصين حول الوسائل الافضل لمعالجة ايران. لا يمكن ان نشخص في هذا الوقت مسارا يؤدي بهاتين الدولتين الى التعاون مرة اخرى، ولا سيما في ضوء حقيقة أن مسألة منظومات الدفاع المنصوبة في اوروبا تثير هذه الايام حفيظة الروس بشدة وترفع مستوى تصريحاتهم تجاه الولايات المتحدة منذ سنوات عديدة.

بالتوازي مع اقرار الرئيس اوباما لعقوبات اكثر حدة، ورغم النفور في اوروبا من الاثار الاقتصادية لمثل هذه العقوبات، أعلن الاتحاد الاوروبي عن قرار مبدئي لفرض حظر على تصدير النفط من ايران، وقرار نهائي في هذا الشأن سيصدر في نهاية كانون الثاني 2012.  اضافة الى ذلك، أعلن الاتحاد عن استعداده للعودة الى المفاوضات مع ايران، بناء على الا تطرح هذه أي شروط مسبقة. في هذه الاثناء يبدو أن كاترين اشتون لم تحصل على أي رسالة من ايران تدفعها لان تتوقع نتيجة افضل من المداولات اليوم بالقياس الى المحادثات التي فشلت قبل سنة في تركيا.

دون مؤشر واضح على انعطافة في النهج الايراني، فان جولة المباحثات الجديدة من شأنها ان تتبين ليس فقط كمناورة عقيمة بل وكجولة ستقوض ايضا مستوى التصميم الجديد الذي بدأت الولايات المتحدة تبديه منذ وقت غير بعيد.

انشر عبر