شريط الأخبار

حتى لا يصبح «البيزنيس» طريقاً لـ«الأسرلة» .. عريب الرنتاوي

05:01 - 21 تموز / نوفمبر 2011

حتى لا يصبح «البيزنيس» طريقاً لـ«الأسرلة» .. عريب الرنتاوي

لفت الزميل يوسف الشايب في تقرير نشره في الزميلة «الغد» أمس، أنظارنا إلى ظاهرة بالغة الدقة والخطوة، ظاهرة مُحمّلة بالمعاني والدلالات، رجال أعمال فلسطينيون يستثمرون في "إسرائيل"، والأنكى في المستوطنات المقامة على صدور أهلنا في الضفة والقدس، بلغت وفقاً للحسابات المُدققة 2.5 مليار دولار، ووفقاً لتقديرات أقل تدقيقاً، أزيد من ضعفي هذا المبلغ (5.8) مليار دولار، في حين يقل إجمالي استثماراتهم في الضفة الغربية عن (1.6) مليار دولار.

 

والمفجع حقاً في الدراسة التي قام بإعدادها طالب ماجستير في جامعة القدس عيسى سميرات، أن هذه الاستثمارات، كانت كفيلة باستيعاب فائض العمالة الفلسطينية في الضفة، لو أنها وضعت في مكانها الصحيح، ووفقاً لتقديرات الدراسة، فقد كانت كفيلة باستحداث 213 ألف وظيفة، يبدو الفلسطينيون في أمس الحاجة إليها.

 

والغريب في الأمر أن جميع هؤلاء المستثمرين (99.5 بالمائة منهم)، يجيدون العبرية، ربعهم (23 بالمائة) كانوا عمالاً في "إسرائيل"، وهم جميعاً كذلك يحتفظون بتصاريح اجتياز دائمة لعبور الخط الأخضر الفاصل بين احتلالين، وأن خمس هؤلاء (20 بالمائة) لا يستثمرون أموالهم إلا في "إسرائيل" ومستوطناتهم، وأن نصف هؤلاء المستثمرين فوق سن الأربعين، وأن 90 بالمائة منهم، أفادوا بأن خبرتهم الاستثمارية بدأت في "إسرائيل".

 

كثيرة هي الأسباب التي توردها الدراسة في شرح أسباب وعوامل تشكل هذه الظاهرة المفجعة، منها صعوبة الاستثمار في الضفة وضيق السوق الفلسطينية وعراقيل الاحتلال والاستيطان، وهي أسباب على وجاهتها، لا ينبغي أن تدفع أياً منا للاسترخاء، فهذه الشريحة من رجال الأعمال الفلسطينيين، ليست هامشية أبداً، بل ربما شكلت العمود الفقري لقطاع الأعمال والطبقة الوسطى الفلسطيني، ما يعني أن «التبعية» للمحتل، باتت تمتلك قواعد اجتماعية واقتصادية راسخة، وبات لها من يدافع عنها، من موقع المصلحة، وليس فقط من مواقع «الاعتدال» و«الوسطية» و«معسكر السلام».

 

ما الذي فعلته السلطة لمواجهة هذه الظاهرة، هل تدري السلطة أصلاً بوجود مشكلة من هذا النوع، هم يقولون إن بروتوكول باريس الاقتصادي لا يمنع الاستثمار الفلسطيني في "إسرائيل" والمستوطنات، بئس البروتوكول بما جاء فيه ومن وقعه ومن روّج له، وكيف يمكن السماح لفلسطيني أن يبني مدماكاً أو خندقاً متقدماً في حرب المستوطنين على أرض الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية.

 

السلطة تزعم أنها تقود حرباً على الاستيطان والمستوطنات، مع أن بعض رموزها تورط في تجاره أو «مقاولة» مع المستوطنات، وقيل أحياناً مع «جدار الفصل العنصري»، كيف يمكن لنا أن نقنع العالم بمقاطعة المستوطنات في الوقت الذي يضع 16 ألف رجل أعمال فلسطيني أمواله في تسمينها وتوسيعها وبناء قواعدها وبنيتها التحتية، كيف يمكن لظاهرة «الأسرلة» هذه، أن تمر من دون أن يُقرع ألف ناقوس خطر في العقول والضمائر وغرف الاجتماعات وحراكات الشارع ولقاءات الفصائل واجتماعات الأمناء العامين وحوارات الوحدة الوطنية، خصوصاً إذا أضفنا إليها ما نُشر مؤخراً، عن تفضيل ما يقرب من نصف سكان القدس البقاء تحت قبضة الاحتلال على الانتقال لسلطة رام الله، ودائما بذريعة ضغط الحياة والمعيشة وحسابات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

 

هذا جيل أو أكثر من رجال الأعمال الفلسطينيين، متوسطين وكباراً وصغاراً، نشأ تحت الاحتلال، و«تمتع» ببطاقات الدخول الخضراء ل"إسرائيل"، ونحن هنا نصنفهم درجات بالمعنى الاقتصادي للكلمة، أما بالمعنى السياسي والأخلاقي للكلمة، فكلهم صغار، ولا أدري كيف يمكن لهؤلاء أن ينعموا بعوائد استثماراتهم وهم المدرجون في قوائم «دافعي الضرائب» ل"إسرائيل"، ضرائبهم هي الرصاص التي يسكب على غزة، عوائد استثماراتهم هي الحجارة التي تُبنى بها المستوطنات، وهي الوقود لجرافات الاحتلال التي تعيث فساداً بالأرض والحقوق والمقدسات والتاريخ والذاكرة والجغرافيا، وهي التي تعبث بحاضر الفلسطينيين ومستقبلهم.

 

إن كان لا بد لحملة مقاومة التطبيع مع الاحتلال والاستيطان التي أطلقتها السلطة، أو زعمت ذلك، أن تكون جدية ومقنعة لنا ولأصحابها وللرأي العام، فلا بد من البدء بمعالجة جذرية لهذه الظاهرة المقلقة، واجتثاثها، لا بد من البدء من هنا، لا بد من «فك ارتباط» هؤلاء مع الاحتلال والاستيطان، لا بد من إنها ظاهرة التخريب المنهجي والمنظم للمجتمع الفلسطيني، فكيف لمجتمع أن ينفض عن نفسه غبار الاحتلال، وهو موزع على جيش من الموظفين المرتبط بالمانحين، وجيش رديف من «ذوي الياقات المُنشّاة»، يكاد يكون «متأسرلاً» بالكامل، اقتصادياً واجتماعياً، والأرجح ثقافياً، ذلك أن إتقان هؤلاء للعبرية الفصحى، لم يأت من باب «من غرفة لغة قوم أمن شرهم»، بل من باب المنافع والمكاسب، طفيلية الطابع، حتى وإن كان ثمنها المنطقي والطبيعي، تواطؤاً مع الاحتلال ورغبة في استدامته.

 

صحيفة الدستور الأردنية

 

انشر عبر