شريط الأخبار

أمريكا دعمت مبارك وسعت لتقسيم مصر

11:39 - 30 تموز / ديسمبر 2011

أمريكا دعمت مبارك وسعت لتقسيم مصر

فلسطين اليوم- وكالات

الشعبية، ففي مصر بشكل خاص، شاركت كل فئات الشعب في تلاحم رائع من أجل القضاء علي نظام فاسد استمر 30 عاما، استحل خيرات البلاد وقهر العباد، وأغرقهم في الفقر والجوع والجهل، فقط من أجل أن يحافظ علي وجوده.

ولكن هل كان الغرب الحليف للنظام المصري السابق بعيدا عن الأحداث التي وقعت في مصر؟، هل فوجئت واشنطن والعواصم الأوروبية بالثورة ونزلت علي رؤوس قادة تلك الدول كالصاعقة؟ أم أنها كانت تعلم بوجود بوادر للثورات العربية عامة والثورة المصرية بشكل خاص؟.

تلك تساؤلات يصعب الإجابة عنها بصورة قاطعة، فعلي سبيل المثال ذكر كاتب أمريكي يدعي "ديفيد اجناتيوس" في مقال نشرته صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية في مارس الماضي أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما توقع المد الثوري العربي، وأمر الوكالات الأمريكية بالاستعداد لحدوث تغير في الأنظمة العربية وذلك في أغسطس 2010 أي قبل اندلاع الثورة التونسية، باكورة الثورات العربية بـ5 أشهر تقريبا.

ربما يكون ما ذكره الكاتب الأمريكي الشهير محاولة لحفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية، التي بدت مرتبكة وغير قادرة علي التعامل مع تصاعد أحداث الثورة في مصر، والتي أدت إلي سقوط نظام مبارك الحليف الطويل لواشنطن، وربما يكون العكس هو الصحيح، وأن واشنطن كانت علي علم أو دراية بوجود مقدمات للثورة المصرية.

التقرير الذي نستعرضه في السطور المقبلة مهم وخطير للغاية، وتنبع خطورته من أن واشنطن اخترقت الداخل المصري منذ سنوات، وأنها قامت بإعداد ما يطلق عليهم الجيل الجديد للقادة الديمقراطيين علي مدار أكثر من 5 سنوات، والغريب أن من شاركوا في تلك البرامج الأمريكية اعترفوا في هذا التقرير بالدور الأمريكي في إعدادهم، ولكنهم في نفس الوقت أكدوا أن الثورة لم تكن وليدة الخارج.

فقد أكدت وكالة "الأسوشيتدبرس" الأمريكية، في احد التقارير التي تناولت خلالها الثورة المصرية، أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دورا مزدوجا في الشرق الأوسط من خلال تأييد الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة من أجل مصالحها، ثم إعداد جيل من الشباب العربي لقيادة التحرك نحو الديمقراطية في تلك الدول. وأضافت بقولها إن عدد من شباب الثورة في مصر والعالم العربي تدربوا في أمريكا منذ عام 2005 علي برامج الديمقراطية ومهارات التنظيم السياسي ووسائل الاتصال الاجتماعي.

وأشارت إلي أن عددا ممن شاركوا في تلك البرامج سبق لهم مراقبة الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أقيمت في مصر عام 2005 حيث شاهدوا بأنفسهم عمليات التزوير الفاضحة خلال تلك الانتخابات. وقالت: "أكد المشاركون في تلك البرامج أن الثورات العربية اندلعت نتيجة الأوضاع الظالمة التي شهدها العالم العربي علي مدار عقود، وأن الثورات لم تكن مستلهمة من الخارج، إلا أنهم أشاروا أيضا إلي تدريبات بناء الثقة التي تلقوها علي أيدي مدربين أمريكيين وأوروبيين أيضا كانت عاملا محفزا للنجاح ".

وأشارت إلي أن أحد نشطاء المعارضة الذين ساهموا في الثورة المصرية ويدعي "بلال دياب" كان أحد المشاركين في "مدرسة القادة الجدد" بأمريكا، حيث تدرب هناك لمدة 6 شهور وقطع دراسته لينضم للثورة. ونقلت عن بلال دياب قوله: "لقد ساعدنا التدريب الأمريكي علي تنظيم الثورة، الناس كانوا مشتتين ولكننا تعلمنا كيف نقوم بتجميعهم ونجحنا بالفعل في ذلك".

وعلقت الوكالة علي تصريحات بلال بقولها :"إنه أمر يثير تناقضا كبيرا، وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد حسني مبارك وحلفاء عرب آخرين، وفي نفس الوقت ساهمت في برامج لعبت دورا في إسقاط هؤلاء الحلفاء وهناك قائمة أخري منهم في الانتظار". ونقلت عن المعارض المصري "عبد الله حلمي" قوله إنه استفاد من التدريب الذي استمر مئات الساعات في إدارة الحملات الانتخابية واستخدام مواقع مثل فيس بوك وتويتر في التواصل السياسي والاجتماعي مع الآخرين.

وقالت إن المدون المصري "باسم سمير" راقب أيضا الانتخابات في 2005 وتلقي تدريبا مكثفا في منظمة "فريدم هاوس" الأمريكية علي التواصل الاجتماعي وزار مكاتب جوجل، واطلع بواسطة متخصصين علي الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2008.

وأشارت الوكالة إلي أن ما يقرب من 10 آلاف مصري شارك في برامج الديمقرطية والحكم التي رعتها الوكالة الأمريكية للتنمية  USAIDوأكدت أن واشنطن خصصت ما يقرب من 800 مليون دولار من أجل برامج المنافسة السياسية والمجتمع المدني في 67 دولة علي مستوي العالم.

من جانبه أكد المعهد الديمقراطي الوطني الأمريكي أن سياسة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في دعم الديمقراطية في مصر مهدت الطريق أمام ثورة يناير.

وقال المعهد في تقرير نشره في أعقاب تنحي مبارك إن البرنامج أرسل ما يقرب من 13 ألف مراقب للانتخابات البرلمانية في مصر في ديسمبر الماضي، وأن المراقبين أصيبوا بخيبة أمل عارمة نتيجة عمليات التزوير الفاضحة التي شهدته الانتخابات، وأشار إلي أن بعض هؤلاء أصبحوا قادة في الثورة، واستخدموا مهارات الاتصال التي تعلموها في واشنطن في تنسيق وتنظيم المسيرات التي شهدتها الأيام الـ18 للثورة.

وأشار تقرير المعهد إلي أن تلك المعلومات ربما تعزز ادعاءات نظام مبارك بأن أيادي خارجية لعبت دورا في الثورة المصرية. من جانبه قال "ستيفن ماك اينرني" المدير التنفيذي لمشروع ديمقراطية الشرق الأوسط إن الحركة الاحتجاجية دون شك كانت نشطة حتي دون الدعم الأمريكي، ولكنها لم تكن لتصبح علي هذا القدر من التنظيم.

وأضاف بقوله "نحن لم نمولهم كي يبدأوا المظاهرات، ولكننا ساعدناهم علي تطوير مهاراتهم واتصالاتهم بالآخرين".

الغريب في الأمر أن بعضا ممن يحصلون علي التمويل الأمريكي يعترفون بدور واشنطن في الثورة، فقد نقل التقرير الذي نشره موقع المعهد الديمقراطي الوطني الأمريكي عن أحد المنظمات المصرية المطالبة بالديمقراطية والتي تتلقي دعما أمريكيا قوله "لقد ساعد البرنامج الأمريكي للديمقراطية بصورة أو أخري علي حدوث الثورة في مصر".

وبعد نجاح الثورة، بدأ الإعلام الأمريكي نفسه في كشف بعض الأمور، ومن بينها ما ذكرته صحيفة "النيويورك تايمز" الأمريكية بأن جماعة 6 إبريل حصلت علي دعم مالي أمريكي، إضافة إلي اختيار مجلة "التايم" الأمريكية للناشط وائل غنيم في قائمة الشخصيات الأكثر تأثيرا في العالم، بل ووصل الأمر إلي قيام الرئيس الأمريكي باراك أوباما بترشيح "فتي جوجل" وائل غنيم ليكون رئيسا مستقبليا لمصر.

من جانبه فقد كشف الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو عن حقيقة السياسة الأمريكية، وقال كاسترو: الولايات المتحدة تتلاعب بخبث في الأوضاع المصرية، الأجهزة الرسمية الأمريكية كانت تمد الحكومة المصرية بالسلاح، وفي الوقت نفسه تساعد المعارضة بالمال، المكيافيللية الأمريكية قامت علي تزويد الحكومة المصرية بالأسلحة، وفي الوقت نفسه طلبت من الوكالة الأمريكية للتنمية الدوليةUSAID  تمويل المعارضة."

ربما يفتح ذلك الباب أمام ملف أكثر اتساعا، وهو المتمثل في مشروع الشرق الأوسط الكبير.

ظهر مشروع الشرق الأوسط الكبير للمرة الأولي في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن عام 2003 إلا أن المصطلح نفسه يعود إلي الثمانينيات من القرن الماضي، حيث نشر الكونجرس الأمريكي دراسة تهدف إلي العمل علي إلغاء الخرائط الاستعمارية القديمة التي أنشأها الاستعمار الفرنسي والبريطاني في بداية القرن العشرين لانتفاء الحاجة إليها بسبب المتغيرات القومية والطائفية الجديدة للبلدان المعنية بالتقسيم.

مصطلح الشرق الاوسط الجديد لم يكن أمريكيا فقط، بل تحدث عنه أيضا الرئيس الإسرائيلي الحالي شيمون بيريز، الذي قال إن علي المنطقة العربية أن تجرب نموذج القيادة الإسرائيلي بدلا من النموذج المصري الذي سيطر علي الشعوب والدول العربية منذ عقود.

التقسيم المفترض في مشروع الشرق الأوسط الكبير يقوم علي تقسيم الدول العربية إلي دويلات علي أسس طائفية ومذهبية، ووفقا للوضع الذي تشهده منطقة شبه الجزيرة العربية، كانت العراق هي العائق الأساسي الذي يمنع هذا التقسيم، وبالتالي كان الغزو الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية علي العراق في عام 2003 والذي بني علي أسس وادعاءات باطلة لا داعي لسردها حاليا الآن.

وفي عام 2006 نشرت مجلة "القوة العسكرية" الأمريكية خريطة جديدة للشرق الاوسط في تقرير تحت عنوان "حدود الدم"، حددت ملامح جديدة لخريطة شرق أوسطية جديدة.

ووفقا للتقرير الأمريكي، فإن الدول المستهدفة بالتقسيم والاستقطاع هي إيران، تركيا، العراق، السعودية وباكستان وسوريا والإمارات.

ووفقا لتقسيم العراق، فستكون هناك 3 دويلات من تقسيم العراق تنشأ ثلاث دويلات سنية وشيعية وكردية، ويشمل المخطط أيضا السعودية، حيث ستعاني من التقسيم إلي دولتين، دولة دينية (الدولة الإسلامية المقدسة) علي غرار الفاتيكان، تشمل علي كل المواقع الدينية المهمة لمسلمي العالم، ودولة سياسية وسيقتطع منها أجزاء لتمنح إلي دول أخري مثل اليمن والأردن.

ووفقا للتقرير فإن هناك دولة أخري ستنشأ علي الأردن القديم بعد أن تقتطع أراض لها من السعودية وربما من فلسطين المحتلة لتشمل كل فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات وهو ما يسمي بـ"الأردن الكبير".

هذا المخطط ربما لا يبدو بعيدا عن الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ففي البحرين خرج الشيعة الذين يمثلون ثلثي السكان في احتجاجات ضد أسرة آل خليفة السنية الحاكمة، وهو ما استدعي السعودية والإمارات للتدخل من أجل وقف المد الشيعي في شبه الجزيرة العربية، وهو ما أدي إلي توتر العلاقات بين الدول العربية السنية في الخليج وبين إيران الشيعية.

وهناك أيضا الاضطرابات التي تشهدها سوريا، وتهدد استمرار نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حيث توجد تقارير وخرائط معدة تشير إلي مخططات تهدف إلي تقسيم سوريا لـ4 دويلات، سنية وشيعية وعلوية ودرزية.

ولا تقف اليمن بعيدة أيضا عن مخططات التقسيم في ظل الانتفاضة الشعبية التي تشهدها ضد نظام الرئيس علي عبد الله صالح المستمر في الحكم منذ 32 عاما.

تلك التطورات والمخططات الاستعمارية تقودنا إلي مصر، التي وصفها نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني بأنها الجائزة الكبري، في تصريحه الشهير بأن "العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر هي الجائزة الكبري".

ولكن مصر لها وضع خاص، ولا يمكن تقسيمها وفقا للمخططات التقليدية، التي أسفرت عن تقسيم السودان إلي دولتين شمالية جنوبية، وفي الطريق دولة دارفور، وليبيا التي تحولت إلي دولتين إحداهما في أيدي الثوار والأخري في أيدي نظام معمر القذافي، ثم المغرب التي يمكن أن تشهد انفصال الصحراء الغربية وهي الدولة التي تطالب بها جبهة البوليساريو، وبالتالي فكان مخطط التقسيم في مصر يجب ان يقوم علي أساس طائفي.

لاحظوا مثلا أن الأحداث الطائفية في مصر، التي حاولت وسائل الإعلام المحلية والعالمية إلقاء اللوم فيها علي عاتق التيار الإسلامي، سواء كان سلفيا أو إخوانيا أو أصوليا، لم تحدث في الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير، بل بدأت قبلها بشهرين.

في نوفمبر الماضي، وقعت اشتباكات بين مسيحيين والشرطة في منطقة العمرانية بالجيزة، نتيجة نزاع حول مبني تم ترخيصه علي أنه مبني خدمي وقرر المسيحيون تحويله إلي كنيسة.

وفي ليلة رأس السنة شهدت مدينة الإسكندرية اعتداء إرهابيا لم تشهده مصر من قبل، عندما فجر مجهولون كنيسة القديسين، وهو ما أوقع مجزرة حقيقية بحق أبرياء، وأدي إلي حالة من التوتر والاحتقان الطائفي في البلاد.

قامت الثورة، وبعد نجاحها كانت أحداث كنيسة صول، وما تبعها من صدامات بين مسلمين ومسيحيين في طريق الاوتوستراد، ثم أحداث إمبابة، واشتباكات ماسبيرو، وأخيرا وليس آخرا أحداث كنيسة عين شمس.

هذه الفتنة الطائفية لا تخدم مصر بأي حال من الأحوال، وبالتالي فإن قاعدة "فتش عن المستفيد" ستقودنا إلي مخطط تقسيم مصر طائفيا، خاصة في ظل دعوات بعض المتشددين للتدخل الأمريكي والغربي لحماية الأقباط المسيحيين في مصر تحت شعار حماية الأقليات، وهي دعوة خطيرة تتماشي تماما مع مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يهدف إلي تقسيم الدول العربية طائفيا ومذهبيا، وبالتالي فإن المخطط الذي يستهدف مصر من خلال إشعالها طائفيا يجب ألا يخفي علي أي عاقل محب لهذه الأرض.

 

انشر عبر