شريط الأخبار

أي شعب تم اختراعه؟ عوني فرسخ

10:24 - 16 تشرين أول / ديسمبر 2011

في مقابلة مع فضائية يهودية أمريكية قال نيوت غنغريتش، الأوفر حظاً بترشيح الحزب الجمهوري “إن الفلسطينيين شعب من الإرهابيين تم اختراعه ينتمي إلى المجموعة العربية” . وهو قول لا يدل فقط على عنصرية وانحياز من صدر عنه، وإنما أيضاً على جهل وتجاهل مركبين عرف بهما غالبية الساسة وصناع القرار والمستشارين الأمريكيين . فهذا المرشح يبدو جاهلاً أن فلسطين شهدت مطلع الالف الثالث قبل الميلاد تمازجا بشريا وحضاريا بين قبائل وشعوب نزحت عن شبه الجزيرة العربية أبرزها اليبوسيون والكنعانيون . وقد بنى اليبوسيون مدينة “يبوس” القدس اليوم، فيما بنى الكنعانيون مدينة “شكيم” نابلس اليوم  . وامتزجت الجماعتان في شعب كنعان الذي ينتسب إليه عرب فلسطين . وتوجد أسماء 119 مدينة كنعانية على اعمدة الكرنك . والذي يتجاهله المرشح ان فلسطين عرفت في التوراة بأنها "أرض كنعان".

ثم إنه يبدو جاهلاً بأن “أرض كنعان” غزتها حوالي 1300 قبل الميلاد جماعة بحرية قدمت من جزر بحر ايجه عرفت بالفلسطينيين، التي سرعان ما اندمجت بالكنعانيين ليشكلوا شعباً واحداً كنعاني اللغة، فلسطيني الاسم . وهو الشعب الذي دخل في صراع مع قبائل “الخبيرو” المعروفة تاريخياً باسم “العبرانيين” التي تسربت إلى فلسطين حوالي 1200 قبل الميلاد .

والمعروف أن فلسطين عرفت على ما يجاوز الثلاثة آلاف سنة باسم شعبها الفلسطيني، ولم يرد في أي مصدر تاريخي أنها عرفت يوماً بأرض “العبرانيين” .

وثالث ما يبدو أنه يجهله أنه عندما حرر الفاتحون العرب المسلمون أرض فلسطين من الاحتلال البيزنطي طلب بطريرك القدس، المسماة حينها “ايلياء”، تسليم المدينة المقدسة للخليفة عمر بن الخطاب، الذي عندما أراد ان يكتب “العهدة العمرية” بتأكيد الحقوق والحريات الدينية والمدنية لمواطنيها النصارى طلب البطريرك صفرونيوس أن يضمن الخليفة العهدة النص على أن “لا يسكن إيلياء معهم احد من اليهود” . والثابت أنه لم يكن في فلسطين يهود منذ أجلاهم الرومان عنها سنة 135 م . وكان مواطنو فلسطين في مقدمة شعوب المنطقة الذين اندمجوا مع الفاتحين العرب وشكلوا  بعض النسيج الاجتماعي للأمة العربية .

وعندما انتهى الصهاينة إلى اعتماد فلسطين موطناً لمشروعهم الاستيطاني أوفد هرتزل صديقه ماكس نوردو لاستطلاع الأوضاع فيها . وعندما وجدها عامرة بشعبها العربي أبرق له يقول “العروس جميلة لكنها متزوجة” فرفع الصهاينة شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” تعبيراً عن اعتماد التطهير العرقي لإفراغ فلسطين من شعبها . ويذكر حاييم وايزمان في مذكراته “وعدتنا بريطانيا أن تكون فلسطين سنة 1935 يهودية كما هي بريطانيا بريطانية” . غير أنه برغم كل الجهود البريطانية والصهيونية لم يجاوز المستوطنون الصهاينة 28% من سكان فلسطين سنة 1935 بفعل الممانعة الوطنية الفلسطينية  . بل إنه في العام 1935 فجر عز الدين القسام انتفاضته التي كانت فاتحة ثورة 1936 - 1939 .

فشعب فلسطين لم يتم اختراعه، وإنما هو شعب تمتد جذوره في أعماق التاريخ . أما الشعب الذي جرى اختراعه فهو “الشعب اليهودي” . وليس هذا إدعاء وإنما هي حقيقة أرخها شلومو ساند، المؤرخ “الإسرائيلي”، مؤلف كتاب “اختراع الشعب اليهودي” وقد جاء في مقدمته للترجمة العربية، الصادرة في رام الله المحتلة قبل شهور ما نصه: “لا أعتقد أنه كان في أي زمن مضى شعب يهودي واحد . . فاليهودية، مثل المسيحية والإسلام، كانت على الدوام حضارة دينية مهمة، وليس ثقافة شعبية قومية . ومثلما نعلم جميعا لا وطن للايمان . وخلافاً لذلك فالشعوب ينبغي أن يكون لها وطن، لذلك اضطرت الصهيونية إلى تأميم الديانة اليهودية، وتحويل تاريخ الجماعات اليهودية إلى سيرة شعب “أثني” . ولم يكن في الماضي شعب يهودي، ولا توجد اليوم أمة يهودية . ومع ذلك فقد خلق الاستيطان الصهيوني شعبين في الشرق الاوسط، يوجد اليوم شعب فلسطيني يحارب بضراوة من أجل حريته وبقية وطنه، وشعب "إسرائيلي" له لغة وثقافة لا يشاركه فيهما احد من كل هؤلاء الذين يعرفون انفسهم في العالم كيهود".

ولقد أثار كتاب “اختراع الشعب اليهودي” ضجة كبرى لدى الصهاينة في فلسطين المحتلة وفي أوساط الجاليات اليهودية، لأنه قدم شهادة مؤسسة على قراءة معمقة لتاريخ اليهود متعددي الأوطان واللغات والثقافات تدحض الادعاء بأن اليهود يشكلون شعباً بالدلالة العلمية لمصطلح شعب . أما قوله بأنه في فلسطين يوجد اليوم شعب فلسطيني يحارب بضراوة من أجل حريته وبقية وطنه فهو إنما يقصد بأن التحدي الصهيوني استفز تراث المقاومة المتجذر في ثقافة الشعب العربي الفلسطيني فهب يناضل من أجل حريته وتحرير وطنه . والمقاومة مشروعة في القانون الدولي بكل وسائل المقاومة المتاحة بما في ذلك الكفاح المسلح . وهذا ما يتجاهله السيد غنغريتيش وغالبية الساسة والاعلاميين الأمريكان . وعلى مدى تاريخ حركات التحرر الوطني اتهم قادة المقاومة وكوادرها بالارهاب، بحيث يمكن اعتبار غنغريتش شعب فلسطين بأنه “شعب من الإرهابيين” وسام شرف على صدور مناضلي هذا الشعب الذي يخوض على ما يجاوز قرنا من الزمن معركة وجود ولا وجود مع استعمار استيطاني عنصري إجلائي يلقى دعم قوى الاستغلال  والهيمنة الدولية .

وكانت القيادة الصهيونية بزعامة بن غوريون قد اعتمدت التطهير العرقي لشعب فلسطين في حرب 1948 بحيث هجرت قسراً 61 % من مواطنيه، واحتلت 78 % من أرضه . في وقت كانت فيه بريطانيا تخص المستوطنين الصهاينة بالحماية، فيما مراقبو الأمم المتحدة شهود زور على جريمة التطهير العرقي . غير أن ذاك لم يفت بعضد شعب فلسطين . وبرغم كل الدعم الدولي للصهاينة، والتآمر على شعب فلسطين، يوجد اليوم على ترابها المحتل مواطنون عرب يقاربون عدد المستوطنين الصهاينة.

وإذا كان هذا الشعب العظيم في ممانعته ومقاومته قد اثبت وجوده أيام كانت أمريكا القطب الأوحد و”إسرائيل” في أوج انتصارها فانه لا يخشى عليه أبدا وأمريكا تواجه ما تواجهه و”إسرائيل” تعيش مأزقها الوجودي . ولا خوف مطلقاً من شطب شعب فلسطين، وإن كثر المتهافتون على الاعتراف بالشعب الذي تم اختراعه . وتاريخ شعب فلسطين شاهد على أنه كلما سقط على درب كفاحه حزب او قائد جاء من هو أشد عزما وأوضح رؤية وأكثر إصرارا على مواصلة الكفاح.

انشر عبر