شريط الأخبار

فلنعد إلى مظلة الشعب والأمة..علي عقلة عرسان

02:54 - 20 تشرين أول / يناير 2012

المسارات التي تنتظر الأزمة السورية معروفة وواضحة بصورة جلية لأطرافها المباشرين ولمن يقفون وراءها، ولجامعة الدول العربية التي تناقش اليوم وغداً تقرير بعثة مراقبيها بعد مرور ما يقرب من شهر على ابتداء مهمتهم، وانتهاء هذه المدة ما لم يتم تجديدها لشهر آخر حسب نص الاتفاق " البروتوكول" الموقع بين سورية والجامعة. وهي مسارات كانت وما زالت معتمَدة لتلك الأطراف، ولكنها دخلت الآن مرحلة اهتزاز قد تؤدي إلى تغيير في الخيارات ومن ثم في المسارات ذاتها، فمنذ بداية الأزمة كان واضحاً أن:

 1ـ هناك من يريد التغيير الجذري ابتداء من إسقاط النظام، ولا يعنيه ما يمكن أن يقدمه النظام من تنازلات وما يمكن أن يقوم به أو يعد بالقيام به من إصلاحات.. وسبيله إلى تحقيق الهدف فعل يتكامل ويتصاعد بكل الوسائل والأدوات لإيصال الأوضاع وصنع صورة عنها تستدعي أن يعالج مجلس الأمن الدولي ملف الأزمة بما يؤدي إلى تكرار السيناريو الليبي في سورية، بصرف النظر عن الأثمان والنتائج، وعلى طريقة التحالف مع الشيطان لبلوغ الغايات.. أما الأساليب والذرائع والتحركات على الأرض وفي الفضاء العربي والدولي فهي مفتوحة بلا حدود، وتفاصيلها تعني المؤرخين والمحللين ولا تعني أصحاب الأهداف والخطط والاستراتيجيات.

2 ـ وهناك نظاماً يريد أن يواجه من يريد إسقاطه ومن يقوم بأعمال وتحركات تؤدي إلى زعزعة الاستقرار ومن يريد أن يضع سورية في مسار غير المسار الذي هي عليه وأن يغير خياراتها وسياساتها، ويختار للأزمة حلاً أمنياً بالتزامن مع تحرك نحو الإصلاح حسبما تسمح به الظروف، ولو كان ذلك بوتيرة لم تكن موازية ومساوية للوتيرة الأمنية من جهة ولدرجة التصعيد الداخلي والخارجي من جهة أخرى، ويرى أن أية معالجات وأية حلول للأزمة ينبغي أن تكون من داخل البلد بتوافق بين المعارضة والموالاة والنظام، وأن تتم بإرادة سورية يظهر فيها ويحكمها رأي أكثرية الشعب، ويقود إلى تلك المعالجات والحلول حوارٌ جاد مسؤول بين الأطراف السورية المعنية بالأزمة، يشمل كل ما يتصل بها وما يؤدي إلى أوضاع أفضل بكل المعايير والمقاييس.

الذين يريدون إسقاط النظام حملوا ملف الأزمة إلى مجلس الأمن الدولي منذ الأشهر الأولى للأزمة، بعد تصعيد قدروا أنه مؤهل لتدويلها، ولكن أمر التدويل اصطدم بالفيتو الروسي الصيني.. وما زال أولئك يتابعون تحركهم بإصرار نحو ذلك الهدف ـ بصرف النظر عن الذرائع والمسميات والنتائج ـ ويعملون مع حلفائهم على تغيير في مواقف الدول التي تحول دون التدخل الدولي حسب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وقد اعترضوا على مهمة لجنة المراقبين وشككوا فيها واتهموها منذ اللحظة الأولى لتشكيلها وحتى قبل أن تصل عناصرها إلى سورية واستمر ذلك الموقف وسوف يستمر. وبعد أن تأكد لهم وللدول المتحالفة التي تعمل معهم ومن خلالهم على تدويل الأزمة، أن موقف روسيا من التدخل في الشأن الداخلي السوري ثابت ولن يتغير، فكروا ودبروا لتدخل دولي من دون غطاء من مجلس الأمن، ومن نوافذ ومنافذ متنوعة كان آخرها منفذ تدخل عسكري عربي يقفون خلفه ويمدونه بأسباب النجاح.. ولكن يبدو أن الحسابات المختلفة تجعل من ذلك المسار مساراً خطراً وفاشلاً وغبياً يدخل العرب في اقتتال مع العرب، ويؤدي إلى فتنة واقتتال طائفي بتقدير محللين وسياسيين، ومن ثم فهو مسار عاطل معطل.. ولذلك سيبقى الدفع باتجاه التدويل بقرار من مجلس الأمن من دون غطاء عربي، لأن جامعة الدول العربية لن تقدم مثل هذا الغطاء لانقسام في المواقف داخلها، ولأن مجلس الأمن الدولي لن ينجح أصلاً باتخاذ قرار بالتدخل حسب الفصل السابع من الميثاق مع وجود الفيتو الروسي، وإعلان روسيا أن التدخل العسكري في الشأن السوري خطاً أحمر.   

في هذه الحالة يبقى عملياً مساران تضمنتهما الخطة العربية التي وقعت في الدوحة بين سورية وجامعة الدول العربية:

ـ أحدهما مسار التمديد للمراقبين العرب لشهر آخر، وفق ما نص عليه البرتوكول الذي يعمل بموجبه المراقبون ويأتي آلية لتنفيذ بعض بنود الخطة المشار إليها، وهو مسار ترفضه المعارضة وتحالفاتها وتشكك به وبنتائجه، وترحب به سورية التي أعلنت ن ذلك عبر إعلان رسمي، فيما إذا قررت جامعة الدول العربية اتخاذ مثل هذا القرار.. وفي تقديري أن مجلس الجامعة سيتخذ مثل هذا القرار بالتمديد للمراقبين، لأن من يدفعون باتجاه خيارات أخرى في الجامعة لم يجدوا بعد المنافذ الأخرى لتحقيق ما يدفعون باتجاهه ولم ييأسوا بعد من تلك المنافذ والخيارات.

ـ والثاني هو مسار الحوار المعتمَد أساساً في الخطة العربية.. وهو مسار ترفضه المعارضة ومن يتحالف معها، وترحب به سورية، وهو أساسي في خطة جامعة الدول العربية للحل، والجامعة مرجع وطرف فيه، من حيث قيامها ـ حسب الخطة ـ بما يجعل المعارضة تتفق على برنامج يقوم على الحوار مع لنظام.. الأمر الذي فشلت حتى الآن في تحقيقه، ولا يتم التركيز عملياً عليه، لأنه شبه موضوع على الرف بانتظار التحرك والتحريك.؟!

والتساؤل في هذا المفصل، مفصل التمديد للمراقبين ومن ثم الوصول إلى الحوار البناء، قائم ورئيس ومؤسس لما بعده، وهو: هل سيؤدي عمل المرقبين العرب، في ظل الأجواء السائدة من التشكيك والتضييق والاتهام وحملات الإلام والحفر من الباطن، إلى مساعدة في تشخيص موضوعي للمسؤوليات والأوضاع على الأرض في سورية، يساهم في حل الأزمة؟! وهل هناك منفذ فعلاً إلى طريق الحوار الذي يُعتمَد مدخلاً منطقياً وعقلانياً وموضوعياً وأخلاقياً للحل، في الوقت الذي يستمر فيه التصعيد السياسي والإعلامي والتسليح والتمويل والتهييج والتغاضي عن كل إصلاح وتقدم نحو الإصلاح من جهة، والعسكرة والقتل والإرهاب والتخريب والفوضى، واعتماد الحل الأمني من جهة أخرى؟! وهل يمكن أن تكون جامعة الدول العربية قادرة فعلاً على القيام بدور حازم ومستقل وموضوعي ذي مسؤولية ورؤية قومية عليا، وغير مرتهن لبرامج وقوى خارجية تلعب من خلال أصابع عربية في إطار الجامعة العتيدة.. وهي تغوص أو تغرق، ويراد لها أن تغوص وتغرق، في متاهات الدول والتنظيمات وتقبع حت ضغوط إعلامية وسياسية ومالية ودولية.. وتعمل على أرضية ملغمة بالتشكيك وسوء النوايا والحفر من الباطن لدورها وجهودها وقرارها؟ وهل سيصل الذين يقومون بتحريك الصراع الدامي ودفعه بكل الاتجاه لكي يخرج عن السيطرة ويؤدي إلى أوضاع ينتظرها من يخططون لتدمير سورية بأيدي أبنائها، هل سيصلون إلى اقتناع بأن الجامعة ليست مطية لهم ولا لغيرهم، وإنما هي جهة عربية ذات مسؤولية قومية، وينبغي أن تكون قادرة على نصرة الحق والعدل والشعب وإعلاء المصلحة العربية العليا.؟! إن جامعة الدول العربية نظرياً: مرجع، وبيت للعرب جميعاً، ومثابة يعود إليه كل عربي له مظلمة كبرى وتطلع قومي نهضوي نظيف وشريف.. ولكنها عملياً، و يا للأسف، محكومة بالضعف والتمزق العربيين، وبارتهان بعض أعضائها لقوى وبرامج أجنبية ومعادية، ومحكومة أيضاً بضعف الإمكانيات وهوائية القرارات، وبميثاق وتاريخ ومواقف وممارسات لا تساعدها على أن تحتل المكانة المرموقة التي يتطلع إليها كل عربي يريد لهذه الأمة قوة ومكانة وكلمة وموقفاً يليق بها وبتاريخها، ويعبر عن إرادة شعوبها قبل إرادات حكامها، وينظر إلى مستقبلها انطلاقاً من ماضيها وحاضرها.   

في مدى الأزمة السورية وخلفها وضمن فضائها "الجيو ـ سياسي" تنخرط، أو يفرض عليها أن تنخرط،  قوى عربية ذات إمكانيات تعمل برؤية ضيقة، وفي مدى هذه الأزمة أيضاً بدأت تنخرط قوى عربية أخرى ذات رؤية أوسع وأعمق ولكنها لا تملك الإمكانيات ولا تساهم في صنع القرار.. وفي هذه الأزمة ممارسات غير مقبولة تستثمرها قوى خارجية استعمارية ذات مصالح واستراتيجيات وبرامج لا يمت أي منها بصلة لمصلحة عربية وإسلامية من أي نوع، على الرغم من الادعاء العريض بغير ذلك والتنسيق المكشوف أو المستتر مع قوى ودول ومؤسسات وأفراد لا يريدون الخير لا لسورية ولا للأمة العربية .. إلخ، وسورية اليوم تدفع الثمن: دماً ومالاً ودماراً لاقتصادها واستقرارها ولمنشآت ومؤسسات وعلاقات اجتماعية، وتدفعه معاناة مؤلمة لقطاعات شعبية من جراء مصاب جَلل أو ضائقة خانقة.. وتخسر سورية الكثير من مقومات قوتها وسمعتها.. فمن تراه يلتفت إلى تلك المعطيات والحقائق ويحرص عليها، ويبقى عالياً فوق الشبهات بنظر الشعب والبلد والأمة، مع ممارسات مكشوفة ومعروفة مصحوبة بادعائه العريض بأنه "الحرص ذاته" على الشعب والبلد والأمة؟! 

هناك قوى تعمل منذ بداية الأزمة على دعم العنف الدموي، وتموله وتحرك الأذرع الخفية للوصول بالبلد إلى الفوضى، وهناك استجابات لهذا أو ردود أفعال عليه.. وهناك من يريد للأطراف السورية أن تنغمس في الصراع، مهما بلغت درجاته وتكاليفه وتداعياته، وأن يُحشر كل منها في أضيق الزوايا ليسلم بهيمنة خارجية تامة، ويقبل بما يطلب إليه القبول به حتى لو كان ذلك يمس بالسيادة، وأن يوافق على أن تغير سورية خياراتها وسياساتها واستراتيجياتها وثوابتها وتحالفاتها وسلوكها، وتنكفئ في دائرة ضيقة تعنيها وحدها، وألا تلتفت لأي بعد عربي أو إقليمي ولا لأية قضية قومية.. ومن أهدافه أن تؤمَّن مصالحه بأذرع سورية وعربية، وتُنفَّذ برامجُه واستراتيجياته في الوطن العربي وفي ما يسمى بالشرق الأوسط بصورة كاملة.

وهناك قوى أخرى تقرأ الأهداف والنوايا والمشاريع البعيدة لمن يقف وراء الأزمة ويغذيها بأشكال مختلفة، وتستشعر مخاطر ذلك على المستوى العربي واٌليمي والدولي وتراها تقترب منها من جهة، وتزعزع الأمن والاستقرار في العالم من جهة أخرى، وتريد أن تستخدم مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية وقوى عربية ضاقت بأوضاعها وأزماتها وحياتها.. وسيلة وغطاء لبرامج استعمارية مكشوفة.. والتنافس على أشد بين هؤلاء وأولئك.. فهل تبقى سورية وأزمتها النار التي يطبخ عليها الكبار طعامهم؟ وإلى متى؟ ومن ذا الذي يخرجها من هذا سوى وعي أبنائها وانتماؤهم وخياراتهم الذاتية، العقلانية والأخلاقية والوطنية، وعودتهم إلى مظلة الشعب والأمة، إلى مظلة الوطن وخيره، ومصلحة سورية والأمة العربية؟!.. ألا فالكل مسؤول عن اختيار ينقذ البلد ويحقن الدم ويحفظ الكرامة ويخرج الشعب من الأزمة، ويحفظ الأمة العربية من تمزق يضاعف ما هي عليه من تمزق وضعف.. ألا والكل قادر عندما يعود إلى نفسه وعقله وضميره واستقلالية رأيه، ويحكم مصلحة شعبه وأمته في تصرفه وهواه وقراره الذي يتخذه أو يتبناه.

 دمشق في 20/1/2012

                                                                               علي عقلة عرسان

انشر عبر