شريط الأخبار

السلام، وعلامة استفهام (؟)..

03:12 - 21 حزيران / يناير 2012

السلام، وعلامة استفهام
السلام، وعلامة استفهام

عندما يقتل ألف شخص دون محاكمة بيد حكومة نازية (هتلر) رغم أن النهاية معروفة (هزيمة أو نصر).. أليست هذه حربا؟.. عندما تسلب حرية مئات الآلاف من البشر في معسكرات الاعتقال (هشارون، غوانتموا) ويجردون من كل شيء يدل على كرامة الإنسان.. أليست هذه حربا؟.. عندما تنتزع الروح من مستودعها بين ملايين البشر بأداة الجوع (أسود، أبيض) في حين تكدس ملايين الأطنان من القمح في أمريكا الشمالية.. أليست هذه حربا؟.. عندما يجبر من لا يملك السلطة على نفسه أن يعمل كـ"العبد" لأنه لا يستطيع توفير الخبز والحليب لأطفاله.. أليست هذه حربا؟ وعندما ينام الكثير في بيوت تشبه قِطعا من الجنة في حين تشترك عائلات عديدة في نار غرفة واحدة.. عندما تتضخم غدة أحد الناس مخافة نقص في شريان رصيده البنكي في حين لا يكسب أحدهم أيضا (من الناس) ما يشد به إزاره ويسد به رمق جوفه.. أليست هذه حربا؟.. وعندما.. وعندما... أين السلام من حياة كوكبنا البشري وعالمنا الإنساني؟.. إذا كان يعني السلام للكثير من الناس أنه الأمن والقوة والاستقرار والقانون والنظام، ولكنه لا يعني لهم علاقته بالتعليم والثقافة والوازع العقدي والصحة والتقدم والراحة والهدوء!!.. لكن.. لنتريث قليلا: هل يشترك الجميع في السلام القائم على هذه الأشياء (الألاعيب)؟.. فلنفرض شخصا واحدا استهلك استهلاكا مفرطا لهذه الأشياء -فهو من يتمتع بالامتيازات- فلن نجد نتيجة غير أن السلام أصبح العمل الشاق والفقر الطاحن لملايين من الآخرين (العبيد).. هل يمكن أن نسمي هذا سلاما أم عدالة؟.. أرأينا إن أخذنا باعتبار حالة كوبنا اليوم (غبيٌ حقا!) فإنه من المدهش أن يُصرف النظر عن السلام والعدالة، وأن ينعت بأنه الحماقة الخيالية، ويسألون: كيف نستطيع أن يكون السلام والغليان والكرب سيد كل مكان وتُسَخَّر له أسلحة الدمار الشامل من أجل المحافظة على بقاء الإنسانية؟.. إذن لو رجعنا لفرضيتنا: كيف لنا أن نُكوّن عدالة عندما يتمكن هذا -الشخص الواحد- من التصرف والعبث في حياة الملايين؟.. على الإطلاق لا نجد عقلا بشريا إلا وعاركته وأنهكته هذه الأسئلة على مدار عشرات السنين، وأنت الإنسان الفاضل الذي اتهموك بالقتل تارةً وتارةً أخرى سجنوك في مستشفىً لفاقدي الأهلية (البشرية) وحكموك بالموت في ذاتك داخل زنزانة كعلبة سردين لأنك بالتأكيد في نظرهم متحيزٌ عنصريٌ غير ناصح.. (لا عليك، اجعلني أتابع).. فإني على ثقةٍ أن هذا لا يوافقك البتَّة؟؟ فقد صنفتك من المسالمين عند إطلالي على شرفة سجنك وهالني الهدوء الذي تميزت به، وأن آمالك وطموحك وثقتك في الحق لا تتزعزع، وأنت تعتقد أن الصراع بين الخير والشر ولم تقسمه -أمامي- كما اقتطعوا (إسرائيل) من فلسطين ووزعوها ليأكلَ منها كلّ مشتهٍ، وقد زدتني إعجابا فيك عندما وقفت على كلماتك بأن اليقين هو أن العدل سوف يسود في النهاية!!. سألته مقاطعا: لماذا لا يمكن أن يسود السلام؟.. كيف يستطيع شخص أن يبث من بنات أفكاره الكلمات ويرسم بشفتيه ابتسامة السلام بعد أن ينظر إلى الشاهقات المكتظة والسجون الممتلئة ومعسكرات التحقيق؟.. هذا سلامٌ بدون روح.. يقوم على مصابك بالحمى أو الغيبوبة.. سلام النفوس التي نزعت منها الروح وتركت تتلوى في الغربة.. إنه سلام الموت!!. سألني متعجبا: كيف، ولماذا؟ (الأسئلة المتكررة بلا إرادة).. تجد نفسك تلهو في أعمال شغب هادئة، ويقمعها إرهابك العسكري للدولة ذاتك، فهذا أسود إذن هو من الغرباء ويجب قتله.. يا لهول الموقف، ذاك يخالفك عقديّا.. إنه حقاً كافر!!.. هؤلاء الذين يصرخون "السلام" وتحمر أوداجهم خجلا من "العدالة" من أجل المستضعفين ما هم إلا الواقع المجرد من غير حلفاء الاضطهاد، ويقولون لهؤلاء الذي يضيق حول أعناقهم اللثام: كونوا هادئين، أوقفوا العنف.. (السلام).. "الحرب هو السلام.. الحرية هي العبودية.. الجهل هو القوة!!.."؟؟ حقيقةً يا عزيزي ضحكت ملئ فيهي عندما قرأت هذه الكلمات في رواية "جورج أورويل" ألف وتسعمائة وثمان وأربعون: "أين سلام الله بين البشر هذا اليوم؟.. يبقى السلام بالنسبة لمعظمنا سرابا، فهو وعدٌ فارغ على شفاه السياسي الذي يخطط لسقوطنا وهو يقول: أعدكم بالسلام، والتاجر الذي يحتكر ليستغل حاجتنا، وشرطي النجدة الذي يطلق النار ليقتل.. إنها كذبة حاكها لنا القضاة ذاتهم الذين يقيدوننا، والمحلفون "الشيوخ" الذي حكموا علينا غيابيا بعبودية قانونية، والحاخامات الذين يباركون إعدامنا ويرقصون على شرفنا المأسور تحت نجاستهم". ربما كانت روح السلام مخبأة تحت عباءة النفاق هنا أو هناك.. أنا لا أجزم ذلك، وبدلا من صرف النظر والقول إن التهكم والسخرية لا يصدران إلا من إنسان منهك ومتعب وأصبح على الأرصفة يبحث عن ذاته وكيان يضمه من شروده وذروة نشوته واندماجه في هلوساته المتراوحة بين تلفاز وجدار غرفة ذهابا وإيابا وصحيفة في الصباح المعكر برائحة سجائر وموسيقا صاخبة.. بدلا من ذلك كله آثر ارتداء نظارته البيضاوية علّه استيقظ من غباء "عبيد فرعون" الذي شَّق لأجلهم موسى البحر بعد أن أدركهم الغرق، فقال كبيرهم آمنت برب من سُخر له البحر ليهلكنا بغبائنا، آلآن وقد أشرقت نور السلام على هذه البقعة الرطبة.. لتأخذ العبرة لكل من قطَّع أرجل الناس وأيديهم في خلاف وصلَّبهم وحرَّقهم وأوقف ماء أصلابهم خوفا وأجهض أرحام نسائهم تعذيبا، وسحب لحومهم ليشويها على الرمضاء فاحمرت منها زرقة السماء.. ماذا يعني لكلّ منا السلام؟..

انشر عبر