شريط الأخبار

إنذار حقيقي- معاريف

03:57 - 02 تموز / ديسمبر 2011

إنذار حقيقي- معاريف

بقلم: نداف ايال

في مكان ما في الغرب، في بريطانيا، في الولايات المتحدة وربما ايضا في اسرائيل، احد ما تعلم هذا الاسبوع صور اقتحام السفارة البريطانية في طهران. أناس انكبوا على شاشات الحاسوب وحللوا الوجوه التي ظهرت على الشاشة، ملابسهم، الشعارات التي كتبت على اليافطات. تقارير استخبارية كتبت عن خلفية الحدث وعمن وقف وراءها، ميليشيات البسيج، تلك القوات التي قمعت بوحشية الانتفاضة الخضراء بعد انتخابات 2009. ومن المعقول الافتراض بانه في هذه التقارير، التي كتبت او لم تكتب، عاد ليظهر اسم واحد، في غاية الاهمية، اللواء قاسم سليماني. لا حاجة لان يكون المرء رجل استخبارات لامع كي يفهم صلته بالحدث: المتظاهرون حملوا يافطات وفي بعضها ظهر اسمه. وكانت الاستنتاجات فورية وخطيرة – في لندن، وكذا في واشنطن. الحدث في طهرات كان تصعيدا مخططا له بتوجيه من الحرس الثوري؛ رجل التصعيد عندهم هو سليماني.

سليماني هو رئيس قوة القدس، الذراع المتفوق من الحرس الثوري، او كبديل المنظمة الارهابية الدولية لايران. بالنسبة للموالين للنظام  فانه بطل، وبتعابيرنا "من هيئة الاركان". في السنوات الاخيرة اندفع من الظلمة النسبية للنشاطات غير الرسمية "لتصدير الثورة" الى السياسة الايرانية. مثيرة للانطباع على نحو خاص صوره وهو يسير مع الزعيم الروحاني علي خمينئي. وتدل هذه الصور على التوتر المتصاعد في القيادة الايرانية، توتر يجد المحللون في الغرب صعوبة متزايدة في تحليلها. وحسب نهج ما، فان الحرس الثوري والزعيم الروحاني يحاولان الان تعطيل محمود احمدي نجاد ومؤيديه الذين يعتبرون (بشكل مفاجيء) برغماتيين أكثر. التفسير الوارد يشخص الرئيس الايراني مع الحرس الثوري، فيما أن محافل اكثر اعتدالا (لنفترض رئيس البرلمان علي لاريجاني) يحاولون احداث مواجهة فظة ومباشرة اكثر بينه وبين الزعيم الروحاني. شيء واحد واضح: العلاقات بين الزعيم الروحاني والرئيس متوترة جدا لدرجة أن خمينئي تحدث هذه السنة علنا عن الغاء منصب الرئيس. لا يمكن التقليل من أهمية صراع القوى الايراني الداخلي. هيلاري كلينتون قالت في الاشهر الاخيرة علنا ما كان يهمس حتى الان: الغرب لم يعد يعرف من يسيطر في ايران. من يتخذ القرارات. في ظل أجواء انعدام اليقين هذا، فان مواجهة مع الغرب، وهي في الايام العادية ليست مصلحة ايرانية طبيعية، كفيلة بان تصبح ورقة سياسية حاسمة. ليس صعبا التقدير بان الحرس الثوري سيؤثر بل وربما سيقرر من المنتصر.

سليماني هو شخصية كلاسيكية للحرس الثوري. فقد ولد في قم في 1957، أغلب الظن. وصعوده بدأ في الحرب الايرانية العراقية لاختصاصه في النشاط خلف خطوط العدو. واذا كان للثورة ابن، فهو سليماني. دوره العميق في النشاط الارهابي الدولي أدى في العام 2007 الى فرض عقوبات شخصية عليه، وهو شرف مشكوك فيه جدا. سليماني كان من رجال الاتصال الاول مع عماد مغنية، ضابط العمليات في حزب الله الذي صفي في سوريا، وهو الذي أرسله الحكم في طهران للمساعدة في قمع المظاهرات ضد نظام الاسد.

ربما، من أجل أن نفهم من هو سليماني يجدر بنا أن نروي قصة قصيرة عن علاقاته، او حربه، ضد الجنرال دافيد بتراوس في العراق. في 2008، بينما كان يكافح من أجل اعادة الاستقرار للدولة الممزقة والنازفة، التقى مع مسؤول عراقي كبير من أصل شيعي. عندي بيان لك، قال العراقي للجنرال الامريكي، والبيان هو من قاسم سليماني. المسؤول العراقي لم يقتبس البيان. سحب هاتف نقال، وعلى الشاشة كما يروي بتراوس ظهر البيان التالي: "ايها الجنرال بتراوس عليك أن تعرف انني، قاسم سليماني، مسؤول السياسة الايرانية عن العراق، غزة، لبنان وافغانستان. وبالفعل، سفيرنا في بغداد هو عضو في قوة القدس. من سيحل محله هو عضو في قوة القدس". المستشار السابق للامن القومي في العراق قال في العام 2010 لصحيفة "الشرق الاوسط" ان "سليماني هو الرجل الاقوى في العراق، بلا شك. لا شيء يحصل دون إذنه". ويوجد فقط شخص واحد مسؤول سليماني له هو الزعيم الروحي.

قبل ستة ايام اجتمع زعماء البسيج، الميليشيا، ليستمعوا الى رئيس قوة القدس. شرف عظيم. وسائل الاعلام الايرانية غطت الحدث. اقوال سليماني تمثل الروح السائدة في الحرس الثوري. بكلمة واحدة: نشوى.

"اليقظة الاسلامية هي صوت يصم الاذان"، قال الجنرال، وتوجه للامريكيين. "انتم لا تفهمون هذا بعد، ولكن عليكم أن تعرفوا بان الولايات المتحدة اليوم لا تتصدى لايران واحدة. دزينة ايران تندلع في المنطقة، الامم استيقظت وترى مؤامرات الولايات المتحدة. عليكم أن تعرفوا بان مصر هي ايران اخرى. ايران ثانية. البحرين، ليبيا، اليمن هي ايرانات اخرى فاخرى". وسخر من محاولات الاغتيال الغربية. "الولايات المتحدة والغرب، وحتى بعد بحوث عديدة، لا تزال لا تفهم بان كل بسيج يتمنى رحمة الرب في أن يموت شهيدا". كان هذا خطابا استثنائيا في شدته، من مؤشرات هذه الايام.

* * *

في الاسابيع الاخيرة تنتهي الحفلة التنكرية التي لفت المواجهة بين ايران والغرب. الاكاذيب المتفق عليها والتظاهرات تخلي مكانها في صالح الصدق المفاجيء، العنيف جدا. تقرير وكالة الطاقة الذرية كانت اللحظة الاولى والمؤثرة للعصر الجديد. وبالذات وكالة الطاقة المؤيدة الكبرى للمفاوضات والدبلوماسية، صفت بمنهاجية الحجج الايرانية. وما أن تحطم هذا السد، فان امورا كانت تعد محظورة اصبحت مجالا للنقاش الجماهيري، العالمي.

في اسرائيل وجد هذا تعبيره في حوار جماهيري واسع – وضروري جدا – عن الحاجة او غير الحاجة لهجوم اسرائيلي قريب وبالاساس عن اثمانه المحتملة. في الاسرة الدولية يتعاظم الاعتراف بالقصور الذي تبديه مؤسسات الامم المتحدة في ضوء الحماة الكبار لايران، الروس والصينيين. التصريحات والخطوات آخذة في الاحتدام، من برلين وحتى واشنطن. ليست أقوال عمومية بعد اليوم عن انتظار جولة اخرى من المحادثات، بل قطيعة تامة للعلاقات المالية مع ايران، مثلما فعلت بريطانيا قبل بضعة أسابيع. اما ايران نفسها، كما يمكن أن نرى من اقتباسات سليمان، فانها تتبنى لنفسها موقفا استفزازيا وقاطعا – وهذا ليس موضوعا بيانيا. عندما يبادر الايرانيون الى قتل السفير السعودي على أرض الولايات المتحدة فانهم يقولون عمليا ان كل لجام قد حل، وكل حدود قد اجتيزت بل وستجتاز.

التصعيد بات هنا. الحرب باتت هنا. هذه لا تزال حربا محدودة، ولكن النار تنتشر. عندما تشهد قاعدة صواريخ هامة في ايران انفجارا شديدا يقتل العشرات وبينهم ضباط كبار، فان هذه لم تعد عملية جراحية لمنظمات استخبارية. واذا ما حقا لحق ضرر كبير بالمنشأة النووية قرب اصفهان، بعد اسبوعين من ذلك، فان الاستنتاج هو أن الهجوم على البرنامج النووي قفز درجة بل وربما بضع درجات. يوجد فقط موضوع واحد: ليس مؤكدا على الاطلاق من ينفذ هذه العمليات. لا تتأثروا بالغمزات. سلسلة طويلة من المحافل، خارج ايران وداخلها ايضا، معنية بالمس بالنظام. الفرضية الخفية في أن الحديث يدور عن عمل منظمة استخبارية غربية ليست صحيحة بالضرورة. من جهة اخرى، قد يكون احد ما عندنا معني بان تنشر مثل هذه الانباء؛ الدليل، النبأ عن الضربة في اصفهان خرج عن مراسلة "التايمز" في القدس.

المواجهة معهم تتراوح بين الصراع السري والاغتيالات المركزة وبين الضربة الاستراتيجية للمنشآت العسكرية الايرانية. ولمثل هذه الضربات كفيلة بان تكون آثار استراتيجية. فهي ليست مثابة "تأخير" للبرنامج النووي الايراني ولا حتى غرس فيروس حواسيب ذكي. الصراع بين ايران والغرب يسير نحو مبرر الحرب. وحيال اعمال من هذا النوع، يتخذ النظام الايراني، وسيتخذ، سلسلة من النشاطات من جانبه. ثمة في الغرب من يدعي بان اقتحام السفارة البريطانية جاء ليصرف الانتباه الجماهيري في ايران عن الهجمات على منشآتها العسكرية. تدمير السفارة كفيل بان يقرا كتلميح ايراني استراتيجي للغرب وللعالم: انتبهوا، أنتم تمسون بنا ولكننا يمكننا نحن أيضا ان نمس بكم. يوجد لايران وللحرس الثوري ما يكفي من الاهداف المريحة والفورية للضرب، سواء كان الحديث يدور عن الخليج الفارسي أو في ايران نفسها. خلافا للسوريين، بعد المفاعل النووي في دير الزور، النظام الايراني قال عمليا: لن نتجلد تماما على ضربة كبيرة للقواعد الاستراتيجية. يمكننا أن نرد. نحن سنرد. والان، عندما ترتفع أسعار النفط والوضع ينم عن العنف، فان سلسلة من المحافل الدولية ستحاول اطفاء هذه الشعلة. وقد ندخل مرة اخرى الى فترة طويلة من الهدوء النسبي. بعد الاسبوعين الاخيرين احتمال ذلك يبدو محدودا.

قلة هم من قدروا بان هكذا ستبدأ المواجهة مع ايران. السيناريو المتصدر كان هجوما جويا مفاجئا، كثيفا – وقبله ربما موجة اغتيالات وحالات تخريب. الواقع الناشيء يختلف تماما. وهو يشبه جدا حرب الاستنزاف. محافل عالمية تفجر للايرانيين قاعدة هامة. الايرانيون يردون في نقطة اخرى في العالم، او في تصفية علاقاتهم مع بريطانيا. يمكن التخمين بان هذه لن تكون النهاية. التاريخ يدل على أنه قريبا سنسمع عن تأهب عال في مؤسسات يهودية واسرائيلية في أرجاء العالم.

* * *

دون صلة بالمواجهة الحادة المنسوبة للقيادة الاسرائيلية حول امكانية الهجوم، فان الحكومة الحالية تشذ في تصريحاتها العلنية عن الخط الاسرائيلي الكلاسيكي في الموضوع النووي الايراني. هذا الخط وضعه أول مرة رابين، وتبنته لاحقا حكومات شارون – اولمرت. كل هذه الحكومات قامت بالاعمال اللازمة، بعضها جسورة جدا، لضمان مصالح أمنية اسرائيلية. ولكن الخط الدبلوماسي الذي اتخذته يختلف جوهريا عن خطاب نتنياهو – باراك. القول الاساس كان دوما مشابها: موضوع النووي الايراني ليس مشكلة اسرائيلية بل مشكلة عالمية. اسرائيل لا تدعي التصدر العلني لمعالجة المشكلة. خلف الكواليس، قيلت الامور بصراحة – اسرائيل ليست فقط لا تدعي بل ولا تريد. المصالح القومية لاسرائيل تملي ائتلافا عالميا ضد ايران واقامة علاقة تماثل عميقة بين مكافحة ايران وبين القدس كفيلة بان تؤدي الى نتائج معاكسة. هذا الحديث عن الدبلوماسية أخفى امورا جوهرية. اذا ما وعندما كان يحصل حدث في ايران ما كانت أي جهة اسرائيلية تسارع الى اطلاع الصحفيين الاجانب عن ماهية الحدث. وعندما كان زعماء اسرائيل يُسألون علنا كانوا يمتنعون عن الغمز. فالجميع يفهم الغمز. شارون – اولمرت فضلا أن تبقى اسرائيل خلف الكواليس. جاء نتنياهو، وفجأة ايران هي المانيا ونحن في 1938 ويجب تجنيد الاعلام العالمي وما شابه. ويقول القادة الاسرائيليون الحاليون: المعلومات التي في حوزتنا مختلفة ومقلقة أكثر من تلك التي كانت لدى اسلافنا. نحن ملزمن بالعمل هكذا. ليس الجميع يوافق على ذلك والدليل هو مقابلة دغان التلفزيونية مع ديان.

الانشغال بنا مغرٍ جدا. ولكننا لسنا المركز. فضلا عن ذلك، ما يبدو كتعاظم ايراني هو أيضا وهم. الخاسرون الكبار، سواء اعترفوا بذلك ام أدمنوا على الشعارات القومية، هم الايرانيون أنفسهم. حيال عراق مستضعف وتراجع أمريكي من افغانستان، في ذروة موجة الثورات في العالم العربي، يمكن لايران ان تصبح زعيما اقليميا حتى دون برنامج نووي عسكري. حجم السكان، مستوى التعليم، مداخيل النفط، الوضع السياسي، كل هذه يمكنها أن تؤدي بها الى عقد من الازدهار السياسي والاقتصادي.

ولكن الثورة الاسلامية التي لم تنجح حتى اليوم في استعادة مستوى المعيشة في ايران تحت حكم الشاه، تعود الان الى اعقابها. على مدى عشرات السنين حاولت ايران بطريقتها الحصول على اعتراف عالمي. جهود هائلة بذلت في خلق مؤسسة علاقات تجارية بل وسياسية مع دول في اوروبا، في اسيا وفي جنوب امريكا. الان، في العقد الرابع للثورة، يجد الايرانيون انفسهم بالضبط حيثما بدأوا. العالم الغربي نظر اليه بقلق وبتقزز في حينه، وقد عاد لينظر اليهم ذات النظرة اليوم، بعد اكثر من 30 سنة. الايرانيون يمكنهم ان يرووا لانفسهم بان المنطقة كلها أصبحت ايران ولكن في طهران لا تزال الكهرباء تنقطع بمبادرتهم بسبب نقص الطاقة. وهذه هي احدى أول الدول المنتجة للنفط في العالم. ليس لدى ايران قدرات لتصفية النفط ذاتيا، صناعتها قديمة، الاقتصاد يعرج، فاسد ومغلق. الدعم الشعبي للثورة حل محله تمرد علني مقموع بوسائل عنيفة للغاية. قادتهم العسكريون هم ضحية للاغتيالات، وفي قواعدهم يعانون من التسلل والتفجير الغريب. ايران هي دولة مكروهة، معزولة، دولة تثير حتى لدى البريطانيين باردي المزاج ردود فعل انفعالية من النفور. في 1979 سيطر الايرانيون على السفارة الامريكية، وفي 2011 دمروا السفارة البريطانية. الجمهورية الاسلامية الايرانية هي فشل. فشل خطير.

انشر عبر