شريط الأخبار

الفضيحة والجريمة بالصور .. فهمي هويدي

07:52 - 19 تشرين أول / ديسمبر 2011

الفضيحة والجريمة بالصور .. فهمي هويدي

الصورة التى طيرتها وكالات الأنباء إلى أرجاء الكرة الأرضية، وتصدرت أمس الصفحات الأولى لكبريات الصحف فى العالم كانت للفتاة المصرية المحجبة، التى ألقيت على الأرض وأوسعها بعض «الأشاوس» ضربا بعصيهم حتى مزقوا ثيابها وكشفوا عورتها. وقد رأينا أحدهم وهو يركل بطنها العارية بحذائه، فى حين جرها آخرون من زملائه من شعرها وثيابها، فى مشهد يقشعر له البدن ويزلزل كيان أى ضمير حى. لم يكن أسوأ ما فيه فقط بشاعة المنظر ووحشيته، وإنما أيضا درجة الغل والقسوة التى تبدت فى سلوك الجنود الذين ارتدوا الثياب العسكرية.

الصورة المروعة تصعق من يراها وتصيبه بالذهول والدوار. حيث لا يصدق أحد ــ مهما شطح به الخيال أو ذهب به سوء الظن ــ ان ذلك يمكن أن يحدث لمصرى أو مصرية بعد عشرة أشهر من الثورة التى ما قامت إلا لكى تدافع عن كرامة المواطنين وعزتهم. دعك من أن الصورة تحولت إلى فضيحة عالمية تشعر كل مصرى بالخزى والعار. ولا أعرف ما هو شعور أعضاء المجلس العسكرى أو حكومة «الإنقاذ» أو أعضاء المجلس الاستشارى الذين جئ بهم لكى يكونوا عونا للعسكر حتى تنتهى المرحلة الانتقالية، لكننى أزعم أن الصورة سوّدت وجوه الجميع ولطخت صفحتهم بحيث ما عاد ممكنا أن يطمئن المرء أو يثق فيما يصدر عن أى من هؤلاء جميعا.

أدرى أن البيانات والتصريحات الرسمية تحدثت عن مندسين ومخربين وبلطجية، وهو ما لا أستبعده ولدى استعداد لتصديقه مؤقتا. لكن هذا الذى رأيناه فى الصورة الصاعقة لا ينبغى أن يمر دون اعتذار وحساب وعقاب. ولا أعرف إن كان ذلك كافيا أم لا، لكن من حقنا أن نعرف من هؤلاء ومن الذى أصدر إليهم أوامر الانقضاض على المتظاهرين واستباحة كرامتهم وأعراضهم ودمائهم بهذه الصورة البشعة التى أزعم أنها أهانت المصريين جميعا.

لقد أحسنت صحيفة «التحرير» حين أبرزت الصورة على ثمانية أعمدة واحتلت رأس الصفحة الأولى أمس، واحسنت أيضا حين ذكرت إلى جانب الصورة ان «المجلس العسكرى بنفى إطلاق الرصاص ــ والجنزورى يقول إنه لم يلجأ إلى العنف» ــ وتحت هذا الإعلان نشرت الصحيفة كلمة «كذابون» بحروف كبيرة ولون أحمر فاقع. وهو وصف ما تمنيت أن يذكر، لكنى وجدت أنه فى اللحظة الراهنة التعليق المهذب الوحيد الذى يمكن أن يذكر إلى جانب الصورة.

أدرى أن صورا أخرى ليست أقل بشاعة نشرتها صحف الصباح أمس، وكلها تعد تكذيبا عمليا قاطعا لكل ما صدر من بيانات أو ايضاحات رسمية حول ما جرى، الأمر الذى لا أشك فى أنه أحدث أزمة ثقة عميقة بين الجماهير وبين كل القائمين على الأمر فى البلد هذه الأيام. حيث لا نستطيع أن نبرئ ساحة أى واحد منهم مهما صدر عنه من أعذار ومهما كان موقعه.

لقد رأينا صورا على شبكة التواصل الاجتماعى قيل إن المجلس العسكرى بثها ليثبت أن هناك مؤامرة تخريبية استهدفت أحداث الفتنة فى البلد، التى طالت مبنى المجتمع العلمى المصرى وأدت إلى إحراق نفائسه التى تشكل مساحة كبيرة من الذاكرة المصرية. لكن من حقنا أن نتساءل عن تلك المؤامرة الجهنمية التى فشل المجلس العسكرى فى إحباطها، وعجزت الأجهزة الأمنية فى البلد عن أن تمسك بخيوطها طوال الأشهر العشرة الماضية. من حقنا أن نتعرف على أدلة المؤامرة، وأن نطالب بمحاسبة الذين فشلوا فى وضع حد لها، ثم إننا إذا قبلنا جدلا بقصة المؤامرة، فإن وجودها لا يسوغ ذلك الانقضاض الوحشى على المتظاهرين، وتلك المعاملة غير الإنسانية للذين تطولهم أيدى الجنود الذين تعاملوا مع شباب مصر وبناتها باعتبارهم سبايا و«أعداء» ينبغى إذلالهم وسحقهم.

حتى الاعتذار الآن ما عاد مقبولا ما لم يقترن بمحاكمة المسئولين عن قمع المتظاهرين واستباحتهم. بالأخص أولئك الذين أصدروا الأوامر. ولا يكفى ذلك أن تلبس التهمة لجندى أو ضابط صغير، لأن الكبار هم الذين يصدرون مثل هذه التعليمات.

لقد كان ملفتا للانتباه أن تفجير الموقف فى ميدان التحرير الذى أدى إلى قتل نحو أربعين مصريا تم متزامنا مع المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية. أما محاولة فض الاعتصام من أمام مجلس الوزراء هذه المرة فقد جاء متزامنا مع المرحلة الثانية، ولا أعرف ما الذى ينتظر المرحلة الثالثة، لكنى صرت أشك فى هذه المصادفة. الأمر الذى دفعنى إلى التساؤل عن هوية ومقاصد الذين يدبرون أو يفتعلون تلك الحوادث.

ليس أمامنا الآن سوى أن نطالب بالإسراع بخطى رحيل المجلس العسكرى، الذى طغت مشاعر رفض سياساته فى الوقت الراهن على مشاعر الود والتفاؤل الذى استقبل بها حين أعلن انحيازه إلى مطالب الشعب الثائر. بالتالى فلا مفر من الانتظار لعدة أسابيع حتى تتم المرحلة الثالثة من الانتخابات، لكى يكون بمقدورنا أن نطالب المجلس العسكرى بالرحيل، إذ يصبح لدينا كيان منتخب بديل نستطيع أن نقول اننا اخترناه، وبوسعنا أن نحاسبه، لأننا لا نعرف الآن كيف نحاسب المجلس العسكرى، وان كنا نظن أن حساب التاريخ معه بعد الذى جرى سيكون عسيرا.

انشر عبر