شريط الأخبار

كتبت جيهان الحسيني ... فتح وحماس من جديد...مصالحة أم تلاقي مصالح؟

09:57 - 14 حزيران / ديسمبر 2011

فتح وحماس من جديد...مصالحة أم تلاقي مصالح؟ .. جيهان الحسيني*

لا شك أن اللقاء الذي جمع بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في القاهرة أخيراً كان باعثاً للأمل لدى معظم الفلسطينيين على صعيد طي الانقسام، خصوصاً أن التصريحات التي صدرت من قبل المسؤولين لدى الطرفين في كل من حركتي "فتح" و"حماس" أثلجت الصدور عندما رفعت سقف التوقعات، وروجت لهذا اللقاء باعتباره لقاءً حاسماً وتاريخياً سيحمل في طياته الكثير من المفاجآت على صعيد إنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة. لكن للأسف الشديد ليس كل ما يشتهيه المرء يدركه، فاللقاء كان مخيباً للآمال والمشهد لم يكن مقنعاً حتى لكوادر كلا الطرفين، ومحاولة تسويق البعض لهذا اللقاء (القمة)، كما يحلو لهم توصيفه، وأن مصالحة حقيقية نجمت عنه هي استخفاف بالناس وتسطيح للعقول.

لذلك فليس مستغرباً أن نجد الشعب الفلسطيني قد أدار ظهره ولم يعد يبالي ولسان حاله "لقد تمخض الجبل فولد فأراً".

ليس لدى الفلسطينيين ميدان تحرير كي يعتصموا فيه تعبيراً عن مللهم من هذه اللقاءات وليعربوا عن احتجاجهم على هذا التضليل الصارخ لهم جراء محاولات إقناعهم بأن هذا اللقاء كان بمثابة إنجاز وطني عظيم، وعلى رغم حرص الرجلين (عباس – مشعل) على الإعلان بأن الخلافات بينهما انتهت، إلا أن كثيرا من الفلسطينيين يرون أن الأمر كان أشبه بالخديعة، فطيلة الشهور التي سبقت التوقيع على اتفاق المصالحة وبعدها كان الجانبان يؤكدان دائماً أن الحكومة هي عنوان المصالحة وهي مربط الفرس وأنه لا مصالحة من دون تشكيل حكومة توافق وطني، وأن استمرار وجود رئيس حكومة تسيير الأعمال سلام فياض في موقعه على رأس الحكومة يعطل المصالحة!! لكن على ما يبدو أن فياض بريء من تعطيل المصالحة براءة الذئب من دم ابن يعقوب وأن الرجل (فياض) تم استخدامه فقط كواجهة لاستمرار الانقسام، وأزيد، لو أن أبو مازن كان حقاً يريد إنجاز المصالحة لما أصر على التمسك بفياض ولقبل بأي اسم من الأسماء التي تم ترشيحها كبدائل عن فياض والتي هي في معظمها سلام فياض، لأنها لا تختلف عنه كثيراً، ولو أنه (الرئيس الفلسطيني) أيضاً وافق على أي من هذه الأسماء التي طرحت لشغل موقع رئيس الحكومة فإنه لم يكن ليجد رفضاً سواء من الأميركيين أو من الأوروبيين طالما أن نهج الحكومة لن يختلف وسيظل متوافقاً مع توجهات السلطة.

 

أما بالنسبة لمشعل فإنه اعترف أخيراً بمحمود عباس رئيساً للشعب الفلسطيني وذلك عندما جلس معه في اللقاء الذي شاهدناه جميعاً عبر الشاشات، لم يجد مشعل هذه المرة أي ذريعة تضطره أو ترغمه على إفشال اللقاء رغم وجود مبررات كافية لتعطيل المصالحة على رأسها ملف المعتقلين الذي مازال عالقاً لم يعالج بعد.

 

مازلت أذكر تصريحات مشعل في مؤتمر صحافي حضرته له في دمشق عندما علل حين ذلك رفضه إتمام المصالحة بعدم إطلاق سراح المعتقلين في الضفة الغربية، والمتابع للشأن الفلسطيني يعرف أن قضية شكلية مثل مكان جلوس مشعل عطلت التوقيع على اتفاق المصالحة أكثر من مرة.

 

أعتقد كمواطنة فلسطينية وبحكم مهنتي المعنية بالشأن الفلسطيني أن المصالحة التي جرت بين عباس ومشعل كانت شكلية واللقاء كان بروتوكولي الطابع بامتياز استخدمه كلا الجانبين ليحقق مصالح شخصية له.

 

فأبو مازن أراد أن يرسل رسالة لكل من الإدارة الأميركية والإسرائيليين مفادها أن لديه بدائل، وذلك من دون أن يقدم شيئاً على الأرض حتى لا يخسر الأميركيين ويحافظ على خط الرجعة، فالرجل مازال يتوق إلى العودة إلى طاولة التفاوض، بل إنه يتحين الفرصة لذلك. وفي الوقت ذاته فإن أبو مازن وهو يصافح مشعل يترقب اللحظة المناسبة (اليوم قبل غد) لمغادرة كرسي الرئاسة بشكل مشرف وبعد أن يرفع عن نفسه هذا العبء، أعني مسؤوليته عن الانقسام، ولسان حاله :"اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد"، فهو سيترك الجمل بما حمل بعد أن يكون قد برأ ساحته ونفض الغبار عن صورته.

 

 لكن الأمر بالنسبة لحركة "حماس" مختلف. فالوضع في سورية مقلق جداً، ويلاحظ وجود مشعل في قطر معظم الوقت، مع حرصه على الوجود في دمشق من خلال زيارات متقطعة من حين إلى الآخر فقط من أجل إثبات وجوده هناك ليس إلا، وهي (حماس) تعي جيداً أنها لن تجد لها ساحة بديلة للانتقال إليها في ظل استمرار الانقسام  وحتى لو كان الإخوان المسلمون في سدة الحكم. وليس سراً أن الإخوان المسلمين أنفسهم أبلغوا حماس بوضوح بضرورة تسوية خلافاتها مع حركه فتح. لذلك مشعل كان حريصاً على أن يقدم رسالة واضحة لا لبس فيها للجميع مفادها أن الخلافات مع فتح انتهت. إن الحقيقة المؤكدة التي تكشفت وظهرت جلياً على الملأ وأمام العالم أن هناك توافقاً حدث بين الحركتين، ليس على إنهاء الانقسام ولكن على إدارته.

 

قال لي أحد الفلسطينيين من أبناء غزة: "لقد طفح بنا الكيل بعد ما صدعوا رؤوسنا بالمصالحة التي أصحبت مجرد لغو ومكلمة"، بينما علق فلسطيني آخر على لقاء (عباس - مشعل) بقوله "إنهم يغسلون أيديهم من الانقسام وكأن الانقسام هو من صُنع اللهو الخفي"، بينما سألني آخر من رام الله مستنكراً :"إلى متى سنظل أسرى لهذه التنظيمات التي أصبحت عبئاً علينا؟".

 

يُحمل البعض الفصائل الفلسطينية مسؤولية استمرار الانقسام، ويعتقد آخرون أن هذه الفصائل مستفيدة من جرائه (..) سألوني: لماذا لم تعتصم هذه الفصائل احتجاجاً على الانقسام سواء في ميدان المنارة في رام الله  أو في ساحة فلسطين في غزة؟!

 

وأخيرا تنبغي ملاحظة أن التنظيمات والفصائل الفلسطينية لا تشكل سوى 30 في المئة من نسبة الشعب الفلسطيني، ورغم ذلك فإنها هي التي ترسم مستقبله وتقرر وتتحكم في مصيره. ومن هنا نسأل: كيف للشعب الفلسطيني الذي كان نموذجاً يحتذى به في مواجهته أعتى ترسانة عسكرية في المنطقة بصدره العاري، أن يقف صامتاً إزاء ما يدور حوله وكأن الأمر لا يعنيه؟ متي ينهض هذا الشعب من غفوته ليصنع حاضره بيده ويحقق ما فشلت الفصائل في تحقيقه؟ 

 

*كاتبه صحفية ومراسلة الحياة اللندنية

 

 

انشر عبر