شريط الأخبار

نهاية الملاذ الأخير في الشرق الأوسط -هآرتس

11:03 - 05 تشرين أول / يناير 2012

نهاية الملاذ الأخير في الشرق الأوسط -هآرتس

بقلم: جدعون ليفي - اسطنبول

        (المضمون: دعوة الى اعادة تحسين العلاقات مع تركيا لأنها الملاذ الأخير لاسرائيل في منطقة الشرق الاوسط - المصدر).

        لفظ شريط الحقائب في مطار أتاتورك حقيبتين فقط. كانت رحلة "الخطوط التركية" من تل ابيب ممتلئة تماما لكن هبط مسافران فقط في اسطنبول. ما تزال شركة الطيران التركية تخدم الاسرائيليين لكن في رحلات بينية فقط. فهم يقاطعون تركيا التي كانت محط أهوائهم حتى المدة الاخيرة ويخافون منها.

        ان المتضررين الرئيسين هم الاسرائيليون، فالستار ينزل على آخر غاية مفتوحة أمامهم في الشرق الاوسط. فمصر أصبحت خطيرة وصارت سواحل سيناء مقابر للفنادق والأحلام كما وصفها هذا الاسبوع هنا أدار بريمور، ولا أحد يتحدث عن الاردن. عدنا الى نقطة البداية: فنحن معزولون في المنطقة ومنطوون على أنفسنا وخائفون ومُعادون ومستكبرون ومتحصنون. لن يلتقي اسرائيلي بعد مع عرب أو مسلمين ولن يتغذى سوى على التخييلات المشوهة في وسائل الاعلام: الاصوليين والاسلاميين والارهابيين والمهدِّدين والمخيفين والعنيفين وكارهي اسرائيل – جميعا.

        يصعب ان نبالغ في عظم الضرر والخسارة. فاذا كنا قد خسرنا مصر لا بذنب منا فقط فان الكف عن تركيا هو فعل أيدينا الذي لا فخر فيه. ويصعب ان نفهم كيف تخسر اسرائيل تركيا، ويصعب ان نفهم كيف يغفر الاسرائيليون ذلك لساستها وجنرالاتها الباحثين عن "الكرامة الوطنية" والمُخربين لمكانة اسرائيل الذين دهوروا العلاقات بهذه القوة الاقليمية الصاعدة الآسرة الى حضيض خطير بسبب لا شيء تقريبا.

        ما يزال الباب الى تركيا مفتوحا. هل نريد حقا ان نعيش في عزلة غير براقة جدا ومهدِّدة في المنطقة؟ هل نستمتع حقا في ان نعود لنصبح قلعة مغلقة غريبة عما يحيط بها؟ ألا نفهم ان هذه القلعة الاسرائيلية لن تستطيع ان تعيش الى الأبد بسيفها من غير ان تُقبل في المنطقة؟.

        زار اسماعيل هنية هذا الاسبوع أمام عدسات التصوير "مافي مرمرة"، التي ترسو مثل نصب تذكاري على شاطيء البوسفور – كشاهد على قتل عبثي لمواطنين أتراك لم تتفضل اسرائيل بحماقتها واستكبارها بالاعتذار عنه. وقد قتل جيش تركيا ايضا في الاسبوع الماضي 35 مواطنا مهربين للسجائر والسولار من الاكراد يركبون حميرا بعد ان ظن أنهم مهربو سلاح. لكن قادة تركيا سارعوا الى الاعتذار عن المجزرة قرب الحدود مع العراق والى عرض تعويضات لعائلات الضحايا، وقد عينت تركيا ايضا محققا خاصا من قبل النيابة العامة لبيان ظروف القتل، وما تزال النفوس هنا هائجة من المذبحة، وقد تناولتها الصحف في انتقاد وبصورة دائمة، وظهرت صورة الاصدقاء الذين يبكون على الفتى القتيل نيوزات آنجو الذي قتل شقيقه ايضا بالقصف، وهم يحجون الى قبره، في الصفحات الاولى.

        كتب صاحب العمود الصحفي أحمد إنسل في صحيفة "رابيكال"، وهي صحيفة اليسار – المركز: "المذبحة هي المذبحة حتى لو وقعت خطأ". وكان في اسطنبول من قالوا هذا الاسبوع ان هناك فرقا بين أحداث "مرمرة" وبين قتل مهربي السجائر: فالاسرائيليون علموا أنهم يقتلون مدنيين، أما الطيارون الأتراك فاعتقدوا خطأ أنهم يقتلون ارهابيين.

        مهما يكن الامر، كان يجب على اسرائيل ان تسلك سلوك تركيا وتعتذر منذ زمن بسبب قتلى "مرمرة"، وما يزال غير متأخر ان تفعل ذلك، فالبديل اسوأ كثيرا بالنسبة لاسرائيل وهو ان تخسر تركيا، حليفتها الاخيرة في المنطقة، وهي قوة اقتصادية وسياسية صاعدة. ان المعطيات الاقتصادية التي نشرت هذا الاسبوع قبيل نهاية السنة تقول كل شيء: فالدولة التي صدرت في سنة 2002 سلعا بمبلغ 36 مليار دولار، صدرت في السنة الماضي بنحو من 135 مليار دولار وسجلت نموا مذهلا بلغ نحوا من 8 في المائة في الوقت الذي تنهار فيه اوروبا المجاورة. ونقول بالمناسبة ان اسرائيل ما تزال في قائمة الدول العشرين التي ارتفع التصدير اليها في سنة 2011، وهذه علامة على انه ربما لم يفسد كل شيء.

        ان اسطنبول مدهشة وآسرة الآن كما كانت دائما، فالسوق الكبيرة تضج بالناس حتى من غير السياح من اسرائيل، وأرغفة السمك على البوسفور والشاورما التركية واللبن والاجبان والحلويات لذيذة بصورة عجيبة، والنظام هنا يبرهن على انه يوجد شيء اسمه الاسلام المعتدل والديمقراطي. لا يجوز ان تُترك العلاقات بهذه الدولة وهي ملاذ اسرائيل الأخير في المنطقة في أيدي قلة من الساسة الاسرائيليين المؤمنين بالقوة والصلفين.

انشر عبر