شريط الأخبار

يوم من أيام فلسطين والأمة .. ياسر الزعاترة

01:31 - 19 تموز / أكتوبر 2011

يوم من أيام فلسطين والأمة .. ياسر الزعاترة

 

كان يوم أمس يوماً من أيام الله، ومن أيام فلسطين الرائعة. يوم زهت فيه فلسطين بأبطالها البررة. يوم زهت بانتصار كبير. لا يدعي أحد بأنه اليوم الذي ننتظره بكنس الاحتلال من أرضنا الطاهرة، ولكنه من دون شك محطة في ذلك الاتجاه.

 

عندما يقول نتنياهو بأن قرار صفقة شاليط هو أصعب قرار يتخذه في حياته، فهذا يدل على حجم مرارة كأس الذل الذي تجرعه في الصفقة. ومن قرأ استطلاع صحيفة يديعوت أحرونوت أول أمس يدرك أن المرارة كانت من نصيب المجتمع الإسرائيلي برمته أيضاً، فقد أكدت الغالبية أن «إسرائيل» هي التي تنازلت وليس حماس.

 

صحيح أنهم فرحون بإعادة جنديهم إلى بيته، لكن وقوف مجتمع بأكمله أسير الانتظار من أجل جندي واحد إنما يؤكد تهاوي قابلية التضحية لديه ولدى جنوده، وعندما يقول رئيس جهاز أمنهم إنه يريد التأكيد لجنوده الذي يرسلهم في مهمات صعبة أنه لن يتركهم إذا وقعوا في الأسر، فهو يؤكد طبيعة الروح المعنوية التي يحملها أولئك الجنود، والتي لم تعد كما كانت عليه قبل عقود.

 

في حرب تموز 2006 وبعدها حرب الرصاص المصهور 2008 و2009 تأكد الجميع أن جندي الدولة العبرية بطبعته الجديدة لم يعد يملك القابلية للتضحية، وأنه يُجر إلى الحرب جراً، وأنه لولا التكنولوجيا وسياسة الأرض المحروقة لما تقدم شبراً واحداً في أرض المعركة.

 

في المقابل يخرج أسرانا مرفوعي الرؤوس، ليس فقط لأنهم خرجوا رغم أنف المحتل وكسراً لجبروته، بل أيضاً لأن الراية التي رفعوها انتصرت، وأن الهدف الذي من أجله أسروا لم يجر التنازل عنه.

 

هنا الفرق بين من يريد إخراج الأسرى بالتنازل عن 80 في المئة من فلسطين، وقبل ذلك بتسخيف المقاومة التي في سياقها أسروا، وبين من يُخرجهم وهم يتمسكون بالثوابت الحقيقية. ثوابت المقاومة وفلسطين كل فلسطين من البحر إلى النهر.

 

يقولون إنهم لا يريدون تخريب العرس، وهم يسعون بكل ما أتوا من قوة لكي يخربوه عبر التنقيب في ثنايا الصفقة عما يقلل من شأنها ويتحدثون كما لو أن حماس كانت تفرض الشروط بكل بساطة، وبوسعها أن تخرج كل الأسرى ولكنها تقاعست لأنها فكرت بطريقة فصائلية. ساء ما يحكمون.

 

الأسوأ أن يستعيد بعضهم حكاية محمود عباس المعروفة حول كلفة شاليط، ويتحدث عن الثمن الذي دفعه قطاع غزة بسببه، مع أن قادة الاحتلال أنفسهم لم يقولوا إن حرب الرصاص المصهور قد شنت من أجل إطلاق شاليط، ومع أن أعداداً كبيرة من الشهداء والأسرى قد سقطوا في الضفة الغربية وهي في قبضة التنسيق الأمني وسياسات دايتون.

 

ليس ثمة من يقول إن كل شيء كان مثالياً، فأن يبقى بطل المقاومة الأروع في الضفة الغربية القسامي (إبراهيم حامد) في السجن، ومعه ثلة من أروع الرجال، فإن ذلك يؤكد أن المعركة مستمرة، وقد أعلن إبراهيم ورفاقه أنهم يباركون الصفقة (أحد المواقع التابعة للسلطة -هو يدعي الاستقلالية- زوَّر بطريقة غاية في الوقاحة رسالة من زوجات أولئك الأسرى تنتقد الصفقة، وعندما بعثت زوجة البطل إبراهيم حامد، الأسيرة المحررة أسماء حامد (أم علي) رسالة رد لم ينشرها الموقع).

 

هو يوم من أيام فلسطين، وهو تأكيد جديد على روعة خيار المقاومة وبؤس خيار المفاوضات، وهو تأكيد على أن شعب فلسطين لا يزال على عهده في إنجاب الأبطال، والاستعداد لزجهم في ساحات البطولة.

 

يخرج شاليط وهو يريد ترك الخدمة العسكرية والتقاعد، بينما يخرج الرجال وعلى كواهلهم عشرات السنوات من الأسر، وهم أكثر إصراراً على المقاومة. لا تراجع ها هنا ولا ندم ولا استسلام، بل إصرار على البطولة والعطاء، والأبطال الذي خرجوا لن يتقاعدوا، بل سيواصلون المسيرة بما تيسر لهم من وسائل، وبما يحتمله كاهلهم من أعباء.

 

شكراً لكل الأبطال الذي صنعوا هذه الملحمة، والمجد والجنان للشهداء الذين ارتقوا إلى العلى في سبيل إنجازها، والعار كل العار لمن يسخفون المقاومة، ويصرون على سياسة الاستجداء. ولا ننسى أبطال الثورات العربية الذين لولاهم لما كان لهذا الإنجاز أن يتم، ولما كان لنتنياهو أن يتجرع كأس السم ويقبل بالصفقة وهو ذليل صاغر.

 

هذا يوم من أيام فلسطين لن يُنسى، وسيكون محطة باتجاه الانتصار الأكبر، فهذا الاحتلال زائل، ومنذ سنوات ومنحناه في هبوط، بينما منحنى الأمة في صعود. هذا ما يؤمن به المخلصون من أبناء هذه الأمة.

 

سلام على فلسطين، سلام على الشهداء، سلام على الأسرى، من خرج منهم ومن بقي خلف القضبان، سلام على عوائل الشهداء والأسرى، سلام على من يقبضون على جمر الحق إلى يوم الدين.

 

صحيفة العرب القطرية

انشر عبر