شريط الأخبار

من جلعاد حتى أحمدي نجاد .. هآرتس بقلم: أمير اورن

08:56 - 14 تشرين ثاني / أكتوبر 2011


من جلعاد حتى أحمدي نجاد .. هآرتس بقلم: أمير اورن

        (المضمون: انهاء قضية شليط يزيح عائق آخر في الطريق الى الهدف الاسمى الذي يسعى اليه نتنياهو وباراك. الان، بعد أن غيرا قادة أذرع الامن وأعادا الجندي المخطوف، فانهما متفرغان للانقضاض على مسألة النووي الايراني - المصدر).

        "هو وزير اعلام جيد، ولكن ليس وزير قرار جيد"، كتب رئيس الوزراء اسحق رابين عن وزير دفاعه، شمعون بيرس، في ختام جدال بينهما وتغيير قطبي في رأي بيرس. ما كتبه رابين عن بيرس الى الوزير اسرائيل جليلي، حسب كتاب عاموس شيبرس ("حارس المؤسسة وواضع الخط")، صحيح بأضعاف في حالة من انتصر على بيرس بعد اغتيال رابين.

        بنيامين نتنياهو يعرف كيف يقوم بالمهامة الاعلامية، ولكن يجد صعوبة في اتخاذ القرار. وعندما أخيرا يتخذ قرارا اشكاليا ويجتهد كي يروج له اعلاميا، فانه يشدد القلق: في أيدي من توجد دولة اسرائيل والى أين يقودها.

        عندما تدار مساومة طويلة، يميل الناس أحيانا الى الغرق في التفاصيل والوقوع في حب الصغائر. صحيح، الغابة احترقت، ما العمل، ولكن نجت شجرة قديمة ما كانت تقف رمزا في وسطها. من جهة صحيح أنه سيتحرر مئات القتلة، ولكن من جهة اخرى أقر المطلب الاسرائيلي القاطع في أن يسافروا الى الحرية في باص وليس في قطار.

        في الميزان التاريخي حققت حركة المقاومة الفلسطينية والتزمت الاسلامي انتصارا كبيرا. فقد بادرت الى خطوة، نفذتها، صمدت وأخضعت اسرائيل. وهكذا أثبتت بان الصبر مجدٍ، وان الزمن العربي ينتصر على الزمن الغربي، وأنه في ضوء طول النفس لا يوجد معنى للتفوق العسكري والتكنولوجي. واذا كان هكذا، فلعله مع ذلك يوجد احتمال في اخفاء اسرائيل، بعد مرور عقود من الزمن.

        هكذا في الاطار الواسع، الفكري، من ناحية  تنفيذية، هذه رسالة  ستتغلغل في أرجاء العالم الاسلامي، من حماس الى حزب الله والجهاد على انواعه، من شرق آسيا وحتى جنوب أمريكا، من الصين وحتى سيناء، لكل فتى لا يحتاج الى سلسلة قيادية وبنية تحتية من وسائل القتال كي ينهض، يختطف اسرائيليا يلوح له، ويخبئه في مكان ما أعده وليطالب مقابله بتحرير ألف سجين.

        نتنياهو يذكر كسفير في الامم المتحدة عارض جدا صفقة جبريل في 1985، الى أن خرب في مقابلة تلفزيونية تقررت لسيده السياسي موشيه آرنس، لغرض تعليل الصفقة. هو وايهود باراك يعرفان بان خريجين من وحدة "سييرت متكال" مغرورين لم يسبق ان استسلما هكذا لاحمد (الجعبري) ومحمد (ضيف).

        هذه صحوة أليمة، يمكن حل لغز دوافعها فقط في السياق الذي يخرج عن سياق صفقة جلعاد شليت. نمط عمل نتنياهو وباراك يدل على استعداد لامتصاص هزيمة صغيرة، اذا كانت برأيهما ستجديهما في تحقيق نجاح كبير.

        مثل بيغن

        من سلوك رؤساء الوزراء ووزراء الدفاع في قضايا سابقة، تظهر مؤشرات دالة تتراكم لتصبح اتجاها واضحا لنتنياهو وباراك: في الطريق الى مغامرة عسكرية.

·        حالة شريت: في العام 1956 قرر دافيد بن غوريون شن حرب ضد مصر كي يضمن لنفسه تحكما أقصى. صرف من الحكومة وزير الخارجية موشيه شريت الذي عارض خطه الكفاحي. وعندما نسق مع بريطانيا وفرنسا حملة السويس حرص على عدم اطلاع شريت الذي احرج بجهله لدى زيارته الهند.

·        العراق أهم من سوريا: في ربيع 1981 ادخلت سوريا صواريخ ارض – جو الى لبنان. مناحيم بيغن أراد مهاجمة الصواريخ. حالة الطقس السيئة والتدخل الامريكي دفعاه الى الغاء العملية. بعد ذلك فكر بيغن مرة اخرى وقرر بان الهجوم على المفاعل العراقي أهم من ضرب الصواريخ السورية، وكون اسرائيل من شأنها أن تدفع ثمنا اسرائيليا باهظا على كل واحدة من الحملتين، فيجدر منح اولوية للمفاعل.

·        اشارة ضوئية خضراء: الحماسة لنيل موافقة امريكية على العملية تؤدي الى ظاهرة جسدية مميزة من عمى الالوان: عندما يقف القائد الاسرائيلي أمام اشارة ضوئية في واشنطن، فان كل لون يبدو له اخضر. وزير الدفاع ارئيل شارون، في زيارته لوزير الخارجية الكسندر هيغ في ايار 1982، تخيل أنه انتزع من هيغ تفهما لحملة في لبنان ردا على "استفزاز كبير" ماهيته بقيت غامضة. كان هذا هو الاساس المتهالك للفرضية بان ادارة ريغان – التي لم يكن هيغ الاقوى فيها – ستتجلد على اجتياح للبنان بعد اسبوعين من ذلك.

المشبه به شفاف تماما: توظيف الشخصيات كما يروق للمقررين؛ استخدام قطاعات ثانوية لخدمة اولوية عليا واحدة؛ والتقدير – الصحيح أو المغلوط – في ان الادارة الامريكية سترد بعدم مبالاة أو حتى بالتأييد، وليس بالمعارضة النشطة.

        حكومة نتنياهو – بارك بدأت تعمل في اذار 2009. في موضوع بائس واحد، المسيرة السياسية مع الفلسطينيين، ادعت انها تبدأ من جديد وعلقت حتى اليوم. في موضوع آخر، اعادة اشغال المناصب الامنية العليا، تلبثت. وعندما ندمت، كان الاوان قد فات. فقد فقدت كل العام 2010 ونصف العام 2011.

        باراك ونتنياهو أسفا للسنة الرابعة لغابي اشكنازي كرئيس للاركان، السادسة ليوفال ديسكن في رئاسة المخابرات والثامنة لمئير دغان لرئاسة الموساد. الاولى تلقياها إرثا من الحكومة السابقة، التي عملت بتوجيه من المستشار القانوني في حينه ميني مزوز. الاثنتان الاخريان لديسكن ودغان منحهما نتنياهو، باقرار من باراك (حسب الاتفاق السياسي بينهما).

        أشكنازي ودغان اثقلا على نتنياهو وباراك في العمل ضد ايران. ديسكن منعهما من الاستسلام لحماس في صفقة شليط. في الموضوعين تخوف السياسيون من الصدام مع القيادة المهنية القائمة في مداولات الحكومة، ولاحقا أيضا بين الجمهور وأخيرا – اذا ما تحققت التحذيرات – ربما ايضا في لجنة التحقيق.

        الحل، مثلما في حالة شريت، كان في تغيير الاشخاص. وزيرة الخارجية غولدا مائير كانت صغيرة أكثر في القيادة الحزبية، موالية شخصيا لبن غوريون وعاطفة على النزعة القتالية. نتنياهو وباراك ارادا يوآف غالنت رئيسا للاركان وليس غادي آيزنكوت، الذي كان تفضيل اشكنازي، بالمعنى الايراني. فحصلا على بيني غانتس الذي عمد حتى الان الى الامتناع عن المواجهات مع وزير الدفاع وعمل على تمييزه نفسه عن اشكنازي.

        ليس لهذا الخلف تمنى اشكنازي. غانتس لم يصر على ان يعين في منصب النائب العسكري الرئيس العقيد شارون افك، الذي كان توصية لا لبس فيها من اشكنازي. رئيس الاركان الحالي فضل ايضا التعيين لمنصب قائد سلاح البحرية العميد (وابتداء من هذا الاسبوع اللواء) رام روتبرغ، وليس توصية اشكنازي، العميد راني بن يهودا. هذا، بالطبع، لا يعني ان غانتس سينثني في كل حالة وفي ضوء كل ضغط. يحتمل أن يكون يحشد الارادة الطيبة ويجمع الادلة على موضوعية مواقفه في الخلافات.

        الخبراء الاكثر مصداقية في اسرائيل يقدرون بان الخطر الكامن في النووي الايراني سيتحقق في أقرب وقت في 2014. ويستند حسابهم الى سنة تقريبا حتى يقرر الزعيم الايراني علي خمينئي اذا كان سيحول القدرة المتراكمة لديه في قنوات موازية (المادة، الصواريخ، الرؤوس المتفجرة) الى سلاح نووي، وسنة اخرى فأكثر من لحظة القرار وحتى تحقيق القدرة العملياتية.

        وحتى وان كان لغرض البحث يمكن التخمين بان هذا التقدير مقبول على القيادة العليا في الجيش الاسرائيلي – رئيس الاركان غانتس ورئيس شعبة الاستخبارات العقيد كوخافي - فعندها يمكن لرئيس وزراء أو وزير دفاع مجرب أن يختار لنفسه تقديرا آخر.

        الشرطان لذلك هما أن يجد له خبيرا مصداقا آخر، على طريقة رئيس شعبة الاستخبارات – البحوث قبيل حرب لبنان، آفي يعاري، قال لبيغن، لشارون ورئيس الاركان رفول ايتان ما ارادوا أن يسمعوه، خلافا لرئيس شعبة الاستخبارات يهوشع سغي؛ وان المقدر الذي يختلف مع وزير الدفاع لن يحاكي سلوك سغي، الذي حاول تعليل معارضته الهزيلة بكلمات "تنحيت جانبا" (ونحي نهائيا جانبا بأمر من لجنة كهان).

        جهاز قياس حرارة اقليمي

        باراك غضب قبل اسابيع قليلة على قائد الجبهة الداخلية ايال آيزنبرغ، لتقديره بانه تعاظمت الاحتمالات للاشتعال الاقليمي، مع أنه يخيل أن آيزنبرغ كان محقا: فجهاز قياس الحرارة الاقليمي يبين أنه بالذات لان سوريا في هذه اللحظة ضعيفة ومصر لا تزال يحكمها – وان لم يكن يسيطر عليها تماما – المجلس العسكري، فقد يشتعل صدام كبير، متعدد الجبهات، مع صواريخ ومقذوفات صاروخية من الشمال ومن الجنوب على الجبهة الداخلية الاسرائيلية، ردا من حزب الله وحماس على حملة كبيرة للجيش الاسرائيلي او كضربة مسبقة، بتكليف من ايران.

        التغيير في موقف المخابرات، مع الانتقال من ديسكن الى كوهين، لم يكن مفاجئا. فقد كان متوقعا في اللحظة التي قرر فيها نتنياهو القفز عن المرشح الرائد، "أ"، الذي كان متماثلا جدا مع خط ديسكن. في أجهزة ذات تراتبية صلبة مثل سلاح الجو والمخابرات، يكفي وضع رئيس جديد لتغيير موقف الجهاز من الاقصى الى الاقصى.

        عندما أراد رابين الغاء مشروع طائرة "لفي" عين قائدا لسلاح الجو بدلا من مؤيد الطائرة عاموس لبيدوت، المعارض الصاخب لها، أفيهو بن نون. في كوهين وجد نتنياهو رئيس مخابرات من خلف ظهره يمكنه أن يختبيء حين يوافق على ذات الصفقة التي وصفها دوما بنفسه كاستسلام للارهاب.

        وبالنسبة للضوء الاخضر، فان رهان نتنياهو وباراك كبير على نحو خاص. لعلهما يقدران بان براك اوباما سيتجلد وان الدول العربية من السعودية وحتى مصر سيسرهم في الخفاء ما اعفوا منه من اتخاذ القرار في السير وراء ايران والتحول النووي.

        اذا كانا مخطئين فهذا وهم خطير على نحو خاص، إذ بعد أن قال وزير الدفاع، ليئور بنيتا، في طائرته في الطريق الى تل أبيب ومرة اخرى في وزارة الدفاع انه طلب "تنسيقا" ضد ايران – اذا عملت اسرائيل سينشأ انطباع بمثل هذا التنسيق. وهكذا، كما يذكر، ورط بيغن أنور السادات في لقائهما في شرم الشيخ، عشية الهجوم على المفاعل العراقي وقبل أربعة اشهر من اغتيال السادات.

        في الساحة الداخلية، فان انعطافة حدوة الحصان التي قام بها نتنياهو في قضية شليط شطبت معظم الفوارق بين الاحزاب. اذا كان كل رئيس وزراء، من كل حزب، غير مذهبه، واستسلم في نهاية المطاف لحاجة الواقع، فما هو مسموح لليكود أكثر من كديما، العمل، اسرائيل بيتنا.

        بتعابير محببة جدا على نتنياهو تتصرف هذا الاسبوع مثل تشمبرلين في محاولته تصوير الاستسلام كانجاز. لن يبعد اليوم، كما يؤمن نتنياهو، حتى يخرج من داخله تشرتشل. حتى ذلك الوقت من الافضل ان يستسلم مرة اخرى. هذه المرة للاطباء المختصين. فالمستشفيات بحاجة لهم، قبيل التصعيد الذي على شرفه سعى نتنياهو وباراك الى اغلاق الاطراف في صفقة شليط.

انشر عبر