شريط الأخبار

المياه العادمة وقد تسربت إلى الصورة../ ماهر رجا

03:39 - 04 حزيران / نوفمبر 2011

المياه العادمة وقد تسربت إلى الصورة ماهر رجا

** كاتب فلسطيني

 

في "عدو الشعب" مسرحية الكاتب النرويجي الشهير هنريك إبسن، يكتشف طبيب في المجلس البلدي أنه قد تحول إلى عدو للبلدة كلها لأنه لا يريد أن يصمت عن ماء المجارير أو المياه العادمة التي تسربت إلى مياه البلدة العذبة وباتت بحاجة إلى نفير طوارئ.

 

في الحال العربي يبدو أن المياه العادمة قد تسربت بالفعل إلى كثير من الأفكار وامتدت إلى نخاع السمة الإنسانية ومعنى النصر وحكمته وجدوى الأفعال وقيمها ومغزى إبقاء فكرة الضحية وحريتها منزهة عن الاقتداء بالجلاد وقيده، ودور المؤسسات السياسية والإعلامية في السلوك البشري.. وكما هو الحال في مسرحية "إبسن"، لعل كل من يحاول أن يتساءل عن هذه الكارثة سيوصف بأنه عدو للشعب..

 

أستعيد ذلك فيما أتأملصوراً مختلفة،مرت في شريط السينوغرافيا الإعلامية العربية خلال الأسبوعين الماضيين، ومن بينها الاحتفاء السياسي والإعلامي العربي المستمر بقصة موت معلن لمعمر القذافي وهو يؤسر ويوضع على مقدمة سيارة ثم يسحل ويدمى ضربا ويعدم أسيراً، الاحتفاء بصورة الجثة (أو الجثث لاحقاً) وقد جُنَت من حولها غابات الأيدي الراقصة كما جنت وسائل الإعلام في احتفال تلتقط فيه الصور التذكارية بجانب الأجساد المتيبسة وتطلق في أنحائه صيحات بشرية وإعلامية مهللة تذكر بالتي يطلقها آكلو لحوم البشر حول الفرائس البشرية..

 

والخاطر الأقرب هنا أن تلك الصورة المقززة، لم تكن تنتمي مطلقاً إلى الشعارات العظيمة عن الحرية والغد العربي الجديد، الشعارات التي يريد كثيرون لها أن تتحول إلى إصبع آمر بالصمت على الشفاه حيال مواقف ومشاهد وأفعال تنقلنا من "حَيْونة الإنسان" في ظلال الأنظمة السوداء، كما في تعبير الراحل ممدوح عدوان، إلى "حيونة الأفعال" بترخيصٍ وغطاء من الأهداف النبيلة.

 

ثمة فضيحة أخلاقية عربية حقيقية.. أكثرية نسبية من عرب وغرب اندفعوا معا في لحظة واحدة - بالآراء والمواقف والتغطيات الإعلامية والتصريحات السياسية - إلى حلبة موت رومانية، كما كان يحدث في مهرجانات الكواسر التي يرمى لها الأسرى أو المحكومون في روما إلى أقفاص تتناهب العيون لحظتها التالية وتستدرج استغاثات الفريسة، ثم تصفق وتهلل للأشلاء المتعلقة بأنياب الكائن المنتصر.. طقس قطيعي لا يبدو أن أحداً من كل هذا الطيف الذي صفق وابتهج لعرس الدم، ثم استخدمه للحديث والتنظير عن "ليبيا الجديدة" كان مهتماً بمعضلة ليبيا الجديدة أخلاقياً وهي تبدأ من هذا المشهد، خارجة من الاستبداد نعم، ولكن مع أسئلة وظلال سوداء عن طبيعة المرحلة التالية ومالكيها في ليبيا وما فعله فولاذ السلاح في النفوس والفكرة.

 

في الحدث، كان المواطن العربي فريسة حقيقية للصورة.. ومنذ ظهيرة العشرين من أكتوبر، فتحت الشاشات صنابير الأحمر. وبدا الأمر أحيانا وكأن معظم الإعلام العربي أراد للخبر أن يتخذ شكل بقعة دم كونية ينبطح حولها الملايين في محاولة للحصول على لعقة دم واحدة..؛ غصت الشاشات بالسيافين – الكتاب والمحللين السياسيين والعسكريين إن أردت- القادم معظمهم إلى مدن أبراج النفط. تستمع إليهم فيخيل إليك أنك أمام مجموعات من الفايكنغ أو السقالبة المتوحشين الذين تحدث عنهم بالكثير من الخيال أحمد بن فضلان في رحلته الشهيرة في التاريخ..؛ تمجيد لفكرة الموت وكلام تقطر منه شهوة الانتقام أو شهوة رضا المؤسسة التي استضافتهم، لكأن دور النخبة هو أن تنتخب للشعب طريق الدم ثم تغادر الشاشة الصغيرة بعد نشرة منتصف الليل إلى فنادق الخمس نجوم التي أعدت لهم بعد انتهاء مهمتهم.

 

لا مسؤولية للكلمة هنا فهي تقال لتسعد حال القائل لا حال ليبيا ومستقبلها. لا أحد من أولئك كان مستعداً لأن يفكر للحظة في اليوم الليبي التالي، بالمخرج وسط صحراء لم يترك فيها النظام السابق لافتة تقود إلى واحة تنتهي عندها الرحلة القاسية، بآلاف المراهقين الذين يحملون السلاح، الخارجين من تيه الأمس والغياب لإثنين وأربعين عاماً إلى غموض المستقبل ومخاطره في بلد دخل في التباس وتحد تاريخي ما بين التخلص من الاستبداد وهيمنة المستعمر.. وعلى ضفاف أبعد كان أبناؤنا أيضاً يرثون اللحظة، إذ ليس بوسعك دائماً أن تمنع أطفالا عن تسجيل لحظات كهذه في ذاكرتهم، هنا في العالم العربي المصاب غالباً بالإخفاق في أجمل لحظات انتصاره حيث اعتدنا أن نردد " للحرية الحمراء باب" ثم أخذنا عصر الإعلام العربي إلى حيث بات الاستمتاع بالدم سمة عصرية لازمة للحرية.

 

وحدهم القليلون في الغرب تنبهوا، قلة غربية خجلت من الصورة، وآخرون هناك استعادوا تصورات المستشرقين فذكروا القارئ أو المتلقي الغربي بأن السيف سمة عربية وأن العرب معتادون على العنف المجاني منذ سحيق التاريخ، متعلقون بالنهايات الشكسبيرية الدموية، في حين اعتبرت الدوائر السياسية الغربية التي قادت الحرب على ليبيا أن المشهد ضروري مادام يجري في البلاد العربية البعيدة حيث هناك فقط ستظهر أشباح هذا الدم في المستقبل وفي الثقافة السياسية.

 

ليس هذا دفاعاً عن أحد أو رغبة في اتهام آخر، بقدر ما أراه دفاعاً عن إنسانيتنا أولاً، عن قيمة الحرية وما تعنيه من ترجمات في السلوك، الآن فيما يكرر البعض اسمها ثم يلقي عليها تعاويذ استبداد من نوع آخر في بلادنا.

 

أتحدث عن بلادي العربية التي يفترض إرثها الأدبي والثقافي بوجه عام أنها لا تعرف التشفي ولا الانتقام، وتجيد الغناء لنخلة في قرطبة أو العراق بكل رهافة القلب والحنين، ويشجيها مشهد طائر وحيد في السماء أو بعير تائه في الصحراء.. البلاد التي أحلم أن أراها لمرة واحدة وقد صنعت من الزهور تمثالا للقيمة وغرست على تراب الأمس شجراً واعداً لا جرحاً عميقاً لاستنهاض البغضاء والأشباح.

 

لقد كان الكنعانيون والفينيقيون والفراعنة والآشوريون والبابليون من أجدادنا الغابرين يمنعون أنفسهم عن الهمس في الممالك والأضرحة أمام الموت، حتى لو كان الموتى من أعدائهم. حدث ذلك قبل لمسة جناح الرحمة التي حطت على القلب البشري ونادته إليها بديانات التوحيد.. وللمفارقة أن ذلك كان زماناً أخضر، في حين أننا نتصحر اليوم، فتستحيل أشجارنا التي ننتظر إلى تماثيل من رمال.

 

جاء المشهد الليبي الأخير صادماً، ويفترض أن يكون كذلك لكل من يرى.. وإلى أن "يعود الزمان لدورته الدائرة" فلنعترف الآن أننا مازلنا نخفق في أن نرث سوى القبيح من أمسنا القديم.. أننا عاجزون عن إقامة عرس واحد للأميرة دون حفلة موت.. أننا مازلنا نحتفظ في دواخلنا بالسياف "مسرور" أو بعمامة الحجاج، ثم ننجح بلا أدنى تعب بأن نلطخ أسمى الأفكار بالمياه العادمة التي تسربت إلى الصورة في نهاية المطاف.

 

سيكون لوقع هذه العبارة بالتأكيد صدى متأفف لدى كثيرين ممن سيقرؤونها.. من أولئك الذين لم يتأففوا، على الأقل من أنفسهم، وهم يحتفلون أو يستمتعون بالطقوس الوثنية، وقد اعتبروها معبراً لابد منه إلى زمن عربي جديد.

انشر عبر