شريط الأخبار

ساعة اختبار- معاريف

11:06 - 25 حزيران / ديسمبر 2011

ساعة اختبار- معاريف

بقلم: اسرائيل زيف

(المضمون: الأمور في الشرق الاوسط تسير نحو التدهور وعدم الاستقرار وتعاظم العداء والعزلة على اسراسيل الامر الذي يتطلب سياسة حكيمة تأخذ المبادرة. هذا هو الاختبار الحقيقي للقيادة الحكيمة - المصدر).

        في نهاية الاسبوع بلغ عدد القتلى في سوريا نحو 160. رغم ان نهاية الحكم باتت مرتقبة، ليس واضحا بعد كم مواطنا سيضطر الى الدفع بحياته لقاء الفراغ السياسي الذي نشأ حوله، مؤشر واضح آخر على الضعف الغربي والتغييرات الجغرافية السياسية الجارية حولنا.

        في نهاية الاسبوع قالت وزارة الخارجية ان الدول الغربية الاوروبية غير ذات صلة، قول غير دبلوماسي وفي السياق الملموس ولكن لاسفنا الشديد جد ذات صلة وذلك لان الشرق الاوسط يتدهور ويتطرف في الوقت الذي يفقد الغرب ولا سيما الولايات المتحدة قوته لدرجة انعدام التأثير على ما يجري. ايران تواصل التقدم نحو السلاح النووي، والمناورة التي أعلنت عنها في مضائق هرمز هي استفزاز واضح ضد تهديدات تشديد العقوبات عليها.

        غير أنه في هذا الزمن المركب والخطير، عندما تتدهور كل المنطقة نحو انعدام اليقين وانعدام التحكم، ينشأ الانطباع بان الهم المركزي لحكومة نتنياهو يتركز على تقديم موعد الانتخابات، من أجل استغلال الوقت المناسب الذي يتوفر للحكومة في فترة السباق نحو الانتخابات في الولايات المتحدة. تجاه الداخل يبثون الاحساس بان الامور تسير كالمعتاد رغم أن "الحي" في المحيط يشتعل ولا يبدو ان لاسرائيل أجندة واضحة. السؤال المحتم هو هل يعنى جدول الاعمال الوطني بما يلزم حقا أم ربما يوجد هنا كبت أو تجاهل مقصود للمشاكل المشتعلة امام باب بيتنا حقا.

        في قطاع غزة يتدهور الوضع من سيء الى أسوأ حماس تستمد التشجيع من التغييرات في المنطقة وصعود قوة المتطرفين في العالم العربي. فهمها في أن مجال رد الفعل الاسرائيلي للعمل ضدها آخذ في التقلص، على خلفية مسيرة التطرف في مصر والعزلة المتزايدة لاسرائيل في الاسرة الدولية، مما يزيد جرأتها على العمل ضدها. الفلسطينيون، الذين لا يؤمنون بالحكومة الحالية،  تكبدوا فشلا في الخطوة الدولية لاستقلال من جانب واحد، غير أن هذا الفشل لم يعد خيار المفاوضات من جانبهم، وتوسيع المستوطنات هو مجرد ذريعة، يعمل في هذه الحالة في صالح الطرفين، من أجل الامتناع عن العودة الى قناة الحوار.

        الفلسطينيون لا يؤمنون بانهم سينجحون في الحصول على شروط أفضل من حكومة نتنياهو من تلك التي حصلوا عليها من باراك واولمرت وعمليا لا يؤمنون بامكانية تحقيق اتفاق مع الحكومة الحالية. وهم يرون الضعف الامريكي في المنطقة، وليس لديهم أي توق لاعطاء اوباما انجاز سياسي عشية الانتخابات بعد أن أدار لهم ظهر المجن في الجمعية العمومية للامم المتحدة. امكانية التقارب مع حماس هي السبيل شبه الوحيد في ضوء انعدام البديل السياسي. الحقيقة هي أن الوضع المحبط الذي يعيشه الفلسطينيون أخطر من أي وقت مضى ويمكنه أن يعيد الى جدول الاعمال العنف بشكل متطرف وأسرع بكثير مما يمكن توقعه.

        في سوريا، النظام قد ينهار ويخلف وراءه على نحو شبه مؤكد دولة تعود الى بداياتها. الصعود المتوقع للسنة الى الحكم سيجلب معه اجندة جديدة أيضا. صحيح أنه يوجد احتمال الا يستسلم النظام الجديد لايادي طهران، ولكن يمكن الافتراض بانه سيضطر الى الحفاظ على علاقات سليمة معها، ولا سيما من أجل الا يعرض نفسه للخطر ويفصل بينه وبين مصالحه الاقليمية – حزب الله في لبنان. معقول ايضا ان يكون هذا النظام ملتزما بمن ساعده في أثناء ضائقته بشكل مباشر وساعد المعارضة، الا وهو تركيا، التي لها مصالح اقتصادية، ديمغرافية وأمنية مشتركة في سوريا، مثل عزل الاكراد من الشرق والتأثير على المحور الايراني – اللبناني. وتركيا ستربح فقط من وجود التوتر بين سوريا الجديدة واسرائيل، والعطف علينا لن يكون على جدول الاعمال في الحكم الجديد.

        السقوط المتوقع للاسد معناه أيضا انحلال الجيش الذي تقوده الاقلية العلوية، وينطوي حله على خطر على الهدوء في الحدود الشمالية التي كانت هي الاهدأ بالنسبة لاسرائيل في العقود الاربعة الاخيرة. حزب الله وايران ينظران بقلق على ما يجري في سوريا. وهما يفهمان بان كل الاتفاقات القائمة مع الاسد، والتي تتضمن مسار تسليح حزب الله ووجود استراتيجية منسقة ضد اسرائيل ستضيع هباءاً. وعليه فان المنظمة تسرع تسلحها وكأنه لا يوجد غد. اضافة الى ذلك، فان حزب الله والايرانيين يفهمون ايضا الفرصة الكامنة في امكانية انهيار الجيش السوري، والذي يفتح الامكانية لنقل النشاط الارهاب الى داخل سوريا ومنها نحو اسرائيل.

        عمليا، لضمان تواصل التوريد من ايران، امكانية فتح جبهة جديدة حيال اسرائيل والحاجة الى التأثير من الشمال على الاردن سيكون هدفا استراتيجيا موضوعه "لبننة" سوريا على ايدي حزب الله وايران. سيناريو كهذا من شأنه أن يجد ايدي اسرائيل مكبلة. اسرائيل غير جاهزة وستجد صعوبة في القيام بنشاطات مانعة داخل سوريا.

        في الموضوع المصري، المسيرة الجارية لدى جارنا من الجنوب ليس الا سياق من التدهور المرتقب مسبقا، والعمى الامريكي والكبت الاسرائيلي وحدهما لا يزالان يتعلقان بالقوة المستنفده للقيادة العسكرية، التي لا تؤمن بنفسها. يوجد حق في اقوال المحللين بان لمصر، تحت كل حكم، مهما كان متطرفا، لا توجد بدائل كثيرة ولا سيما ليست اقتصادية كون مصادر الدخل محدودة وستواصل كونها متعلقة بالولايات المتحدة وبتوريد الغاز لاسرائيل. صحيح، هذا الوضع وان كان يقلص احتمال العمل المتطرف مثل الغاء استعراضي لاتفاق السلام و/ أو اعادة حالة الحرب مع اسرائيل، الا انه بالمقابل، حتى بدون اعلان، فان فقدان السيطرة في سيناء واللبننة في شبه الجزيرة، سياسة تأييد حماس ومنح يد حرة لارساليات السلاح الى غزة، سيشكل خطا جديدا ومتطرفا ضد اسرائيل. حكومة مع أغلبية للاخوان المسلمين، ستقضم ببطء السياسة حيال اسرائيل. الامريكيون، الذين من جهتهم سيرغبون دوما في البقاء على صلة وبتأثير ما، لن يتخذوا أي خطوة تعرضهم للخطر وتجعل من الصعب جدا عليهم العمل لوقف مثل هذا التآكل.

        تنبغي الاشارة الى أنه في خلفية الامور يأتي الخروج الامريكي من العراق والذي اعاده الى الوراء الى فترة الانشقاق الطائفي وهو الان ثمرة ناضجة ستقع الان في ايدي النفوذ الايراني. الفوضى الان في العراق وفك ارتباط الامريكيين عن المنطقة سيؤثران سلبا على الميل والاستقرار في المنطقة بأسرها.

        فضلا عن تركيا وايران، يوجد محفل آخر قد يستفيد من التغييرات المرتقبة، الا وهو السنة. بيجين، التي تشكل اليوم الخلفية ومجال المناورة الاقتصادية لايران حيال العقوبات الغربية، يمكنها ان تكون ايضا من يدخلها التعزز الايراني بفروعه واذرعه كرافعة اقتصادية بديلة لضعف النفوذ الامريكي والروسي في المنطقة. والامر صحيح اساسا بالنسبة لدول ذات احتياطي النفط الذي تحتاجه الصين كالاكسجين للدم. فائض الاموال النقدية والقوة الاقتصادية الصينية الهائلة ستشكل مصدرا لحل أزمة الانظمة الجديدة التي تقوم على ارض من الصناديق الفارغة والارض المحروقة. السياقات الجارية الان وبشدة كبيرة تستدعي جدول أعمال مناسب.

        اسرائيل تدخل في فترة هي من اكثر الفترات تركيبا وتعقيدا في تاريخها والاحساس هو ان ليس للسفينة طريق واضح للابحار فيه. لا يمكن التنبؤ بشكل دقيق بالمستقبل القادم ولكن معنى ميل الاحداث والسياقات واضح للغاية؛ نحن نسير نحو عصر من انعدام الاستقرار، التعزز والريادة للعناصر الاصولية والصعود فيه العداء تجاه اسرائيل.

        في السطر الاخير، الشرق الاوسط من شأنه أن يتدهور الى وضع من انعدام التحكم، واذا كانت اسرائيل لا ترغب في ان تستيقظ ذات صباح لتجد نفسها في المكان الذي كانت فيه في الستينيات، عندما كانت كل المنطقة ضدها، فانها ملزمة بان تأخذ المبادرة في يديها وتعمل في كل جبهة يوجد لها امكانية للتأثير فيها؛ جهد شجاع وحقيقي لحل وسط مع الفلسطينيين؛ تخفيف حدة العداء التركي ومنع الاخطاء حيال الاردنيين والمصريين. كل هذا يمكن أن يفعل الكثير لتخفيض الميل السلبي القائم بل وتحقيق شرعية للعمل على تغيير الوضع. هذه السياقات ستهدىء روع الاردنيين، الذين يشكلون حاجزا حيال ايران، وستخرج الهواء من دولاب التطرف والعداء في الرأي العام العربي وتحسن الاجواء مع اوروبا والعالم. الحاجة الى التأثير على ما يجري في هذا الزمن هي حاجة حرجة وتشكل اختبارا للزعامة الوطنية الحقيقية. هذا ليس الوقت الذي تتدبر فيه الامور من تلقاء ذاتها، بل الاختبار الحقيقي للحكومة التي ستقرر مستقبلنا للعقود القادمة – والكرة في يديها.

انشر عبر