شريط الأخبار

إرث رابين -معاريف

11:53 - 13 أيلول / نوفمبر 2011

إرث رابين -معاريف

بقلم: نداف ايال

(المضمون: رابين كان أول من لاحظ الخطر الايراني وقد استند في تصديه له اساسا من خلال حل النزاع مع الفلسطينيين والتطبيع مع العالم العربي. ومن هنا ولد اوسلو - المصدر).

        يجدر بنا أن نأمل الا يأتي يوم تقلع فيه طائرات قتالية الى السماء في ايران – لا يهم من أين ومن أي دولة. ولكن اذا كان لا بد لمثل هذا اليوم الدراماتيكي أن يحل، فان هذا الاسبوع سيذكر بانه الموعد الذي شق فيه طريق الحجة القضائية والدبلوماسية للطيارين الذين سيكلفون بالمهمة. هذا هو المعنى العميق لتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية هذا الاسبوع. محظور الاستخفاف بهذا المعنى: فللكلمات، للمؤسسات الدولية، للتقارير ولفحوصات الوقائع توجد قوة. التفاصيل في تقرير الوكالة، بعد كل شيء، كانت معروفة في غالبيتها الساحقة – ليس فقط لوكالات الاستخبارات الغربية، بل وللقاريء المهتم في أرجاء العالم. الجديد هو الشجاعة في ربطها في لائحة اتهام حازمة، لائحة تبين الادلة، الملابسات، النية الجنائية والتنفيذ المتكرر. وجود لائحة اتهام كهذه هو بالضبط الفارق بين الحرب المحملة بالمصائب التي خاضتها الولايات المتحدة وجورج بوش الابن في 2003 وبين حرب الاجماع الدولي التي قادها أبوه قبل أكثر من عشر سنوات من ذلك. وثيقة ادانة هي الطريق الذي يمكن فيه للاسرة الدولة او على الاقل للغرب، ان ترتبط في ائتلاف شديد القوة، او على الاقل، السماح بعمل تقوم به دولة منفردة.

        الحجة القضائية هنا ذات مغزى أكثر مما يخيل. فقد جاءت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقضت بان ايران لا تتعاون مع مراقبيها، وأن ثمة قلقا شديدا من "ابعاد عسكرية" في برنامجها النووي. وقد وصفت عملية طويلة من الخرق، الغش وذر الرماد في العيون. وقد رسمت الوكالة سلسلة مطلقة كاملة ومنطقية لانتاج سلاح نووي. من مناجم اليورانيوم، عبر سياقات تخصيبه في المستويات الاولية ومن خلال اجهزة الطرد المركزي، بناء منشآت سرية، نقل مواد نووية اليها، تجارب ترتبط بصاروخ يحمل رأسا نوويا متفجرا، تصميم دوائر اللب النووي بالسلاح، تمثيل حراري دينامي لتشغيل متفجرات نووية، فحص مستوى ارتفاع تفجير الرأس النووي والاستعداد لتجربة السلاح النووي بل وحتى اجراءات الامان استعدادا له. العقوبات و/أو الهجوم العسكري ستستخدم على نحو مكثف لائحة الاتهام هذه.

        المادة  2(4) في ميثاق الامم المتحدة يفرض حظرا على استخدام القوة ضد أي دولة عضو، ولكنه يتضمن استثنائين. الاستثناء الاول هو المادة 51 التي تسمح باستخدام القوة للدفاع عن النفس، وذلك أيضا كـ "دفاع جماعي عن النفس". الامكانية الثانية لاستخدام القوة هي الفصل السابع من الميثاق، الذي يتناول حالة خاصة جدا يخول فيها مجلس الامن في الامم المتحدة دولا اعضاء على ممارسة القوة هي "تدافع عن السلام والامن الدوليين". هكذا بالضبط حصل في 1990 عندما اتخذ مجلس الامن في الامم المتحدة قرار 678 – القرار التاريخي الذي خول التحالف الدولي "باستخدام كل الوسائل" لتحرير الكويت من احتلال العراق بقيادة صدام حسين.

        والان الى ايران. اذا فشل مسار العقوبات وتحقق الخيار العسكري، فان القوة المهاجمة – سواء كانت الولايات المتحدة، تحالف دولي او اسرائيل وحدها – ستضطر الى استخدام واحد من مسارين. المسار الاول هو الافضل. مجلس الامن يجتمع ويقرر تخويل تحالف دولي باستخدام القوة ضد ايران دفاعا عن أمن العالم. مثلما في 1990، جاء التخويل بذلك من ميثاق الامم المتحدة، في الفصل السابع. توجد فقط مشكلة واحدة: كل اعضاء مجلس الامن يجب أن يوافقوا على ذلك والا يستخدموا الفيتو. مع مراعاة المعارضة الروسية القاطعة حتى لفحص اجراءات عقابية ضد ايران، فان سيناريو العملية العسكرية الدولية يبدو ببساطة خياليا.

        المسار الثاني أكثر خطرا والتواءا بكثير. الرئيس بوش (الابن) سار فيه في 2002، وكانت النتيجة ضررا كبيرا لمكانة الولايات المتحدة في العالم. أراد بوش استخدام حجة "الدفاع عن النفس" ولكن هذه الحجة لا تنطبق الا اذا تعرضت الدولة للهجوم – والولايات المتحدة لم تتعرض للهجوم من جانب العراق – أو أن الهجوم عليها يوشك على الوقوع (imminent). ولما كان من الصعب جدا الاثبات بان العراق يوشك على الهجوم على الولايات المتحدة، فقد اضطر بوش الى بناء حجة اخلاقية وقانونية مركبة: الدفاع عن النفس في هجوم وقائي. حجة بوش كانت الجملة التالية: "المرة الاولى التي سنكون فيها واثقين تماما بان لدى صدام حسين سلاحا نوويا كفيلة بان تكون، وليحفظنا الرب، في الحالة التي يستخدم فيها مثل هذا السلاح. نحن ملزمون تجاه كل مواطنينا بعمل كل ما في وسعنا كي لا يأتي مثل هذا اليوم".

        بالطبع هذا يمكن أن يشكل حجة للهجوم تقريبا على كل دولة في العالم، التي لا يمكن معرفة اذا كان لها أو ليس لها سلاح نووي. خطوة بوش كانت مركبة وخطيرة ليس فقط بسبب مبناها المركب الذي اقامه، بل وايضا بسبب النقص الهائل في الحقائق. لم تكن هناك أي أدلة حقيقية على أسلحة دمار شامل في العراق، وفي نظرة الى الوراء نحن نعرف انه على ما يبدو لم تكن، ولهذا فان كل الحجة لبدء الحرب (الظهور الدراماتيكي لكولين باول في الامم المتحدة، لنفترض) كانت كاذبة.

        في الحالة الايرانية، الوضع مختلف تماما، دراماتيكيا. من جهة، ايران أعلنت بوضوح عن نوايا الابادة تجاه اسرائيل. مثل هذه التصريحات تشكل اساسا قويا لحجة الدفاع عن النفس. من جهة اخرى، يملك العالم الان تقريرا من وكالة الطاقة الذرية – ليس الولايات المتحدة، ليس اسرائيل – يدين ايران بالتضليل وببناء سلاح نووي.

        تعالوا نأمل الا ترسل الطائرات، والا نصل الى ذلك، وان يتراجع الايرانيون. ولكن اذا ما اتخذ مثل هذا القرار، فان اصحاب القرار سيقولون ضمن أمور اخرى الامور التالية: عملنا حسب ميثاق الامم المتحدة كي نعيد الامن والسلام الى المنطقة. كان هذا هجوما وقائيا للدفاع عن النفس، على اساس المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة، وغايتها احباط هجوم مفاجيء ايراني.

* * *

        اسبوع ادانة ايران حل بالضبط في موعد احياء ذكرى اسحق رابين. وفي ذلك شأن مناسب؛ رابين كان رئيس الوزراء الاول الذي شخص النشاط النووي الايراني كتهديد استراتيجي أعلى على دولة اسرائيل. في العام 1993 وصل صحفي بريطاني لاجراء مقابلة في مكتب اسحق رابين، كرئيس للوزراء. كان هذا قبل التوقيع على اتفاق اوسلو، في بداية السنة، وعنيت معظم المقابلة على احتمال الوصول الى تسوية مع الفلسطينيين في الضفة. في مرحلة معينة تقدم رابين الى الامام، هكذا يصف اوري درومي، ونظر في عيني الصحفي. "نحن ملزمون بتسوية هذا الموضوع"، قال رئيس الوزراء، "قبل أن يحقق الايرانيون القنبلة النووية". الصحفي، الذي فوجيء على ما يبدو من صدق رابين، قرر ان يتجرأ فيسأله اذا كان في نيته قصف ايران، مثلما جرى للمفاعل العراقي. فرد رابين بان ايران هي مشكلة العالم الحر بأسره، وليست مشكلة اسرائيل وحدها. وبمفهوم معين، تشكل هذه المحادثة مكان رابين في تحديد التهديد الايراني، في الفهم بانه توجد علاقة بين هذا التهديد والوضع الاقليمي لاسرائيل وفي الفهم الاستراتيجي الذي شدد دوما بان هذه ليست مشكلة اسرائيلية بل عالمية. ظاهرا، سلسلة من رؤساء الوزراء، من ايهود باراك عبر اولمرت، نتنياهو وشارون، تبنوا هذا الوصف الرابيني. اما الواقع العملي فهو مختلف.

        لقد فهم رابين بان التهديد الايراني ينتج بعدا من الحسم الاستراتيجي بالنسبة لاسرائيل. الحسم الذي يتجاوز بكثير التزود العسكري او الاستعداد الفني. وتطلع رابين الى شل التهديد الايراني من خلال التقدم السريع في التطبيع مع العالم العربي. والسبب في ذلك، ليس الخوف الوجودي من أن تصفي ايران اسرائيل بقنبلة نووية. لاسرائيل وسائل ردع ضد مثل هذه الامكانية. التخوف الرابيني كان ان معنى أن يكون لايران سلاح نووي سيخلق ظروفا تضعف اسرائيل اقليميا، مثل سباق التسلح النووي في كل الشرق الاوسط، تطرف العناصر المدعومة من ايران، فهم فلسطيني وعربي بان اسرائيل قابلة للهزيمة وما شابه. وعليه فقد تطلع الى نزع الفتيل من العملية الايرانية من خلال حل المشكلة العربية الاسرائيلية حتى قبل ان يتمكن الايرانيون من ان ينصبوا انفسهم، مثلما يفعلون اليوم، كزعماء للازمة الاسلامية.

        وكان نشاط رابين مكثفا: فقد طرح هذه المواضيع على الروس منذ 1995. وخلافا لزعماء آخرين، كاولئك الذين نعرفهم جيدا، فان رابين لم يكن قويا في الاقوال، وهو يركز على الافعال. الافعال التي نبعت من الفهم بان اسرائيل سيتعين عليها أن تدفع ثمنا كي تستبق وتحاصر الايرانيين، والثمن هو حلول وسط اقليمية. هذه الامور لم تقل بأثر رجعي بل في الزمن الحقيقي. الاستنتاج هو أن الحسم الاستراتيجي في محاولة حل المشكلة الفلسطينية ولد في نظرة 20 سنة الى الامام، نحو الازمة الايرانية التي نشهدها اليوم. هذا بالطبع لا يعطل الانتقاد لتفاصيل اتفاقات اوسلو التي يجدر طرحها؛ ولكن من ينتقد اوسلو دون أن يفهم الظروف التي وقفت خلفها، على الاقل من ناحية اسحق رابين، يتجاهل ببساطة حقيقة دراماتيكية، حرجة الا وهي القنبلة النووية الايرانية.

        يوجد هنا موضوع أوسع. لنفترض أن زعيما سياسيا لا يوافق على أن على اسرائيل ان تخاطر بتنازلات اقليمية في محاولة للتصدي في المستقبل لتهديد نووي ايراني. هذا نهج مشروع. ولكن ما هو اقل شرعية، بل وربما غريب بعض الشيء هو قيادة اسرائيل الى عزلة آخذة في التعاظم في العالم، التجاهل الثابت لطلبات زعماء الغرب المحبطين، ترك المسيرة السلمية عالقة وبعدها التوقع من الولايات المتحدة واوروبا ان تتجند بكل قوتها. بتعبير آخر: السلام مع الفلسطينيين يسبق حل الازمة الايرانية، مثلما اراد رابين قد لا يكون. فماذا بالنسبة للسلام مع البيت الابيض؟

انشر عبر