شريط الأخبار

تأكل أسراها- معاريف

11:11 - 17 كانون أول / أكتوبر 2011


تأكل أسراها- معاريف

بقلم: تل بشان

(المضمون: جنود الجيش الاسرائيلي الذين تحرروا في صفقة جبريل اتهموا كمسؤولين عن "قصورات صفقة الاستسلام". في حالة شليط يجب عدم تكرار الاخطاء - المصدر).

        في 21 ايار 1985، يوم تحرير ثلاثة أسرى الناحل في صفقة جبريل الشهيرة، وجدت نفسي، حينها كنت مراسلة شابة رافقت عائلات الاسرى، أجلس في شرفة منزل عائلة غروف في حولون، أنتظر بتحفز الى جانب الاقرباء والاصدقاء المنفعلين عودة يوسكا غروف الى الديار بعد 990 يوما من الاسر.

        أشرطة صفراء رفرفت من كل صوب، صالون الشقة المتواضعة زين بالبلالين وبسلاسل الورق، والنشوة كانت في ذروتها: بعد سنتين وتسعة اشهر عذب فيها احمد جبريل الاسرائيليين، الصليب الاحمر والنمساويين الذين حاولوا التوسط، اخترقت الطريق: حكومة اسرائيل وافقت على تحرير 1.127 مخربا مقابل عودة يوسكا غروف، نسيم سالم وحزاي شاي، وها هم يعودون الى الديار الى عائلاتهم.

        عن مسألة كيف وجدت نفسي داخل العائلة، بدلا من خارجها، في تلك اللحظات الحرجة يمكن الرد فقط باننا كلنا كنا في حينه سذجا وعديمي التجربة – العائلة ايضا، التي لم تغلق ابوابها امام وسائل الاعلام في كل تلك الايام، وكذا الصحفيون الذين غطوا القضية، وربما المؤسسة الرسمية ايضا. احد لم يكن في حينه مجربا بما فيه الكفاية في "اجراء اعادة الاسرى" كي يعرف كيف يضع حدودا ضرورية في كل المستويات. ثمن السذاجة وانعدام التجربة اياهم دفعه كثيرون بما في ذلك عائلة غروف نفسها التي رافقتها عن كثب.

        كتب الكثير عن الثمن الباهظ لصفقة جبريل، الا ان معظم الانتقاد عليها جاء عندها بأثر رجعي. المفاوضات جرت تحت ستار ثقيل من السرية، ووسائل الاعلام كانت لا تزال "تعطي الاحترام" للخطوات في النوافذ العالية. وفقط بعد العمل اندلع الاحتجاج: فقد احتج الجميع على الثمن الباهظ الذي دفع وعلى تحطيم الرمز الاخلاقي "للارهاب لا نستسلم"، وغضب الكثيرون على مريم غروف (التي قضت نحبها لاحقا)، التي حطمت الرمز الاخلاقي للسلوك النبيل والهاديء الذي كان مطلوبا حتى ذلك الحين من عائلات الاسرى والمفقودين. الواقع منذ ذلك الحين أثبت بان في نهاية المطاف هذا ما تفعله أمهات الاسرى بشكل طبيعي ومشروع ولكن غروف اعتبرت منذ ذلك الحين كمسؤولة شخصيا عن "قصور صفقة الاستسلام".

        اسرى جبريل وجدوا أنفسهم في البداية تحت هجوم اعلامي غير منضبط (الناطقون والمستشارون الاعلاميون لم يكونوا في حينه)، منكشفين وعديمي الحماية، وبعد ذلك تحت هجوم رسمي، خجلين ومهانين. فقد قال القادة انهم أخجلوا الجيش (أولاد أبناء 18، واين كان قادتهم؟)، بل كان هناك من قالوا علنا: "خسارة أن عدتم، خسارة أن اعدتم". "في البلاد لا احد يحب الاسرى وهذا لا ينسجم مع تراث المعارك"، كتب يوسكا غروف لاحقا، "ولا سيما مع حقيقة أنه اذا اريد اعادة اسير الى البلاد فان لهذا ثمنا أيضا.

        العودة من الاسر اصبحت صدمة. يوسكا غروف "نزل تحت الارض"، وكذا رفيقاه في الاسر ايضا. مع أو بدون صلة – لن نعرف ابدا – فان العلاقة بين الام وابنها قطعت بعد ذلك على مدى سنوات طويلة. مريم غروف قضت نحبها قبل الاوان واسمها بات مستهجنا أو ممتدحا حتى اليوم، منوط بمن يكون المتحدث.

        بعض من الدروس منذئذ استوعبت. امهات المقاتلين لتحرير ابنائهن لم تعد تعتبرن ساحرات ينبغي احراقهن، والجيش بات يفهم ما هي صدمة ما بعد الاسر. والان ينبغي لوسائل الاعلام، للسياسيين والنشطاء أن يستوعبوا جيدا دروس المرحلة الثانية – ابداء النضج الحقيقي وترك العائلة وذلك لان اضواء الكاميرات والمايكروفونات والناس الذين يؤمون البيت في متسبيه هيلا ليست الوصفة للصحة النفسية لمن خرج لتوه من زنزانة مظلمة. كما ينبغي الامل بان تكون لعائلة شليط نفسها القوة والحكمة لابعاد كل من يسعى الى صالحها ويسعى الى العناوين الرئيسة من فتحة بابها.

        تجربة الماضي تدل على أنه لن يبعد اليوم، مع هدوء النشوة، الذي يقال فيه ان شليط الشاب مذنب بـ "الثمن" وبالعمليات التالية. واذا لم يكن ممكنا فرض الرقابة على كل ما يقال وسيقال من كل الحكماء بأثر رجعي – فعلى الاقل فليتعززوا نفسيا قبل ذلك.

انشر عبر