شريط الأخبار

عملية "الوفاء للأحرار" ودرسها الأساس ..عوني صادق

11:29 - 15 كانون أول / أكتوبر 2011


عملية "الوفاء للأحرار" ودرسها الأساس ..عوني صادق

بعد أكثر من خمس سنوات على بدئها، جاء مفاجئاً الإعلان عن توصل المفاوضات السرية غير المباشرة بين العدو الصهيوني وحركة (حماس)، على تبادل الأسرى، إلى اتفاق تم التوقيع عليه من الجانبين، وحظي بمصادقة الحكومة "الإسرائيلية". والمفاجأة دائماً هي إحدى سمات كل مفاوضات سرية، قد تكون سارة وقد تكون محزنة. لكن المفاجأة هذه المرة جاءت سارة، لم تغمر قلوب ألف عائلة فلسطينية بالفرح وحسب، بل قلوب كل العائلات الفلسطينية، ومعها قلوب كثيرة من العرب ومحبي الحرية كارهي الظلم والطغيان في العالم.

 

بداية لا بد من تأكيد أن حرية سجين فلسطيني واحد يعدّ إنجازاً يستحق أن يوصف بالكبير من دون تردد، فكيف يكون الحال مع تحرير أكثر من ألف سجين وسجينة؟ البعد الإنساني لهذا الإنجاز الكبير يعجز عنه الوصف ولا شك، لأنه ليس في استطاعة أحد مهما يكن، أن يثمّن دمعة طفلة طارت إلى حضن الأب الذي بالكاد تتذكر صورته، أو أم عاشت على أمل رؤية ابنها قبل أن تودع الدنيا، أو أب ضعف بصره وهو يتخيل ابنته أو ابنه، مقبلة أو مقبلاً عليه على رجليه، أو زوجة... أو أخت... والقائمة الإنسانية طويلة.

 

ولأنه لا أحد يستطيع سبر غور هذا البعد الإنساني مهما اجتهد وحاول أن يقترب منه، يظل الوصف أعجز عن وصفه، أو تثمينه. لكن هذا البعد غير المقدور على وصفه، لا ينفي أن قضية الأسرى هي قضية سياسية بامتياز، وأبطالها سياسيون بامتياز أيضاً. أولم يحل ثلاثة أرباع المليون فلسطيني في السجون "الإسرائيلية" منذ عدوان 1967، وبعضهم قبعوا لعقود في زنازينهم، بسبب وعلى خلفية مواقفهم السياسية، ودفاعاً عن القضية الوطنية ومن أجل استرداد الحقوق المغتصبة؟

 

وهذه العملية ليست في حد ذاتها سابقة في هذا المجال، بل سبقتها عمليات تبادل كان أبرزها العملية التي قامت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة عام 1985، لكن الظروف التي أحاطت بهذه العملية ربما اختلفت. ربما كان بعضها في مصلحة العملية السابقة، وربما بعضها كان في مصلحة العملية الحالية. لكن المهم في العمليتين هو "المشترك" بينهما، وهو معرفة متى يمكن الدخول في مفاوضات، وكيفية إدارة هذه المفاوضات مع خصم مثل العدو الصهيوني لتحصيل بعض الحقوق، وليس للتنازل عن بعض الحقوق. وقد يكون مبدأ التفاوض مع العدو الصهيوني في إطار القضية الفلسطينية مرفوضاً لدى ملايين موزعة على قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني (وأنا واحد من هذه الملايين)، لكنه ليس مرفوضاً بالمطلق في خضم الصراع، وفي قضايا جزئية ولكن مهمة مرحلياً، بصورة غير مباشرة ومن دون تنازل عن الحقوق الأساسية. لهذا، تستدعي مفاوضات تبادل الأسرى تلك المفاوضات العبثية المتواصلة منذ ما يقرب من عقدين، بما أنها تتزامن مع دعوة جديدة وجهتها اللجنة الرباعية الدولية لاجتماع يحضره الرئيس محمود عباس وبنيامين نتنياهو في باريس يوم 23 الجاري.

 

ما تسرب من تفاصيل العملية جعلها في رأي البعض "إنجازاً منقوصاً"، وهي لا بد أن تكون كذلك لأنها نتيجة للمفاوضات، أي ثمرة لتنازلات متبادلة. مع ذلك ورغم ما يمكن أن يعتورها من نواقص، فإن ما سيوضع موضع التنفيذ من الاتفاق في نهاية المطاف يستحق كل تقدير، لأنه دليل على أن المفاوض الفلسطيني الذي قاد عملية التفاوض استطاع أن يحقق الكثير مما سعى إلى تحقيقه. 

 

ومن الدروس المستفادة أيضاً، أن المفاوض الفلسطيني الذي يفتقر إلى القوة العسكرية القادرة على فرض التكافؤ والندية، لا يبقى له إلا أن يتسلح بالمبادئ، وأن يتمسك بالحقوق، وأن يستعد للتضحية، لا أن يستسلم لما تظهره النظرة الأحادية من ضعفه المادي، أو ما توفره له رؤيته القاصرة لواقع لا يعكس إلا حقائق جزئية. إن الاستسلام لغطرسة القوة المادية وعدم رؤية القوة المعنوية يوصل إلى التفريط. وما قلناه عن محدودية القوة العسكرية، وأهمية ودور القوة المعنوية، لا يعني أن الشعب الفلسطيني في غنى عن المقاومة المسلحة لتحرير الأرض والإنسان الفلسطيني، بل على العكس تماماً.

 

إن الدرس الأساس الذي تقدمه عملية "الوفاء للأحرار" يتلخّص في أنه لا يمكن للفلسطيني أن يتفاوض مع العدو الصهيوني إلا على خلفية القوة، وأن "القوة المعنوية" التي توافرت للفصائل الآسرة للجندي "الإسرائيلي" جاءت على خلفية امتلاكها لهذه القوة وبإيمانها أن المقاومة المسلحة واستكمال القدرات العسكرية اللازمة هي طريق الصمود والمواجهة وتحقيق الانتصار في آخر المشوار.

 

 صحيفة الخليج الإماراتية

 

انشر عبر