شريط الأخبار

فراغ المتدينين واليمينيين- هآرتس

11:19 - 27 تشرين أول / نوفمبر 2011

فراغ المتدينين واليمينيين- هآرتس

بقلم: جدعون ليفي

هل تسمعون الضجيج حولكم؟ ان معسكرين سياسيين كبيرين ومهمين يقيمان الدنيا ولا يُقعدانها. يجري على المعسكر المتدين تطرف ديني وتحول الى الحريدية، ويجري على المعسكر اليميني تطرف قومي ما قبل فاشي. وليس فقط ان هذين المعسكرين يتشابهان في تفكيرهما بل يتشابهان ايضا في فراغهما. فهما في ظاهر الامر المعسكران اللذان يقويان في المجتمع الاسرائيلي، وهما في واقع الامر فريقان في ازمة هوية عميقة. إرفع صوتك فالدعاوى ضعيفة – لم يكن منذ زمن قوة كهذه للجملة التي وجدت ذات مرة بحسب الحكاية في هامش خطبة بني مهراشك (أو ربما موشيه سنيه).

الفراغ يسيطر على العالم المتدين. فمنذ عشرات السنين لم تنشأ هناك شخصية دورية أو شرعية مهمة واحدة فضلا عن شخصية هي قدوة اخلاقية. لا شيء. فقد جفت قطعة الارض هذه وخربت. وبديلهم البائس هو الشغب والتطرف. أغناء النساء أم خطوط الحافلات الحلال، أنساء طالبان أم حاخامو العِرق، كل هذه البدع تعبر عن عدم ثقة وتيه. فلو كان للمعسكر الديني طريق لما احتاج الى هذه الألاعيب الخطيرة. ولو كانوا على ثقة بنهجهم لما احتاجوا الى جميع نظمهم الدفاعية القديمة المهترئة في الحافلات أو الهواتف المحمولة أو الشارع. ولو كانوا على ثقة بعدالتهم لما احتاجوا الى جميع أسوار الفصل والحماية العالية البائسة التي يقيمونها الآن لأنفسهم ليدفعوا عن أنفسهم اغراءات العلمانية.

ما كان هذا المعسكر يريد ان يعيش في دولة شريعة يجتمع كل سكانها في خيمة التوراة؛ فهم يعلمون جيدا ان دولة كهذه لن يكون لها بقاء ولا وجود. فهم محتاجون الى حداثة العلمانيين الذين يثورون عليهم والى تقنيتهم والى جيشهم والى نمائهم والى علمهم والى طبهم والى ثقافتهم والى اجهزة رفاهتهم بل الى ديمقراطيتهم. فلا حياة لهم من غيرهم. ولهذا فان النضال الأهوج الذي يقومون به الآن يعتمد على افتراض ان اسرائيل العلمانية ستظل تزودهم باحتياجاتهم كي يستطيعوا الاستمرار في الشغب والبحث عن طريقهم الضائع عبثا. وهم يعلمون ايضا ان اسرائيل العلمانية غير مكترثة ومستسلمة بصورة مخيفة، وستظل تحمل حماقاتهم على كتفيها من غير ان تحتج أو تنبس ببنت شفة.

ان معسكر اليمين لا يقل عنهم فراغا واضاعة للطريق. فهذا المعسكر الذي يزداد قوة غارق ايضا في ازمة هوية عميقة. وهو يعلم ان حلم ارض اسرائيل الكاملة قد طُوي وأنه يقوم الآن على الحراب فقط وعلى زمن مستعار؛ وقد رجع قادته عنه منذ زمن على نحو تصريحي على الأقل. ويُعرّف هذا المعسكر وجوده الآن بكراهية الآخر فقط – اليساري والعربي والاجنبي والديمقراطي والمتنور والباحث عن حقوق الانسان والعدل والسلام. ولا يريد هذا اليمين ايضا ان يعيش في البانيا التي كانت ذات مرة برغم القوانين الالبانية التي يسنها الآن بوحشية. لكن حينما لا تبقى من الايديولوجية سوى الكراهية والتخويف فلا طريق سوى تأجيجهما للحفاظ على البقاء.

حاولوا ان تسألوا مرة داني دنون أو ياريف لفين أو زئيف ألكين الى أين يتجهون وأية اسرائيل يأملون؛ وماذا سيكون هنا بعد عشرين سنة اذا استمررنا على السير في طريقهم؛ وماذا سيحدث اذا أُعطوا كل مطلوبهم حتى آخر جنونهم: فبُنيت المستوطنات وأُغلقت الجمعيات واضطهد العرب وسُنت القوانين العنصرية وتم قبول الأوامر المعادية للديمقراطية وفُرض جميع الحظر والقطيعة – هل يؤمنون حقا بأن دولة كهذه تستطيع البقاء؟ هل يريدون ان يعيشوا في دولة كهذه؟ أشك في هذا كثيرا. ان القوميين مثل المتدينين بالضبط يضجون الآن لأنهم يعلمون في سرائرهم ان المعسكر الآخر الحالي غير المسيحاني الديمقراطي المتقدم، سيظل يحملهم على أكتافه، بطاعة وعمى وعدم اكتراث، وهم يعلمون ان معسكرهم فارغ من المضمون. وهو لا يكاد يُنشيء شيئا سوى الكراهية والتخويف اللذين يبثهما. فأكثر بناء المجتمع – العلم والفن والقانون وجزء من الاقتصاد وجزء من الجيش ايضا في هذه الاثناء – مُلقى على كتفي المعسكر الآخر، وبفضله يستطيع اليمين ان يستمر في هياجه بلا تشويش.

أصغوا اذا للضجيج الذي يرتفع الآن. انه مهدد ومخيف لكنه يشهد على الفراغ، فراغ من يقيمون الدنيا ولا يُقعدونها.

انشر عبر